pomni
fire walk with me
تلك الاحلام
اراحت رأسها إلى وسادتها .. حرك الليل بداخلها صدى حزينًا ..من بعيد يتعالى الهدير .. يبتعد فيخفت , أثار كلبًا فعوى .. عوى كطريدٍ في غربة البين ينوح , تفلتت من عينيها دمعة لا تدري لها سببًا , تقلبت على فراشها تنصت لحفيف الاغصان خلف نافذتها ورياح اللي تعصف بها ..
تغفو فترى نفسها ترتقي درجات الحافلة .. درجة تتبعها اخرى فيعم الظلام .. تظلم .. تظلم , ومن خلف الظلام تبصرهم وقد تراصوا على مقاعدهم ونزعوا اقنعتهم البشرية , تشهق .. تفتح عينيها , مدت يدها تشعل المصباح عن يمينها .. عم الغرفة ضوءه الباهت , مجددًا يراودها ذات الحلم وتلك الحافلة ..
.
تطرق جدتها الباب بعصاها .. تتجاهلها إلا ان طرقاتها الرتيبة تستمر ولا تتوقف , وكانت جدتها تستيقظ عند الفجر تصلي فتعد الافطار ثم توقظها بتلك الطرقات التي تدفعها للجنون , كانت قليلة الكلام ضعيفة السمع والبصر والذاكرة ..
نهضت خارجة من الغرفة , رأت جدتها مستندةً الى عصاها امرتها .. الصلاة .. جرَّت نفسها الى الحمام وبعد دقائق عادت لتجلس على مائدة الطعام , تظاهرت بالأكل .. نظرت بطرف عينيها الى جدتها .. كانت تحدق بها كأنما تراها للمرة الاولى ثم سألتها : من انت ؟ .. اجابت : رهف , اصدرت بفمها صوتًا يعكس حيرتها وقالت " لا يهم سأنادي السائق بدلي ثيابك "
تساءلت في نفسها من الذي يذهب للمدرسة بعد الفجر ثم صاحت " جدتي انها عطلة الصيف " ..
.
عند الظهيرة نامت جدتها وتسللت هي الى الخارج , جلست امام البيت تراقب كلبًا يغفو , تتذكر امها وتتساءل لما لم تصحبها في رحلتها الصيفية , لماذا تركتها مع تلك العجوز البغيضة , في داخلها كانت تعلم وان اخفته بين احلامها ..
تلفتت حولها .. لا شيء عدى بعض البيوت المتناثرة وطرق غير ممهدة تمتد على مرمى البصر , كانت قرية بائسة لم يتبدل حالها من سالف الدهر , فإن ابتغت بقالة كان عليها ان تمشي ساعة الى ان تصل محطة الوقود هناك ستجد البقالة ومتجرًا يفترض منه ان يبيع كل شيء واي شيء إلا انه دائما ما كان خاويًا إلا من معروضات اشبه بمخلفات احدى الحضارات البائدة , وعامل يبدو كسفاح هارب , كانت تصبر على المشي تمني نفسها بإرسال يلتقطه هاتفها اذ كانت الشبكة منعدمة في بيت جدتها ..
توجهت الى البقالة وكطفلة في الثانية عشر ابتاعت بعض الحلوى .. توقفت قليلا تترقب اتصالا من والدتها لا يأتي , حاولت ان تتصل هي فكانت لا تحظى إلا بصمت على الجانب الآخر ..
ولدى عودتها صادفت سيارة متوقفة على جانب الطريق سمعت جلبةً واصواتًا غير مفهومة , وحين دققت النظر رأت اربعة رجال بأقنعة ماعز , افزعها مظهرهم فتجمدت واقفة , كانوا يضعون شيئًا ما في الحقيبة الخلفية للسيارة , سمعت همسات لم تتبينها : دوسس دسسوسس دويس خووسس دوسسس ....
وفي لحظة تواروا داخل السيارة التي استدارت بحركة عنيفة وعبرت من أمامها , في تلك اللحظة لمحت رجلا على المقعد الخلفي لم تقع عينها قط على ابشع منه خلقة , كان ذا رأسٍ شيطانية وجسد ممزقٍ إلا من يمناه التي حملت كأسًا وعلى شفتيه ابتسامة شنيعة, وقفت ترتجف .. كانت لحظة كئيبة , وحيدة ترتجف من الخوف , في هذه القرية المنعزلة من يبالي بها ..
اهتز هاتفها .. هند ! , كان من النادر ان تعمل الشبكة , اجابت بحماسة .. ارادت ان تخبرها بما رأته الان لكن كان هذا اغرب اتصال تتلقاه , فما ان اجابت حتى اتاها صوت هند .. كانت تتكلم وتتكلم دون توقف حتى انها لم ترد تحيتها او تمنحها لحظة للكلام , كانت تخبرها عن رحلتها الى مكان ما .. اختبار ما .. حديقة من الازهار السوداء .. مطاردة لصيد احد الحيتان .. عاصفة ثلجية ونتيجة احدى المباريات وتوقعات بحالة الطقس , ثم اغلقت كأنما كانت فقرة اخبارية , لم تفهم فعاودت الاتصال لكن الاشارة تلاشت ..
.
وصلت لبيت جدتها قبيل العصر , صعدت الى السطح , كان الجو باردًا فأعدت لنفسها كوبا من الشاي , تتطلع الى السماء .. تتمنى لو كانت في حلم , لسبب ما لم تعد تميز بين الواقع والاحلام ..
في احلامها ترى نفسها داخل سيارة وامامها على مقعد السائق رجل يرتدي نظارة سوداء سميكة ويغطي وجهه شعر دقيق كثيف كأنما طلى وجهه بالقطران , بدا لها كخاطف اطفال , لا تذكر من هو ولا لما هي معه , توقف امام بقالة وأمرها : اذهبي وابتاعي شيئًا لتأكليه ..
لم تكن جائعة إلا انها اطاعته يدفعها الخوف منه , بعد لحظات عادت اليه , رأته ينظر لهاتفه ويحك رأسه , قال : الطريق مزدحم لتنامي الليلة مع ابنتي ..
كانت في مثل عمرها وعلى العكس من والدها بدت كفتاة لطيفة لا تفارقها ابتسامتها , اخذتها لغرفتها واستمرت تثرثر الى ان انتصف الليل , قالت الفتاة " انا خائفة " , نظرت لها بغير فهم فقالت " ألا تسمعين تلك الاصوات ؟ " اجابت رهف أن لا , همست الفتاة انصتي , ثم تسللت من الفراش وفتحت باب الغرفة بهدوء , تبعتها رهف الى الممر , خفضت الفتاة صوتها وقالت " تلك الشيطانة لابد انها في غرفة ابي الان "
ثم ابتسمت فجأة وبدت كأنها تذكرت شيئًا فجذبتها من يدها وقالت وهي تندفع عبر الممر " تعالي " , صعدت بها الى الطابق العلوي وهي تقول " لنذهب الى امي , ليس مسموحًا لها بمغادرة الملحق , لكن لن ينتبه ابي الليلة ان صعدنا إليها " ..
طرقت الباب ثم اندفعت الى غرفة امها, عانقتها وقالت " سأنام معك الليلة " , تقدمت رهف وحين عبرت للداخل فوجئت بامرأة لم تقع عيناها قط على من يدانيها في الحسن غير ان وجهها المرهق قد عكس حزنًا على احزان ..
مسحت على رأس ابنتها وابتسمت بمرارة دون ان تتكلم , نظرت الى رهف فقالت الفتاة " احضرها ابي لتمضي الليل معنا " , شعرت كأنها متسولة ولم تجد ما تقوله , تركتهما الام ودخلت الحمام بعد ان اطفأت المصابيح , صعدتا الى السرير واستلقتا ووجههما مقابل الزجاج الذي غطى الحائط بكامله , قالت الفتاة وهي تشير الى الجانب الذي يحجبه ستار النافذة " من هنا تدخل الشياطين يجب ان تحذري " , احست بالقلق وحاولت ان تغلق عينيها فكان يُخيَّل إليها كأن ظلاً لشخص ما يقف خلف النافذة , يتحرك .. يجلس .. يقف .. يعاود الحركة , نظرت للفتاة كانت نائمة , حاولت اغلاق عينيها دون جدوى ..
عادت الام من الحمام ونامت في الاتجاه المقبل لرأسيهما حاجبةً عنهما النافذة , احست رهف بالراحة وزال عنها الخوف , استيقظت الفتاة .. حركت جسدها وعاودت النوم معانقة امها , نظرت رهف اليهما ووضعت رأسها على ساعد الام الممتد خلف رأسها ونامت ...
.
عادت تتقلب بين احلامها .. في احلامها كان لها اخت صغيرة .. تمسك بيدها .. يصعدان الحافلة .. تتلاشى .. مجددًا ذات الصوت الشيطاني .. انا الان معلمتكم الجديدة .. معلمتكم الجديدة .. معلمتكم .. تستيقظ فزعة .. ترتجف .. تشعل المصباح .. تنهض ..
.
كان الوقت عصرًا , وفي الخارج كانت جدتها تحتسي الشاي مع جارة لها وابنتها زهرة قد حملت رضيعها وتثرثر بصوتها المرتفع بينما العجوزتان تتظاهران كأنما تتابعان ما تقول ..
كانت تحمل طفلها بيد وباليد الاخرى تعد القهوة , اشعلت فحمًا بينما اخذت تجفف حبوب القهوة المنقوعة في الماء , قالت " حتى شمس ما ان تزوجت حتى غادرت القرية .. انا البائسة الوحيدة التي بقيت بعد الزواج " .. تجاهلتها والدتها ولم تعلق جدة رهف ..
وضعت زهرة حبات القهوة على المحمصة المعدنية .. كانت تقلبها وتقول " مقوي الاشارة الذي وضعته بالكاد يعمل .. ما اتعسها من قرية " , وافقتها العجوزتان وهما على الاغلب لا تعيان ما سمعتاه ..
انتقت حبات القهوة بعناية وباشرت بطحنها , تابعت قائلة " حتى اسمها يتشابه مع اسم تلك القرية الكبيرة فلا يدري العالم عنا " , غلت الماء ثم صبته فوق القهوة المطحونة قبل ان تضعه على الفحم , قالت امها " في طفولتنا صنع لنا الوالد حفرة ثم غطاها بالملاط وصب فوقها الماء " علقت زهرة متعجبة " يمه تسبحين " , ردت امها " كدت اغرق انا واخوتي فأخرجونا وردموها " , عبرت رهف من امامهم فنادتها زهرة ان تحمل الطفل عنها ريثما تنتهي ..
انتظرت حتى ترسبت في القاع ثم صبتها فوق الهيل وعادت لتسخينها , وكان الطفل قد بدأ بالصراخ ما ان حملته رهف .. ازعجها صوته فضربته ليسكت .. صرخت بها جدتها " لا تؤذي الطفل " ..
وضعت زهرة الزعفران داخل الدلة ثم غطت فوهتها بقطعة من ليف النخيل قبل ان تسكب القهوة المغلية داخلها , تناولت طفلها من رهف وعادت لتقدم القهوة للمسنتين , وفي جلستهم تبادلوا احاديثهم الاثيرة عن الذكريات والاشباح الى ان قالت زهرة بشكل مفاجئ " اليوم رأيت البدر عصرًا في الجهة المقابلة للشمس " , انتبهت رهف ليد جدتها التي ارتجفت , نظرت الى زهرة التي قالت " انها علامة لليوم الذي يعبر فيه موكبهم .. أليس كذلك " وبصوت مخيف اكملت " اعني موكب المشوه " ..
قالت امها "كم انت مهووسة اعوذ بالله "
قالت زهرة " لكني رأيتهم " , رمقتها امها بنظرة عتاب فقالت " لم ارهم حقًا لكن شعرت بهم وسمعتهم , في ذلك اليوم كنت عائدة من البقالة وصادفت شيخًا يجلس على قارعة الطريق وقد علا صوته صارخًا : الويل الويل , دفعني الفضول لأسأله عن حاله فأشار الى الشمس ثم البدر وقال هذه علامتهم عند منتصف الليل يعبرون , عدت وحدثت أبي رحمه الله بما سمعت فقال : تلك خرافة انتشرت قبل عشر سنوات لا تكترثي , لكن يمه تعرفيني ما ان انتصف الليل حتى دفعني الفضول فخرجت الى الطريق "
سألتها رهف " ثم ماذا "
اجابت زهرة " كان الضباب منتشرًا على غير العادة سمعت اصواتهم وشعرت بأقدامهم تضرب الارض , جمدني الرعب وصوت الهدير يدوي من مكان ما .. سقطتُ من هول الصدمة وكانت الارض ترتج كأنما زلزال " ..
التفتت رهف الى جدتها وعيناها قد اتسعتا قبل ان يسقط فنجان القهوة من يدها , صاحت ام زهرة بابنتها " زهرة .. يكفي " , فأمسكت عن الكلام معتذرة ونهضت تجمع بقايا فنجان الجدة من الارضية وتنظف ..
.
في احلامها اوقفت امها السيارة امام الفندق ثم أمرتها " اصعدي الى الغرفة ونامي ولا تنتظريني قد لا اعود الليلة " ..
اطاعتها دون تعليق وما ان وصلت الغرفة تذكرت انها نسيت البطاقة , عادت الى البهو تطلب المساعدة فلم تجد العامل , كان الهدوء يعم المكان وقد خلا من العاملين او النزلاء ..
جلست تنتظر واضعةً حقيبتها المدرسية الى جانبها , مرت ساعة الى ان اقتحم البهو رجل ذو شارب كث ونظرات حادة , اخذ يتلفت حوله وحين وقع بصره عليها نظر لها مليًا قبل ان يندفع الى غرفة العاملين , كانت اللوحة على باب الغرفة " يمنع الدخول لغير العاملين " فظنت رهف انه احد العمال فتبعته الى الداخل تسأله عن بطاقة اضافية , تجاهلها وهو ينظر الى شاشات المراقبة ويطرق المفاتيح بعشوائية , همت ان تسأله إلا ان نظرته اربكتها ..
قال بصوت هادئ سحرها عمقه " كيف يعمل هذا الشيء ؟"
اجابت " اي شيء تعني ؟ "
اشار بيده الى احد اللقطات على الشاشة وقال " هذه التي تعرض مفترق الطرق .. اعرضي تسجيلات منتصف ليلة امس "
التفتت تغادر لكنه قال بصوته الهادئ " انا من الشرطة .. قبل ايام قُتِلَ شخصين من الحي ذاته ونشتبه بأن القاتل قد مر بهذا التقاطع في ذلك الوقت , لذا انا بحاجة لتعاونك فلا وقت لدينا "
سألته " لا يمكنك انتظار العامل ؟ "
قال " لا "
تقدمت الى شاشات المراقبة , قالت " لا اعرف لكن من السهل التخمين "
امسكت بالفأرة وهي تقول " العودة لشاشة المعاينة .. التاريخ .. رقم اللقطة .. ثم نستعرضها .. من اي ساعة ستبدأ ؟ "
قال " ابدئي من العاشرة مساءا "
وفي الساعات التالية كان يأمرها كلما ارتاب بسيارة ان تعيد اللقطة ليتأملها قليلا ثم يطلب منها المتابعة , وفي كل مرة تشعر بالارهاق تقرر انها ستغادر بعد فحصه للسيارة التالية إلا ان صوته الآمر بما يحمله من عمق كان يجبرها لسبب ما على طاعته , واخيرا قال لها " يكفي لا فائدة ", ثم حك ذقنه وهو يفكر " كيف له ألا يعبر من هذا التقاطع .. كيف " ..
بطريقة ما احست انها معجبة بما يفعل ولم تُرِد المغادرة بل وجدت نفسها تشاركه التفكير قائلة وهي تشير الى لقطة كانت تعرض طريقًا فرعيًا قبل التقاطع وسألته " هل من الممكن انه انعطف هنا .. ان سار على هذا الطريق فربما ... "
قاطعها " نعم ربما لكن ... " , ثم شرد يتأمل كلامها
سألته " هل احضر لك القهوة " , وقبل ان يقول شيئًا سمعت وقع اقدام تقترب وصيحات تأمر العمال بالتراجع قبل ان يقتحم الغرفة رجال الشرطة .. في تلك اللحظة رأت الرجل ذو الشارب يقفز هاربًا محطمًا النافذة ورجل الشرطة يصرخ بجنوده اتبعوه لا تسمحوا له بالهرب ... وفي لحظة كان الحلم يتلاشى ...
.
في الليل كانت غارقة في احلامها ترى نفسها على الطريق وقد احاط بها الضباب ومن بين الضباب ترى موكبهم المهيب كان رجال الماعز يحيطون بعربة ويتقدمون بمشيتهم العسكرية وعلى قمة العربة رأت ذات الرجل المشوه كان يتلوى من الألم رافعًا ذراعيه الى السماء ويصرخ كأنما يعوي .. يتعالى صوته ويهوي قلبها ..
تعبر لحلم كانت فيه جاثية على ركبتيها تتعلق بملابس جدتها وتصرخ باكية " أبي لا لا .. , لكن جدتي .. جدتي لماذا انت هنا .. لماذا .. لماذا .. ؟ "
تبكي فتبكي جدتها .. تتساقط دموع الجدة على وجهها فتختلط بدموعها ..
" وهناك افكار بعينها تساعد في استجلاب عواطف مثيرة للازعاج وبالتالي نرى هذا السلوك الغير سوي .. اذا الافكار المشاعر السلوك .. "
صمت الدكتور قليلا قبل ان يحثهم على الاسئلة .. خطت رهف على الورقة امامها شكلا هرمي وعلى زواياه كتبت افكار مشوهة .. مشاعر سلبية .. سلوك غير سوي , انتهت المحاضرة واخذ الجميع بالمغادرة إلا انها استمرت بالكتابة على اضلاعه .. العقل .. العاطفة .. الرغبة ....
كانت قد انتقلت للمدينة لتعتني بها واحدة من بنات عم جدتها بعد موتها , وكانت الجدة قد تركت لها ثروة تغنيها أبد الدهر , لذا فما ان انهت الثانوية حتى وقع اختيارها على جامعة خارج مدينتها بغية الانعزال عن قريبتها ..
درست بجد وثابرت منزوية عما حولها .. يُثقلها ماضيها .. وتعذبها مشاعرها المضطربة .. ارادت بشكل ما ان تتعرف الى نفسها وترى ما بداخلها .. كانت تلك الاحلام وقد اختلطت بواقعها تحاصرها , تخشى كم ستبدو غريبة ان ارتبطت بغيرها رأت نفسها بين الناس كوحيدة مفردة احدقت فيها العداة , فمضت بها الايام بين وجوم وفكر واكتئاب وعزلة حتى التقت وعد , يومها كانت في مكتبة الجامعة .. اعادت احد الكتب التي استعارتها وكان كتابا عن النفس الخفية لم تجد فيه بغيتها , مرت بقسم المخطوطات واثار اهتمامها احد العناوين " نفس كنفسك واحلام كيقظتك " , حاولت استعارته الا ان امينة المكتبة رفضت محتجة انها النسخة الوحيدة للمخطوطة فقررت ان تلتقط لها صورًا , وبينما تفعل اخذت وعد المخطوط من يدها ووضعته داخل حقيبتها ..خرجت من المكتبة فتبعتها رهف وهي لا تفهم , وفي الخارج ناولتها الكتاب وقالت اذا فرغتي منه انا سأعيده فلا تهتمي ....
.
ذات يوم كانت في بيت وعد , تتذكر حينها كم كانت مرهقة , قالت " انا منهكة .. اشعر ان حياتي زائفة .. في كل لحظة اتمنى الموت "
قالت وعد " لو تناسينا افكارك فحياتك ليست بذلك السوء , امضيتِ شطرًا من طفولتك مع امك بعد موت والدك الى ان تزوجت ورحلت للخارج , انتقلتِ لبيت جدتك الى ان ماتت , والان انت شبه مستقلة وقد خصتك بكامل ثروتها , لكن انت بطريقة ما لا تثقين بتلك الذكريات .. كان لك اخت صغرى وتلاشت من حياتك هكذا تدعين ان والدتك تكرهك لانك ربما كنت سببًا في موتها , ثم تلك القرية مع جدتك لم تكن هي نفسها حين عدت لزيارتها , ومن قبل ماتت جدتك لتحميك .. من ماذا ؟ لا تدرين , واخيرا تلك الحافلة التي ما انفكت تراودك في احلامك , وباختصار لا تشعرين بالانتماء لواقعك .. تتوارين عن العالم كما لو انك مذنبة , لكن ماذا لو كانت طريقتك في الحياة هي سبب معاناتك واعني ان سعيك خلف ماضيك هو سبب معاناتك لا الماضي نفسه .. "
سألتها رهف " ماذا يعني هذا ؟ "
قالت وعد " بدلا عن الشعور بالذنب لموت اختك او جدتك انسي ما مضى لا بل افترضي الاسوأ وتقبليه .. امك تخلت عنك لانها عشقت رجلا وجدتك تركت لك ثروتها شفقة على الفتاة الوحيدة التي امضت ايامها الاخيرة برفقتها في تلك القرية الكئيبة "
قالت رهف " لكن في احلامي انا ... "
قاطعتها وعد " كفى .. انت لن تفهمي ما لم .. مهلا ما رأيك لو نمضي العطلة في تلك المدينة .. لنسافر غدًا "
قالت رهف بتردد " ماذا ... ؟ "
تابعت وعد ببعض الحماسة " لابد من بعض التغيير .. كآبتك صنعت حاجزًا بينك وبين زملائك لابد من وجوه جديدة .. اسمعي قد تجدي من يخرجك من عزلتك , انظري إليَّ انت جميلة لكن اهمالك لنفسك يفوق الوصف , لنجري بعض التعديلات ولنبدأ بتسريحتك .. في الوقع تبدين كطفلة متخلفة ضاعت عن امها "
قالت رهف بيأس " لكن انا .. الى حد ما .. طفلة متخلفة ضاعت عن امها .... "
التعديل الأخير: