hits counter

لو أكتب قصة قصيرة ..

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع pomni
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

تلك الاحلام


FcB6vnr.jpeg



اراحت رأسها إلى وسادتها .. حرك الليل بداخلها صدى حزينًا ..من بعيد يتعالى الهدير .. يبتعد فيخفت , أثار كلبًا فعوى .. عوى كطريدٍ في غربة البين ينوح , تفلتت من عينيها دمعة لا تدري لها سببًا , تقلبت على فراشها تنصت لحفيف الاغصان خلف نافذتها ورياح اللي تعصف بها ..

تغفو فترى نفسها ترتقي درجات الحافلة .. درجة تتبعها اخرى فيعم الظلام .. تظلم .. تظلم , ومن خلف الظلام تبصرهم وقد تراصوا على مقاعدهم ونزعوا اقنعتهم البشرية , تشهق .. تفتح عينيها , مدت يدها تشعل المصباح عن يمينها .. عم الغرفة ضوءه الباهت , مجددًا يراودها ذات الحلم وتلك الحافلة ..

.

تطرق جدتها الباب بعصاها .. تتجاهلها إلا ان طرقاتها الرتيبة تستمر ولا تتوقف , وكانت جدتها تستيقظ عند الفجر تصلي فتعد الافطار ثم توقظها بتلك الطرقات التي تدفعها للجنون , كانت قليلة الكلام ضعيفة السمع والبصر والذاكرة ..

نهضت خارجة من الغرفة , رأت جدتها مستندةً الى عصاها امرتها .. الصلاة .. جرَّت نفسها الى الحمام وبعد دقائق عادت لتجلس على مائدة الطعام , تظاهرت بالأكل .. نظرت بطرف عينيها الى جدتها .. كانت تحدق بها كأنما تراها للمرة الاولى ثم سألتها : من انت ؟ .. اجابت : رهف , اصدرت بفمها صوتًا يعكس حيرتها وقالت " لا يهم سأنادي السائق بدلي ثيابك "
تساءلت في نفسها من الذي يذهب للمدرسة بعد الفجر ثم صاحت " جدتي انها عطلة الصيف " ..


.


عند الظهيرة نامت جدتها وتسللت هي الى الخارج , جلست امام البيت تراقب كلبًا يغفو , تتذكر امها وتتساءل لما لم تصحبها في رحلتها الصيفية , لماذا تركتها مع تلك العجوز البغيضة , في داخلها كانت تعلم وان اخفته بين احلامها ..

تلفتت حولها .. لا شيء عدى بعض البيوت المتناثرة وطرق غير ممهدة تمتد على مرمى البصر , كانت قرية بائسة لم يتبدل حالها من سالف الدهر , فإن ابتغت بقالة كان عليها ان تمشي ساعة الى ان تصل محطة الوقود هناك ستجد البقالة ومتجرًا يفترض منه ان يبيع كل شيء واي شيء إلا انه دائما ما كان خاويًا إلا من معروضات اشبه بمخلفات احدى الحضارات البائدة , وعامل يبدو كسفاح هارب , كانت تصبر على المشي تمني نفسها بإرسال يلتقطه هاتفها اذ كانت الشبكة منعدمة في بيت جدتها ..

توجهت الى البقالة وكطفلة في الثانية عشر ابتاعت بعض الحلوى .. توقفت قليلا تترقب اتصالا من والدتها لا يأتي , حاولت ان تتصل هي فكانت لا تحظى إلا بصمت على الجانب الآخر ..

ولدى عودتها صادفت سيارة متوقفة على جانب الطريق سمعت جلبةً واصواتًا غير مفهومة , وحين دققت النظر رأت اربعة رجال بأقنعة ماعز , افزعها مظهرهم فتجمدت واقفة , كانوا يضعون شيئًا ما في الحقيبة الخلفية للسيارة , سمعت همسات لم تتبينها : دوسس دسسوسس دويس خووسس دوسسس ....

وفي لحظة تواروا داخل السيارة التي استدارت بحركة عنيفة وعبرت من أمامها , في تلك اللحظة لمحت رجلا على المقعد الخلفي لم تقع عينها قط على ابشع منه خلقة , كان ذا رأسٍ شيطانية وجسد ممزقٍ إلا من يمناه التي حملت كأسًا وعلى شفتيه ابتسامة شنيعة, وقفت ترتجف .. كانت لحظة كئيبة , وحيدة ترتجف من الخوف , في هذه القرية المنعزلة من يبالي بها ..


urZrR0J.jpeg


اهتز هاتفها .. هند ! , كان من النادر ان تعمل الشبكة , اجابت بحماسة .. ارادت ان تخبرها بما رأته الان لكن كان هذا اغرب اتصال تتلقاه , فما ان اجابت حتى اتاها صوت هند .. كانت تتكلم وتتكلم دون توقف حتى انها لم ترد تحيتها او تمنحها لحظة للكلام , كانت تخبرها عن رحلتها الى مكان ما .. اختبار ما .. حديقة من الازهار السوداء .. مطاردة لصيد احد الحيتان .. عاصفة ثلجية ونتيجة احدى المباريات وتوقعات بحالة الطقس , ثم اغلقت كأنما كانت فقرة اخبارية , لم تفهم فعاودت الاتصال لكن الاشارة تلاشت ..



.


وصلت لبيت جدتها قبيل العصر , صعدت الى السطح , كان الجو باردًا فأعدت لنفسها كوبا من الشاي , تتطلع الى السماء .. تتمنى لو كانت في حلم , لسبب ما لم تعد تميز بين الواقع والاحلام ..

في احلامها ترى نفسها داخل سيارة وامامها على مقعد السائق رجل يرتدي نظارة سوداء سميكة ويغطي وجهه شعر دقيق كثيف كأنما طلى وجهه بالقطران , بدا لها كخاطف اطفال , لا تذكر من هو ولا لما هي معه , توقف امام بقالة وأمرها : اذهبي وابتاعي شيئًا لتأكليه ..

لم تكن جائعة إلا انها اطاعته يدفعها الخوف منه , بعد لحظات عادت اليه , رأته ينظر لهاتفه ويحك رأسه , قال : الطريق مزدحم لتنامي الليلة مع ابنتي ..

كانت في مثل عمرها وعلى العكس من والدها بدت كفتاة لطيفة لا تفارقها ابتسامتها , اخذتها لغرفتها واستمرت تثرثر الى ان انتصف الليل , قالت الفتاة " انا خائفة " , نظرت لها بغير فهم فقالت " ألا تسمعين تلك الاصوات ؟ " اجابت رهف أن لا , همست الفتاة انصتي , ثم تسللت من الفراش وفتحت باب الغرفة بهدوء , تبعتها رهف الى الممر , خفضت الفتاة صوتها وقالت " تلك الشيطانة لابد انها في غرفة ابي الان "

ثم ابتسمت فجأة وبدت كأنها تذكرت شيئًا فجذبتها من يدها وقالت وهي تندفع عبر الممر " تعالي " , صعدت بها الى الطابق العلوي وهي تقول " لنذهب الى امي , ليس مسموحًا لها بمغادرة الملحق , لكن لن ينتبه ابي الليلة ان صعدنا إليها " ..

طرقت الباب ثم اندفعت الى غرفة امها, عانقتها وقالت " سأنام معك الليلة " , تقدمت رهف وحين عبرت للداخل فوجئت بامرأة لم تقع عيناها قط على من يدانيها في الحسن غير ان وجهها المرهق قد عكس حزنًا على احزان ..

مسحت على رأس ابنتها وابتسمت بمرارة دون ان تتكلم , نظرت الى رهف فقالت الفتاة " احضرها ابي لتمضي الليل معنا " , شعرت كأنها متسولة ولم تجد ما تقوله , تركتهما الام ودخلت الحمام بعد ان اطفأت المصابيح , صعدتا الى السرير واستلقتا ووجههما مقابل الزجاج الذي غطى الحائط بكامله , قالت الفتاة وهي تشير الى الجانب الذي يحجبه ستار النافذة " من هنا تدخل الشياطين يجب ان تحذري " , احست بالقلق وحاولت ان تغلق عينيها فكان يُخيَّل إليها كأن ظلاً لشخص ما يقف خلف النافذة , يتحرك .. يجلس .. يقف .. يعاود الحركة , نظرت للفتاة كانت نائمة , حاولت اغلاق عينيها دون جدوى ..

عادت الام من الحمام ونامت في الاتجاه المقبل لرأسيهما حاجبةً عنهما النافذة , احست رهف بالراحة وزال عنها الخوف , استيقظت الفتاة .. حركت جسدها وعاودت النوم معانقة امها , نظرت رهف اليهما ووضعت رأسها على ساعد الام الممتد خلف رأسها ونامت ...


.


عادت تتقلب بين احلامها .. في احلامها كان لها اخت صغيرة .. تمسك بيدها .. يصعدان الحافلة .. تتلاشى .. مجددًا ذات الصوت الشيطاني .. انا الان معلمتكم الجديدة .. معلمتكم الجديدة .. معلمتكم .. تستيقظ فزعة .. ترتجف .. تشعل المصباح .. تنهض ..



.


كان الوقت عصرًا , وفي الخارج كانت جدتها تحتسي الشاي مع جارة لها وابنتها زهرة قد حملت رضيعها وتثرثر بصوتها المرتفع بينما العجوزتان تتظاهران كأنما تتابعان ما تقول ..

كانت تحمل طفلها بيد وباليد الاخرى تعد القهوة , اشعلت فحمًا بينما اخذت تجفف حبوب القهوة المنقوعة في الماء , قالت " حتى شمس ما ان تزوجت حتى غادرت القرية .. انا البائسة الوحيدة التي بقيت بعد الزواج " .. تجاهلتها والدتها ولم تعلق جدة رهف ..

وضعت زهرة حبات القهوة على المحمصة المعدنية .. كانت تقلبها وتقول " مقوي الاشارة الذي وضعته بالكاد يعمل .. ما اتعسها من قرية " , وافقتها العجوزتان وهما على الاغلب لا تعيان ما سمعتاه ..

انتقت حبات القهوة بعناية وباشرت بطحنها , تابعت قائلة " حتى اسمها يتشابه مع اسم تلك القرية الكبيرة فلا يدري العالم عنا " , غلت الماء ثم صبته فوق القهوة المطحونة قبل ان تضعه على الفحم , قالت امها " في طفولتنا صنع لنا الوالد حفرة ثم غطاها بالملاط وصب فوقها الماء " علقت زهرة متعجبة " يمه تسبحين " , ردت امها " كدت اغرق انا واخوتي فأخرجونا وردموها " , عبرت رهف من امامهم فنادتها زهرة ان تحمل الطفل عنها ريثما تنتهي ..

انتظرت حتى ترسبت في القاع ثم صبتها فوق الهيل وعادت لتسخينها , وكان الطفل قد بدأ بالصراخ ما ان حملته رهف .. ازعجها صوته فضربته ليسكت .. صرخت بها جدتها " لا تؤذي الطفل " ..

وضعت زهرة الزعفران داخل الدلة ثم غطت فوهتها بقطعة من ليف النخيل قبل ان تسكب القهوة المغلية داخلها , تناولت طفلها من رهف وعادت لتقدم القهوة للمسنتين , وفي جلستهم تبادلوا احاديثهم الاثيرة عن الذكريات والاشباح الى ان قالت زهرة بشكل مفاجئ " اليوم رأيت البدر عصرًا في الجهة المقابلة للشمس " , انتبهت رهف ليد جدتها التي ارتجفت , نظرت الى زهرة التي قالت " انها علامة لليوم الذي يعبر فيه موكبهم .. أليس كذلك " وبصوت مخيف اكملت " اعني موكب المشوه " ..

قالت امها "كم انت مهووسة اعوذ بالله "
قالت زهرة " لكني رأيتهم " , رمقتها امها بنظرة عتاب فقالت " لم ارهم حقًا لكن شعرت بهم وسمعتهم , في ذلك اليوم كنت عائدة من البقالة وصادفت شيخًا يجلس على قارعة الطريق وقد علا صوته صارخًا : الويل الويل , دفعني الفضول لأسأله عن حاله فأشار الى الشمس ثم البدر وقال هذه علامتهم عند منتصف الليل يعبرون , عدت وحدثت أبي رحمه الله بما سمعت فقال : تلك خرافة انتشرت قبل عشر سنوات لا تكترثي , لكن يمه تعرفيني ما ان انتصف الليل حتى دفعني الفضول فخرجت الى الطريق "

سألتها رهف " ثم ماذا "
اجابت زهرة " كان الضباب منتشرًا على غير العادة سمعت اصواتهم وشعرت بأقدامهم تضرب الارض , جمدني الرعب وصوت الهدير يدوي من مكان ما .. سقطتُ من هول الصدمة وكانت الارض ترتج كأنما زلزال " ..

التفتت رهف الى جدتها وعيناها قد اتسعتا قبل ان يسقط فنجان القهوة من يدها , صاحت ام زهرة بابنتها " زهرة .. يكفي " , فأمسكت عن الكلام معتذرة ونهضت تجمع بقايا فنجان الجدة من الارضية وتنظف ..



.



في احلامها اوقفت امها السيارة امام الفندق ثم أمرتها " اصعدي الى الغرفة ونامي ولا تنتظريني قد لا اعود الليلة " ..

اطاعتها دون تعليق وما ان وصلت الغرفة تذكرت انها نسيت البطاقة , عادت الى البهو تطلب المساعدة فلم تجد العامل , كان الهدوء يعم المكان وقد خلا من العاملين او النزلاء ..

جلست تنتظر واضعةً حقيبتها المدرسية الى جانبها , مرت ساعة الى ان اقتحم البهو رجل ذو شارب كث ونظرات حادة , اخذ يتلفت حوله وحين وقع بصره عليها نظر لها مليًا قبل ان يندفع الى غرفة العاملين , كانت اللوحة على باب الغرفة " يمنع الدخول لغير العاملين " فظنت رهف انه احد العمال فتبعته الى الداخل تسأله عن بطاقة اضافية , تجاهلها وهو ينظر الى شاشات المراقبة ويطرق المفاتيح بعشوائية , همت ان تسأله إلا ان نظرته اربكتها ..

قال بصوت هادئ سحرها عمقه " كيف يعمل هذا الشيء ؟"
اجابت " اي شيء تعني ؟ "
اشار بيده الى احد اللقطات على الشاشة وقال " هذه التي تعرض مفترق الطرق .. اعرضي تسجيلات منتصف ليلة امس "
التفتت تغادر لكنه قال بصوته الهادئ " انا من الشرطة .. قبل ايام قُتِلَ شخصين من الحي ذاته ونشتبه بأن القاتل قد مر بهذا التقاطع في ذلك الوقت , لذا انا بحاجة لتعاونك فلا وقت لدينا "
سألته " لا يمكنك انتظار العامل ؟ "
قال " لا "

تقدمت الى شاشات المراقبة , قالت " لا اعرف لكن من السهل التخمين "
امسكت بالفأرة وهي تقول " العودة لشاشة المعاينة .. التاريخ .. رقم اللقطة .. ثم نستعرضها .. من اي ساعة ستبدأ ؟ "
قال " ابدئي من العاشرة مساءا "

وفي الساعات التالية كان يأمرها كلما ارتاب بسيارة ان تعيد اللقطة ليتأملها قليلا ثم يطلب منها المتابعة , وفي كل مرة تشعر بالارهاق تقرر انها ستغادر بعد فحصه للسيارة التالية إلا ان صوته الآمر بما يحمله من عمق كان يجبرها لسبب ما على طاعته , واخيرا قال لها " يكفي لا فائدة ", ثم حك ذقنه وهو يفكر " كيف له ألا يعبر من هذا التقاطع .. كيف " ..

بطريقة ما احست انها معجبة بما يفعل ولم تُرِد المغادرة بل وجدت نفسها تشاركه التفكير قائلة وهي تشير الى لقطة كانت تعرض طريقًا فرعيًا قبل التقاطع وسألته " هل من الممكن انه انعطف هنا .. ان سار على هذا الطريق فربما ... "
قاطعها " نعم ربما لكن ... " , ثم شرد يتأمل كلامها
سألته " هل احضر لك القهوة " , وقبل ان يقول شيئًا سمعت وقع اقدام تقترب وصيحات تأمر العمال بالتراجع قبل ان يقتحم الغرفة رجال الشرطة .. في تلك اللحظة رأت الرجل ذو الشارب يقفز هاربًا محطمًا النافذة ورجل الشرطة يصرخ بجنوده اتبعوه لا تسمحوا له بالهرب ... وفي لحظة كان الحلم يتلاشى ...



.


في الليل كانت غارقة في احلامها ترى نفسها على الطريق وقد احاط بها الضباب ومن بين الضباب ترى موكبهم المهيب كان رجال الماعز يحيطون بعربة ويتقدمون بمشيتهم العسكرية وعلى قمة العربة رأت ذات الرجل المشوه كان يتلوى من الألم رافعًا ذراعيه الى السماء ويصرخ كأنما يعوي .. يتعالى صوته ويهوي قلبها ..

تعبر لحلم كانت فيه جاثية على ركبتيها تتعلق بملابس جدتها وتصرخ باكية " أبي لا لا .. , لكن جدتي .. جدتي لماذا انت هنا .. لماذا .. لماذا .. ؟ "

تبكي فتبكي جدتها .. تتساقط دموع الجدة على وجهها فتختلط بدموعها ..



wfONWIa.jpeg


" وهناك افكار بعينها تساعد في استجلاب عواطف مثيرة للازعاج وبالتالي نرى هذا السلوك الغير سوي .. اذا الافكار المشاعر السلوك .. "

صمت الدكتور قليلا قبل ان يحثهم على الاسئلة .. خطت رهف على الورقة امامها شكلا هرمي وعلى زواياه كتبت افكار مشوهة .. مشاعر سلبية .. سلوك غير سوي , انتهت المحاضرة واخذ الجميع بالمغادرة إلا انها استمرت بالكتابة على اضلاعه .. العقل .. العاطفة .. الرغبة ....

كانت قد انتقلت للمدينة لتعتني بها واحدة من بنات عم جدتها بعد موتها , وكانت الجدة قد تركت لها ثروة تغنيها أبد الدهر , لذا فما ان انهت الثانوية حتى وقع اختيارها على جامعة خارج مدينتها بغية الانعزال عن قريبتها ..

درست بجد وثابرت منزوية عما حولها .. يُثقلها ماضيها .. وتعذبها مشاعرها المضطربة .. ارادت بشكل ما ان تتعرف الى نفسها وترى ما بداخلها .. كانت تلك الاحلام وقد اختلطت بواقعها تحاصرها , تخشى كم ستبدو غريبة ان ارتبطت بغيرها رأت نفسها بين الناس كوحيدة مفردة احدقت فيها العداة , فمضت بها الايام بين وجوم وفكر واكتئاب وعزلة حتى التقت وعد , يومها كانت في مكتبة الجامعة .. اعادت احد الكتب التي استعارتها وكان كتابا عن النفس الخفية لم تجد فيه بغيتها , مرت بقسم المخطوطات واثار اهتمامها احد العناوين " نفس كنفسك واحلام كيقظتك " , حاولت استعارته الا ان امينة المكتبة رفضت محتجة انها النسخة الوحيدة للمخطوطة فقررت ان تلتقط لها صورًا , وبينما تفعل اخذت وعد المخطوط من يدها ووضعته داخل حقيبتها ..خرجت من المكتبة فتبعتها رهف وهي لا تفهم , وفي الخارج ناولتها الكتاب وقالت اذا فرغتي منه انا سأعيده فلا تهتمي ....


.


ذات يوم كانت في بيت وعد , تتذكر حينها كم كانت مرهقة , قالت " انا منهكة .. اشعر ان حياتي زائفة .. في كل لحظة اتمنى الموت "

قالت وعد " لو تناسينا افكارك فحياتك ليست بذلك السوء , امضيتِ شطرًا من طفولتك مع امك بعد موت والدك الى ان تزوجت ورحلت للخارج , انتقلتِ لبيت جدتك الى ان ماتت , والان انت شبه مستقلة وقد خصتك بكامل ثروتها , لكن انت بطريقة ما لا تثقين بتلك الذكريات .. كان لك اخت صغرى وتلاشت من حياتك هكذا تدعين ان والدتك تكرهك لانك ربما كنت سببًا في موتها , ثم تلك القرية مع جدتك لم تكن هي نفسها حين عدت لزيارتها , ومن قبل ماتت جدتك لتحميك .. من ماذا ؟ لا تدرين , واخيرا تلك الحافلة التي ما انفكت تراودك في احلامك , وباختصار لا تشعرين بالانتماء لواقعك .. تتوارين عن العالم كما لو انك مذنبة , لكن ماذا لو كانت طريقتك في الحياة هي سبب معاناتك واعني ان سعيك خلف ماضيك هو سبب معاناتك لا الماضي نفسه .. "

سألتها رهف " ماذا يعني هذا ؟ "

قالت وعد " بدلا عن الشعور بالذنب لموت اختك او جدتك انسي ما مضى لا بل افترضي الاسوأ وتقبليه .. امك تخلت عنك لانها عشقت رجلا وجدتك تركت لك ثروتها شفقة على الفتاة الوحيدة التي امضت ايامها الاخيرة برفقتها في تلك القرية الكئيبة "

قالت رهف " لكن في احلامي انا ... "
قاطعتها وعد " كفى .. انت لن تفهمي ما لم .. مهلا ما رأيك لو نمضي العطلة في تلك المدينة .. لنسافر غدًا "
قالت رهف بتردد " ماذا ... ؟ "
تابعت وعد ببعض الحماسة " لابد من بعض التغيير .. كآبتك صنعت حاجزًا بينك وبين زملائك لابد من وجوه جديدة .. اسمعي قد تجدي من يخرجك من عزلتك , انظري إليَّ انت جميلة لكن اهمالك لنفسك يفوق الوصف , لنجري بعض التعديلات ولنبدأ بتسريحتك .. في الوقع تبدين كطفلة متخلفة ضاعت عن امها "
قالت رهف بيأس " لكن انا .. الى حد ما .. طفلة متخلفة ضاعت عن امها .... "







OmE0bWG.jpeg
 
التعديل الأخير:
للقصة مقدمة لكن ما كتبتها موجودة بس صوت ...




وللقصة جزء اخير بضيفه نهاية الشهر .....
بس تعليقي الوحيد ان القصة جدًا معقدة لانها فعليا بدأت من احلام ....




r60hi46.jpeg
 
إن الأسلوب المستخدم في السرد يوافق أسلوب الروايات الحداثية، من حيث كون المنظور لا يحصر، والحبكة لا تدور حول أمر بين. لما قرأت قصتك وكررت قراءتها تذكرت أحد أشهر روايات تيار الحداثة "A portrait of the artist as a young man". حيث ان القصة لا تبدأ من نقطة بسيطة، ولا تتجه لمنحى يتضح للقارئ، بل تداريك أمواج الكاتب بين نثره الغامض وقصته المبهمة، هذا من ضروب الفن.

أعجبت بطريقة كتابتك، ولم أشعر بالملل بأي لحظة، إنما ينقصها أمر واحد وهو ان تحصل على مزيد من الوقت والحب. لا ينتابني الشك في أن قصة قصيرة كتبتيها بوقت فراغك وكانت على ما هي عليه من رقي السرد، ستكون أغنى مادة وأسمن لذاذة مما ينشر في المكتبات من بؤس وتعاسة سردية.
 
  • واو
التفاعلات: pomni
"هل رأيتي فراشةً تطير بالقُرب من هنا.. يا خالة؟".

سأل العجوز الجالسة على جانب الطريق الصاعد نحو الجبل. كانت تنظر في الأرض بعيون تكاد تكون عمياء من شدّة انغلاقها وعلى وجنتيها تيبّس شديد وتجاعيد متقاطعة.

"فِراش؟". سألت بصوتٍ عالٍ:"لا ليس لدي فِراش يا بني".

"فراشة". رد أدهم واضعاً يديه حول فمه و انحنى نحوها لتتضح ألفاظه:"ليس فِراش.. فراشة تطير هكذا". رفع يده، ممثلاً حركة جناحيها.

"فِراشٌ يطير؟". سألته بعد وهلة صمت:"ما الذي تقوله يا بني؟ ما الذي تريده؟".

"لا شيء.. لا شيء". أجاب متمتماً ورفع بصره يميناً ويساراً باحثاً عن الفراشة التي خُيّل له رؤيتها في القطار. لم يجد سوى الأشجار الخضراء التي تعالت بين جانبي الطريق، وقرية الأبرار التي جاء منها صاعداً.

"أبحث عن شيءٌ رأيته واختفى..". قال، ثم تراجع عن الكلام عندما رآها تتابعه بعينٍ واهنة أثبتت بأنها لم تفهم ما يقول. همس لنفسه:"شيءٌ جعل الساعات تمضي سريعاً وكأنها ثانية واحدة".

"هنالك أسرّة كثيرة عِند نزل العم فاتح". قالت العجوز بإبتسامة كشفت عن أسنانها المتكسرة:"ينبغي أن تنام يا بني، يبدو عليك التعب".

"نعم.. ينبغي أن أنام". قال أدهم مستسلماً:"أشكركِ يا خالة على المساعدة".



***








فتح أدهم الباب ورأى وجه المضيف وهو يعاينه بإستغرابٍ شديد.

"عذراً..". قال أدهم ثم أردف:"هذا نُزل السيد فاتح.. صحيح؟".

"نعم نعم". تبدّل وجهه من الاستغراب إلى سعادة غامرة تمددت على شعرات ذقنه الشقراء وهو يقول:"أهلاً بك.. تفضّل تفضّل، يا ماجدة.. يا ماااجدة".

جاءت ماجدة، زوجته على ما يبدو، ثم نظرت إلى وجهه بذات التعابير وكأنها محفوظة بين الجميع، إستغراب يتلوه سعادة. كانت ترتدي رداء الصفيات الذي ينسدل من عصابة بسيطة معقودة على جبهتها. ومن تحت تلك العقدة، كان قماشها يهبط في طيات واسعة ليغمر جسدها بالكامل، ثم ينساب خلفها على الأرض زاحفاً.

سألته:"ماذا تشرب؟ شاي؟ قهوة؟ عصير؟".

"لا هذا ولا هذا، ما أريد شربه هو النوم". أجاب أدهم ثم جلس على الكرسي المقابل لطاولة الاستقبال. لم يرد عليه أحد فظن أنهم لم يفهموه فأردف:"أقصد.. بأنني متعب وأريد أن أنام".

أشار فاتح إلى زوجته بيده وأومأ إليها، فهمت ما يعنيه وذهبت لتجهيز الغرفة، ثم جاء إليه جامعاً رداءه الصفي الزاحف بين يديه وجلس خلف الطاولة.

"مرحباً بك يا..؟".

"أدهم".

هزّ رأسه ثم مسح يده بالمنشفة المعلّقة جانباً ثم مد يده اليمنى للمصافحة:"عذراً لم أعرّف بنفسي، أنا فاتح وتلك زوجتي ماجدة، وهذا بالفعل نُزلنا الصغير".

"أخبرتني عنكم العجوز الجالسة على جانب الطريق عِند صعودي للقرية". أجاب أدهم مبادلاً المصافحة.

"عجوز؟". سأل فاتح وفكّر للحظة قبل أن يقول:"يمانة؟".

"لا أدري، لا أعرف اسمها".

"شعرها رمادي وتجلس على إحدى الصخور المجاورة؟".

"نعم.. أظن". أجاب أدهم متردداً.

"يمانة بكل تأكيد، كانت المعذّبة في عونها". قال فاتح وهو يمسح كوباً زجاجياً بمنشفه خضراء بإمعان ثم نظر اليه بطرف عينه:"اعذرني لكن.. لديك ملامح جنوبية".

"جنوبية غربية". أجاب أدهم:"جئت من المنار وأنوي أن أزور القرى والمعابد هنا، أحب أن ألتقط الصور.. هواية".

نزلت نظرات فاتح نحو حقيبة أدهم الذي وضعها على الطاولة ثم سأله:"عبر القطار؟".

"نعم". أجاب، كان ينوي أن يخبره بواقعة القطار لكنّه تراجع عند مجيء زوجته التي جلبت إبريق الشاي الساخن.

"سكر؟". سألته فأجاب بيده رافضاً.

وضع فاتح الكوب على الطاولة ثم سكب الشاي ببطء وسأله:"ما أحوال القطار؟ مازال بذات الهيئة القديمة؟ سمعتُ أنه توقف قبل أسبوعان وأن الرحلات أجّلت لساعات طويلة".

"أجلت لأيام لكن من حسن حظي أنه عمل بصورة جيّدة في هذا اليوم". قال أدهم ثم شرب الشاي وأردف مطالعاً في النافذة الشرقية:"من الغريب أنني لم أرى رهباناً منذ أن دخلت للقرية..".

نظر إلى ساعته المعلّقة على الجدار ثم قال:"يجلسون في ساعات عزلتهم الآن، من الصباح حتى الظهر، بإمكانك أن تراهم يمشون على الطرقات في بقية اليوم". أمعن النظر فيه للحظة وارتفع حاجبه اليمين وسأله:"هل أنت صفي؟".

"لا، لكنني أقرأ عن العقائد كثيراً. لدي معظم مجلدات الصفوة في المنزل".

"أي مجلد؟".

"الثاني والخمسون". أجاب أدهم:"والرابع والأربعون والسادس عشر".

شرب فاتح من كوب الشاي هو الآخر وعلى شفتيه ارتفعت ابتسامة طفيفة:"نسخ نادرة. ما هذا الاهتمام العجيب بالصفية؟".

جمع أدهم اجاباته في صمته ورتبها بقدر استطاعته وهو ينظر إلى انعكاسه في كوب الشاي ثم قال:"منذ أن رأيت صورة المعذّبة على جذع الشجرة وأنا متيّم بهذه العقيدة، حب من أول نظرة، باستطاعتك وصفها بذلك".

هزّ فاتح رأسه ثم قال:"المعذّبة.. يا للحسن والجمال، لدي شيءٌ سيعجبك للغاية إذن".

ذهب وتركه وحيداً. ظل يطالع في جوانب النُزل ويطرق الكوب بإصبعه السبابة مع دقات الساعة وهو يفكّر بحادثة القطار.. لكن قاطعه فاتح سريعاً بمجيئه من الداخل حاملاً للوحةٍ كبيرة.

وقف أمامه حاملاً اللوحة الضخمة التي صوّرت المعذّبة في أبهى حلّة؛ كانت مستلقية على ظهرها، وشعرها المتناثر والطويل يمتزج بعروق الأشجار على الأرض، حتى أصبحت كل خصلة كامتداد للجذور.

بين ذلك النعيم الجميل عذابٌ ملحوظ، ففي جبهتها انبثقت عروق الأرض الممتدة التي اخترقت جسدها، على عينيها بكاءٌ وإحمرارٌ شديد وعلى شفتيها ابتسامة طفيفة لا يعرف معناها أحد.

كانت صورة تجمع النقيضين في آنٍ واحد، هذا ما جعل نساء الصفيين يغطّون رؤوسهم وشعرهن الطويل اقتداءً بتضحيتها. التفاصيل مذهلة مما جعل أدهم يداهمه الصمت وهو يطالع في هذه الصورة الفاتنة، غير قادرٍ على الكلام.

فاتح قال:"أهداني إياها صديق ومازلت أحتفظ بها".

علّق أدهم بصوتٍ هادئ:"هدية رائعة".

"صاحبها كان هديةً أعظم بالنسبة لي، أعظم من صادقت في حياتي". قال فاتح بنبرةٍ مكسورة لمحها أدهم. تراجع عن سؤاله عن حاله لكنه أردف سريعاً:"مات قبل عدة سنوات".

أحنى أدهم رأسه وأغمض عيناه في صورة صفية للترحم على الميت، لكن يبدو بأن فاتح لم ينتبه له فقد أكمل كلامه:"هل تصدق؟ وجدنا جثته وعليها فراشةٌ زرقاء تحوم بلا توقف. كانت تجلس على صدره وترفض الإبتعاد حتى دفناه ودفنا الفراشة معه. لعلّها كانت رسالته الأخيرة وعلامة على أفعاله الخيرة. لن أنساه مهما حييت".
 
نموذج الفصل الأول لشخصية "ميعاد" من روايتي اللي أشتغل عليها

أتمنى تنال اعجابكم


***

وضعت قطرةً من قنينة الكتّان على ماء الزهور بدقة، لكنها أحست بأصابعها وهي ترتجف حتى كادت أن تسقط القنينة منها. توقفت عن العمل باستسلام واضعةً أدواتها على الطاولة ورفعت يديها لكي تراهما بإمعان.

بانت الخطوط المتعرّجة على كفيها وتيبست عظامها. كبُرت في السن ولم تعد قادرة على مسك الأشياء بذلك التركيز والعطاء كما كانت. قلبت كفيها من أمام نور السراج الوحيد في الغرفة كمن تبحث عن حلمٍ خفي وسط الحقيقة المريرة.

لكن.. هذه هي الحقيقة.. فكرت ميعاد وهي تعاين يديها.. أنا عجوز.. هي تعرف مدى عجزها لكنها لا تعرف كم تبلغ من العمر.. وما الذي ستغيّره معرفتي بالرقم؟ موتي قريب.. قريبٌ للغاية، أشعر بذلك.. تُرى هل ستحتضنني الملائكة حينما أموت؟ أم سيتركون روحي تائهة في السماء عقاباً على ما جنيته من قبل؟

سمعت صوت فتح الباب. أنزلت يديها وهي ترى صبيها ماجد حاملاً سلّة المياه.

"سيدتي". قال مستأذناً قبل أن يضع السلّة بالقرب منها.

وقف في منتصف الغرفة واضعاً ذراعيه خلف ظهره، ينظر في الأرض تأدباً لعملها الصامت الذي لم ينتهِ بعد. أطرقت بنظرها إليه، كان شعره الأشقر المدوّر يبدو ككومة القش على رأسه، وعلى كتفي قميصه الأبيض تشققاتٌ عدّة اعتادت رؤيتها.

سألها:"هل وجدتِ سمّاً جديداً يا سيدتي؟".

"لا، لم أجد". قالت وهي ترفع رأسها بصعوبة، فألم ظهرها المنحني موجعٌ للغاية، ثم أضافت بابتسامة:"بإمكانك أن تشرب من هذا الترياق حتى أتحقق من مدى فاعليته".

"أشكرك، لقد أفطرت للتو ولا أشتهي شيئاً". أجاب مبتسماً، فقد اعتاد على نبرة مزاحها هذه.

كان يلوّي فمه في انتظار في صورة لا تعجب ميعاد فالتلوّي يعني التطلّب والترجّي. لم تبيّن اهتمامها بتعابير وجهه لكنه قال:"سيدتي". لم ينتظر ردها:"أريد.. لباساً جديداً. قميصي بدأ يضيقُ عليّ".

اتسعت عيناها ورأت قميصه المتهالك ثم قالت:"لقد جلبته لك قبل شهرين..".

"قبل سنتين". أجاب مقاطعاً. متأكدة من أنني اشتريتها قبل شهرين.. أم لم تكن كذلك؟ سنتان؟ هل يُعقل؟

اكتفت بالنظر في جوانب القميص المتشققة ثم قالت:"يمكننا خياطته".

"الشق أكبر من الرقعة". قال وهو يمسك بالشق الجانبي الكبير من على كتفه الأيمن:"لا أستطيع خياطة هذه الفتحة الكبيرة حتى لو حاولت. انظري".

أسندت ظهرها على مقعدها وأطالت في النظر إليه:"وكيف يمكنني شراء مثل هذا القميص؟". سألت متذمرة:"لم أعد قادرة على زيارة أي مدينة ولا أي قرية فالكل يعرفني.. تلك كانت مجازفة ولن أكررها يا ماجد..".

قاطعها وهو يمشي نحوها ثم حضنها.

سكتت ميعاد وهي تشعر بحضنه الذي لم يكن حضناً كاملاً بل.. نصف حضن. جاء عند كتفها الأيمن وضمها بكلتا ذراعيه وهي تشعر بنبض قلبه كقبضة يدٍ تعتصرها هي الأخرى.

لانت أعصابها وطاب خاطرها قليلاً وهي محكومة بين يديه، أرضاها بفعلته هذه التي يقوم بها متى ما عجِز عن الإقناع.

أحنت رأسها المنحني أصلاً ثم قالت:"حسناً.. سأحاول".

ابتعد عنها ماشياً نحو مقعده بابتسامة لم تفارقه حتى جلس على كرسيه. مسحت رطوبة دموعه على لباسها، ثم فركت وجهها بباطن يديها متمتمة بتذمر صامت.

"سيدتي". قال الصبي فجأة، موقظاً إياها بهمس:"أسمع طرقاً على الباب".

هل كانت غافية؟ استيقظت بتتأفف. لقد صارت تغفو مراراً دون وعيٍ منها.

"الباب؟". أجابت بتساؤلٍ حاد من فرط فجأة الموقف، ووجهها متيبس من التعب:"كم مضى من الوقت؟".

"ساعة وأكثر". أجاب وهو يمسح وجهها بخرقةٍ مبللة بالماء.

عدّلت من جلستها، ومسحت وجهها بمساعدته. ظلّت تُنصت في صمت لصوت الطرق على الباب، ثم سألته: "هل كلمتَ أحداً حينما خرجت؟".

"لا".

"إذاً من هو الطارق؟". سألت، وقد علت نبرتها قليلاً:"لا أعرف الناس ولا يعرفوني، أخبرني بالصدق يا ماجد!".

"أقسم لكِ بأنني لم أتكلم مع أحد!". قال الصبي سريعاً:"ربما.. ربما هو مجرّد فقير ضائع؟".

"فقراء.. كيف للفقير أن يطلب مني؟ أنا فقيرة أيضاً".

وقفت، كاتمةً أنين آلام ساقيها وركبتيها، ثم اقتربت من الباب الخشبي بخطىً ثقيلة وأشعلت المصباح المعلّق في السقف. سمعت الطرق على الباب مجدداً فانتشر الغبار منه مع انعكاس المصباح.. غبارٌ تجمّع منذ عشرات السنين.

"من؟". سألت بصوتٍ مبحوح.

"السّامّة ميعاد؟".

كان صاحب صوتٍ أجش، ذكر الأسم بشطريه الصحيحين: السامة وميعاد.. لا يعرف هذا الاسم إلا قلة قليلة من الناس.

"نعم". أجابت بحذر بعد لحظات.

"ما زالت حية". قال صاحب الصوت الأجش، موجهاً كلامه لشخص آخر، ثم أردف مخاطباً إياها:"سيادة القائد يطلب لقاءكِ حالاً".

فزّ قلبها وشعرت برجفة سرت من أخمص رأسها إلى قدميها. عرفت معنى كلماته لكنها مثّلت جهلها:"أي قائد؟".

"آسر بن جحدر". أجاب صاحب الصوت بنبرة اعتزاز مفخمة.

"آسر بن جحدر؟". سألها ماجد متمتماً خلفها.

لم ترد. ظلّت واقفة عند الباب للحظات صامتة وهي تستمع لدوي شعلة السراج وكأنما تحترق في قلبها.

حاولت أن تتماسك بكل ما تملكه من قوة.. ثم فتحت الباب.




***

كانوا ملعونين.. ملعونين بالحرف والمعنى.

دخل الاثنان ببرودهم المعهود وبوجوههم السوداء المتشابهة في أغلب التفاصيل. كان أحدهما يفوق الآخر طولاً فاضطر للانحناء وهو يمشي داخل الكوخ.

من السهل على ميعاد معرفة ما ينظران إليه؛ فعيونهم الحمراء المتقدة تشّع أينما اتجهت، وكأنها نارٌ تغلي. كانا ينظران نحو البرطمانات والزجاجات المرتبة على الرفوف، ومن ثم تبدلت نظراتهما نحو صبيها الجالس الذي لم يلفظ كلمةً واحدة مترقباً لما سيحدث.

توقفت ميعاد في منتصف الغرفة منتظرةً تفسيراً لهذه الدعوة. أغلقت الباب خلفهما بقوّة، من شدة توترها، فانتشر الغبار في المكان مما جعلها تسعل لعدة ثوانٍ.

"احم.. ما الذي تريدونه مني؟".

"ستعرفين". أجاب أطولهم ووجهه العريض يقابلها:"سيقابلكِ في الكهف وسيخبركِ بنفسه".

"في الكهف؟ وكيف سأذهب إلى هناك؟ مشياً على الأقدام؟". سألت بتهكم.

"معنا خيول تنتظرنا في الخارج". أجاب ثم أشار بيده اليمنى نحو الباب بإيماءة مؤدبة لا تعكس هيئته الموحشة:"تفضلي يا سيدتي".

"لن أذهب وحيدة". أجابت سريعاً:"ماجد.. صبيي، سيرافقني في الرحلة".

"كما تريدين". أجاب بهدوء.

كانت تتوقع، بل تتمنى في الحقيقة، أن يرفض طلبها هذا لكنه وافق بسرعة مما جعلها تتلعثم غير قادرةٍ على إيجاد مبررٍ آخر. نظرت نحو جوانب الغرفة في ضياع ثم قالت:"حسناً.. الدعوة مفاجئة.. أحتاج إلى وقت كافٍ حتى أستعد للرحيل، هل بإمكانكم انتظاري؟ في الخارج؟ إذا سمحتم".

"كما تريدين".

بدا وكأنه آلة تردد هذه الإجابة المستفزة التي لم ترغب بسماعها. كانت تود أن يرفض أو يجادلها حتى تبادله هي بالرفض لكن جميع رغباتها تحققت مما أفسد خطتها.

خرج بالفعل مغلقاً الباب خلفه بهدوءٍ تام، تاركاً إياها وماجد وحيدين في الغرفة. رأت ماجد وفي عينيه دهشةٌ واضحة؛ أما هي فقد خارت قواها وجلست على كرسيها بإنهيارٍ تام.

ماجد يريد قميصاً جديداً.. وآسر يدعوها لمقابلته في الكهف.

يا لهذا اليوم.
 
وقفت أمام المعبد، تتملكني رجفة انتابتني منذ ساعاتٍ طويلة.

بدأت عِند قرية سحارى عندما أعلنت أجوان، وبصوتٍ عالٍ خطف قلبي، عن إيجادها لعلامة دالة على وجود كنزٍ عظيم على هذه الجزيرة، فجئتُ الآن حاملاً لتلك الرجفة التي لم أعد أعرف ما إذا كانت انعكاساً لحماستي أم لخوفي المكنون؟ فبين هذا وهذا خطٌ نحيل من المشاعر المتناقضة التي لم أعقلها بعد.

وقفت وبيني وبين الكنز المخبوء جدرانٌ دائرية من الطوب الأسود. سوادها المرصوص كان بياضاً أشهباً في قلبي فقد كنت أرجو الوصول منذ أن اخبرتنا الساحرة أجوان، بحدسها الذي لا يخيب، عن وجود كنز عظيم خلف تلك الأسوار.

وها هي تقف بجانبي الآن بصمت، ملفوفةً بردائها الأسود الذي أضفى إلى المعبد سواداً آخر، وعلى هيئتها المريبة شيءٌ من الشعوذة والغرائب التي لم ولن أستطع استيعابها في يومٍ ما.

"وصلنا". قلتُ بهمسٍ لها.

التفتت نحوي بابتسامة عابرة، وكأنما قرأت ما يعتريني من قلق ثم أجابت بصوتها الذي انتابته رجفة غموض طفيفة:"وصلنا".

لعلي تجرّأت على التقدم... خطوة وخطوتين وثلاثاً، ثم سرعان ما تلاشت همتي فتوقفت. كنتُ متقلّب الدواخل وأمشي منحني الظهر، من دون وعيٍ مني، وكأنني أغالب نفسي على السجود مولياً وجهي نحو ذهبي الموعود والمعبود.

عم الصمت على المكان لوهلة فتفاديت النظرات، التي شعرتُ بها وإن لم أرها، موجهاً بصري نحو السماء المحمرّة. كانت علامة السحر الحمراء، الثابتة على هذه الجزيرة منذ عقود، تطوف في السماء وتحجب الشمس والقمر، تاركةً أرض الجزيرة غريقة في ظل الظلام الطاغي.

المكان يغص بالسحر من أوله إلى آخره.

"ستدخل؟ الآن؟".

أفزعني صوت معتصم الذي أيقظني من خلوة أفكاري. جاء برداء الرهبان الزاحف على الأرض، بعينيه الزرقاوين، وبوجهه الصافي الأملس الخالي من الشعر، ومن أسفل ذقنه يتدلى صليبه المذهّب الذي عكس نور السحر الأحمر.

أجبت: "نعم". ثم بلعت ريقي لأبلل حلقي الجاف وقلت: "تمنيت أن يصاحبنا مروان حتى يرى هذا الكنز، سيسعد كثيراً برؤية الذهب".

أجاب معتصم وهو يراقب المعبد: "لعلي أنا من يرغب برؤية الذهب بدلاً من هذه الأسحار، الريبة تقبض بقلبي يا ماجد".

ما الذي أصابه؟ لم يكن هذا من طبع معتصم أبداً فقد كان متزناً وهادئاً في غالب أحواله.

ربما كان مستاءً من وجود أجوان بالقرب منّا على غير العادة، أو ربما من منظر المعبد الذي لم يرقه نظراً لوجدانه الكنسي. لم أتحقق من أمره حينها، فقد كنتُ بالكاد أعقل ما تخالجني به نفسي.

"الكنز تلفه المخاطر دائماً". قلت مشجعاً له:"توقع ذلك دائماً".

وجه إلى أجوان نظرة طارفة، وقد كنتُ أدرك اتجاه تلك النظرة بمجرّد ما رأيت اتساع عينيه محدقاً فيها من دون أن تراه، ثم سألني:"إمكانية اكتشاف الكنوز بالإحساس.. كيف تفعلها مراراً وتكراراً؟ من يعاونها على ذلك يا تُرى؟".

التفت نحوها وقد كانت تناظر المعبد بشرود فقلت:"البريانيون والشياطين ينامون على سريرٍ واحد، أنت تعرف هذا".

"هي تنام على سريرٍ من الذهب، أما هو فما منفعته من حسه هذا؟".

"لا أدري، ما يهمني هو أننا سنحصل على الذهب أينما حلّ الشيطان في منامه".

أجبت ورأيت في وجهه امتعاضاً مني لكنني لم أهتم.

أجوان قدمت من قرية "البريان"، القرية الغربية المعروفة بقصص السحرة والشياطين. كنتُ أدرك مدى خطر انضمامها لكني رضيت بها وبشرورها فقد تدفقت معها خيرات الذهب منذ أن وطأت أقدامها سفينتنا التي لازمها الفقر، وكأنها سحابة نزلت على أرضنا القاحلة بالأمطار من كل حدب وصوب.

لم أعهد مثل هذا النعيم من قبل. كنتُ قرصاناً منذ أن بلغت الخامسة عشرة من عمري حتى بلوغي الخامسة والثلاثين، لكن كل خبراتي ومعاناتي لم تكافئني مثلما كافأني الشيطان، إذا اعتبرنا بأن الشيطان هو المسؤول بالفعل. لم أشهد أمراً عظيماً مثل عظمة قدري الذي صار يسوقني للنعم أينما حلّت ملبياً لنداء الذهب الذي لا يسمعه أحدٌ سواي.

وهاهو الذهب يدلّني قدري عليه، لا... على النقيض، هو من دل نفسه علي، لا أنا.

"إلى متى ستظل واقفاً يا قبطان؟ الجميع بانتظارك".

جاءني فارس بلحيته الخفيفة، وبعينيه العسليتين ذي اللمعة الوارينية التي لطالما ذكرتني بخمورها اللامعة أيضاً. نظر إلي ثم رفع عينيه مطالعاً في رأسي بفخرٍ واعتزاز يشع من نظراته، ثم أردف:"بضع خطوات وجنتنا ستأوي إلى الأرض، لا أطيق الانتظار".

الجنة... فكرت في المفردة ومعانيها، فقد كنتُ أفكر في ملامح نهايتي منذ أن فقدت زوجتي قبل خمسة أعوام... فهي الجنة الوحيدة التي عهدت ملمسها.

وقفت أجوان ووقف فارس ومعتصم، عن يميني وعن شمالي، وأنا كنتُ أقابل البوابة وجهاً لوجه.. شعرتُ ببردٍ غريب ينساب على أصابع يدي وكأن الطقس قد تجمد فجأة.

ما قبل هذه البوابة حياة... وما بعدها حياةٌ أخرى.

"خائف؟". سألتني أجوان بهمس، مدركةً، كعادتها، لما يخالجني من قلق.

أجبت بإيماءة من رأسي بالموافقة وهي لم تعلّق تاركةً لي ثقل الموقف ثم سألت فارس متظاهراً بعدم الاكتراث:"هل تظن أن سفينتنا ستتسع لهذا الكم من الذهب؟".

"إن لم تتسع لها فصدري سيتسع لأضعافها". أجاب ثم أردف مولياً وجهه نحو الباب:"لقد حانت اللحظة، هل ستدخل وحيداً؟".

"بالطبع".

أجبت بثقة انفلتت مني. هذا الكنز ملاذي ومكافأتي التي جنتها يداي اللتان أدمتهما حبال الصاري، وجناها صبري وقلة حيلتي التي أرهقتها نفثات الهلع وصرخات الحطام والاستغاثة على مر السنين.

أجبت ثم التفت بسرعة وواجهت عيون أفراد الطاقم وهم يحيطون بي من كل جهة ترقباً.

اثنا عشر فرداً، أكاد أرى قلوبهم تخفق وكأنها أشرعةً لسفن أجسادهم.

"انتظروني هنا". قُلت بصوتٍ خفيض ثم نظرت إلى أعينهم واحداً تلو الآخر ووجوههم معلّقة من فرط الانتظار.

".. سأخرج وبحوزتي المجد والقوة، من الآن وصاعداً نحن ملوك العرش الجديد. من هنا سيتغير مصيرنا للأبد، هنا حيث تنالون ما صبرتم من أجله. اهتفوا لأنفسكم فالذهب يناديكم!".

صرخت بها فصرخوا معي ثم اندفعتُ إلى الأمام. فتحت البوابة بيدي وسمعت صريرها وهو يئن في داخلي، ثم دخلت..

وداهمتني الظلمة.


***


"يا ملعون!".

سمعت صرخة اخترقت اذني واستيقظت بهلع، ورأيت الفم المفتوح يتوسع ويتوسع.

لم أره بوضوح فقد كانت الظلمة مغطية كل شيء، لكني لمحت حدود الفم المفتوح وهو يتمدد ويتمدد وكأنه ينوي التهامي، لكنه لم يفعل بل ظل يلعن ويشتم بسبابٍ متواصل لا يتوقف.

"يا ملعون! يا ملعون! يا ملعون!".

أغلقت أذني من فرط الصراخ ومن رائحة أنفاسه النتنة، وانفلتت مني أصوات الرجاء التي لم أعد أعقل كنهها من مدى جنون اللحظة.

ثم غبت عن الوعي...


***


أريد أن أنام. لكنني لا أستطيع.

رأيت اختراق نور الشمس للجدران الخشبية ولا أدري كم مر من الوقت منذ أن أغمضت عينيَّ، هل غفوت بالفعل؟ أم كنتُ أتوهم؟

حاولتُ أن أستسلم للإرهاق لكن دون جدوى. فالصخرة، وكأنها كائنٌ حي، تُدرك مدى حاجتي للراحة فترسل موجةً من الألم لإيقاظي. وصل بي الحال أن أترجاها جهراً بأن تكف عن فعل ذلك لكنها لم تجبني بأي رد.

مخلوقٌ حي وصامت في آنٍ واحد.. من هي؟ ومن صاحبها؟

صرتُ مسجوناً تحت وطأة هذا السحر الصخري الذي أصابني في ظلمة المعبد. حاولتُ أن ألمسه بطرف يدي لكني تراجعت حين شعرت بقرب الألم وكأنه، بصمته المريب، يدرك نواياي ويعاقبني عليها.

أم أنني أنا الذي أتوهم ذلك أيضاً؟... أتوهم كل ما يجري منذ ذلك اليوم المشؤوم؟ لا أدري.

فجأة... سمعتُ صوت طرق الباب.

"ادخل". قُلت بصوتٍ متعب.

جاءني الملّاح خالد وعلى وجهه ابتسامة سطعت بفضل نور الشمس. دخل وعلى يده مبخرة مشتعلة شممت رائحتها قبل أن يمشي نحوي.

رائحة نتنة تشابه رائحة الغبار والأخشاب القديمة مخلوطة بشيءٍ من العنبر. كان يرتدي عمامته الجنوبية البيضاء تاركاً طرفها المتدلي على كتفه، وقد كُتب عليها بالخط الأسود عبارة لم أفهم معناها ولا أرغب بفهمها؛ فقد كانت تعني اسم ساحرٍ ما في تلك المنطقة المعروفة بتقاليد السحرة والمشعوذين.

أشرت بيدي أن يتوقف، وقد توقف بالفعل.

"لا أريد". قلت.

أجابني بلكنته الجنوبية الثقيلة وهو يشير إلى المبخرة:"سيساعدك على العلاج".

"ابتعادك سيعالجني أكثر من هذه الروائح".

"انظر...". قال متجاهلاً رفضي وقد قرّب المبخرة قليلاً حتى أراها بوضوح:"هذا من أجود بخور تمارا الذي يعالج الآفات...".

قاطعته بسؤالي:"هل هو ذاته الذي حدثتنا عنه من قبل؟ الذي جلبته من معدة السحرة؟".

سكت قليلاً مستاءً من سؤالي الذي بدا ساخراً، قبل أن يجيب:"وإن كان كذلك؟".

"لو احتوى على العلاج لعالج ساحره الميت".

"جرّب قبل أن تحكم". قال واقترب عدة خطوات ثم أردف:"لقد بخّرت مروان قبل ساعات حتى يتشافى من آلامه وجروحه السابقة، وها هو الآن يتعافى".

"مروان؟".

تفاجأتُ من حديثه وقد بان غضبي على سؤالي مما أوقفه عن المشي مذهولاً هو الآخر من ردة فعلي.

"ولماذا فعلت ذلك؟". سألته محاولاً المحافظة على هدوئي بقدر استطاعتي.

"هو من طلبني".

"طفلٌ صغير يطلبك السحر... وأنت تقبل؟".

"ما المشكلة؟". سكت قليلاً ثم أردف:"طفلٌ متعب ويحتاج إلى الرعاية. لا ترمني بالتهم فنواياي طيبة".

"بتبخير يتيمٍ صغير بهذه الخزعبلات؟".

"ليست خزعبلات، هذا بخورٌ طاهر... سيشفيه". قال بصوتٍ منخفض راغباً بإنهاء الحديث ثم تراجع نحو الباب وقال قبل إقفاله:"إن أردت البخور فنادني سأكون بالجوار، ولا تكثر الخصام فأنت في حالٍ يُرثى لها، جسدك ولسانك يحتاجان للراحة.. أنا أعرف من الجميع بحالك".

صعقني صوت صفق الباب العنيف وظللت أستنشق بقايا رائحة البخور وغبار الباب في صمت.

خالد قدم من الجنوب، مما يعني بأنه تماري النسب والمبدأ، وتمارا، ومعظم بلاد الجنوب عموماً، تشتهر بممارسة السحر منذ القدم مثلها مثل البريان.

زرت تلك البلاد قبل ثلاث سنوات، كانت ذات صحراء واسعة أسرت قلبي حينها، لكني ندمتُ على زيارتها سريعاً حتى أنني لم أطل المكوث فيها، فقد كانت وجوههم وألسنتهم البذيئة نقيض كل ما فيها من جمال، وكأن جمالها غطاءٌ ساتر لما يخفونه من ممارسات وشعائر.

لكن ما أذهلني حينها هو هذا الشخص، أو بالأحرى هذه الجوهرة. الملاح خالد... بغض النظر عن خلافه معي بين الحين والآخر لكنه، وبلا جدال، ملاح من الطراز العالي. أذهلني حينما حياني وسمّاني بالقبطان، على غير عادة أهل تمارا، وأراني حينها مجموعة من الخرائط التي رسمها بنفسه.

كان مميزاً عن أهل تلك البلاد فقد كان قلّةً منهم من يهتم بأمر البحر والسفن، لكنه، على حسب وصفه، كان يفضّل الانعزال في كوخه القابع على ساحل البحر وهذا ما جعله يحلم بالبحار والسفن منذ أن كان صغيراً. قدمت له عرض الانضمام ووافق بسهولة لم أتوقعها، ومنذ ذلك الحين وهو فردٌ ثمين من أفراد طاقمي.

جلستُ أتحسس الصخرة السحرية في رأسي بأنفاسي الهادئة، لعلي أتجاسر على لمسها مرةً أخرى.. لكني لم ولن أتجاسر في غالب الأمر.

حتى سمعت ضربة الباب الهادئة التي عرفت كنه صاحبها من نبرتها.

"ادخل".

ودخل معتصم حاملاً مصباحه نازلاً برداء الرهبان الواسع قبل أن يتوقف للحظة ويسألني:"ما هذه الرائحة؟". سكت قليلاً ثم أردف مدركاً للأمر:"خالد؟ ألم يكتفِ من هذا البخور؟".

"كنتُ أحسبك ستتهمني أنا بالرائحة". أجبته بابتسامة ثم سألته:"كيف حال مروان؟".

"بأحسن حال". جلس بالقرب مني ووضع مصباحه بجانبه:"لماذا تسأل؟".

"أخبرني بأنه قام بتبخيره". قلت، ولاحظت الصدمة تتشكل بسهولة على وجه معتصم ذي المشاعر الواضحة التي لا تكذب:"أرجو ألا تصيبه مضرّة من ذلك".

شعرتُ بحمل المسؤولية على عاتق معتصم وهو يطوي نظراته إلى الأرض ثم سأل:"كيف لي أن أمنعه عن هذه الأفعال؟ لا أريد إشعال المزيد من الاضطرابات، تكفينا شعلة البخور المتعفنة".

"أنا سأمنعه بنفسي". قلت وبلعت ريقي بصعوبة قبل أن أعترف:"أريد الصعود".

سكت قليلاً متفاجئاً مني ثم سألني:"من أجل مروان؟ بإمكاني حمايته منه بطريقةٍ ما".

"من أجل مروان وغير مروان، ينبغي أن أتحرّك. هذه الصخرة تمكنت من صبري وجعلتني مذعوراً ذليل الحال... إن لم أتصرّف فستهزمني المتاعب. هيا بنا".


***


صعدتُ وقد بان الانبهار في عيون الجميع.

ولّوا وجوههم نحوي وتركوا كل أعمالهم. كنت أمشي وبجانبي معتصم وأنا أرتدي رداء الرهبان بناءً على اقتراحه، فقد وصّاني بأن أغطّي منظر الصخرة التي اخترقت رأسي خشية أن يسبب لهم رؤيته ردة فعلٍ لا تحمد عقباها.

فأذعنت وقبلت وارتديت اللباس بصعوبة شديدة بمساعدته.

وصعدت... من الغريب أنني لم ألقِ بالاً للنظرات المحيطة بي بقدر ما وجهت جل اهتمامي لأنفاسي التي تحسست كل شيء، فقد كنت أستعيد رائحة البحر مدمناً لعبيره الذي فقدته منذ مدة.

لم أفقده بالمعنى الحرفي فقد كنتُ أصعد سرّاً طوال الأيام الماضية في أوقات الليل المظلمة حتى لا يراني أحد. لم أستطع كبت جماح رغبتي بأن أشتمّ رائحة البحر والسفينة، لكن رؤية شموخ البحر تحت سطوع الشمس زادت من رائحتها بلوغاً.

فابتسمت، ولا أدري هل تبيّنت لهم ابتسامتي العريضة هذه من تحت الرداء؟

"أين مروان؟".

سألت بصوتٍ عالٍ وتبدّلت وجوههم من حولي وكأنهم مذنبون.

"ماجد؟".

أجابني فارس الذي قدِم بخطوات بطيئة نازلاً من قمرة القيادة بذقنه الساطع تحت ضوء الشمس، وعلى وجهه صدمة رؤيتي المفاجئة، ثم توقف والتفت للجميع وصرخ:"حيّوا القبطان ماجد بأعلى صوت!".

حيّاني الجميع... كانت محاولة خجولة لكنها تفي بالغرض. كنت أرى الأيادي تتراجع وكأنها سرابٌ من ثقة يتلاشى ضياؤها لكن لم يهمني ذلك.

سمعتُ صوت فتح باب حجرة النساء، القابعة قُبيل قمرة القيادة، ومنها أطلّت أجوان. نظرت إليّ بطرف عينها ثم، ما إن تبادلنا النظرة، حتى أغلقت الباب سريعاً.

تلك اللحظة لم ينتبه لها أحد، سواي أنا ومعتصم الذي بادلني نظرة استغراب من الموقف، لكن مجيء فارس نحوي قطع محاولة الكلام.

ثم نظر إلى رأسي وسأل بنبرة هامسة: "هل.....".

"لا". أجبته. كنتُ أدرك سؤاله عمّا إذا تقلصت الصخرة أم لا؟ فأجبته بالحقيقة ثم سألته: "أين مروان؟".

"لا أدري، رأيته يرسل حمامة الزاجل قبل ساعة من الآن".

"يرسل حمامة...". قلت ثم توقفت عن الكلام مدركاً فحوى الأمر ثم سألته: "أرسلها لمن؟".

أجابني بابتسامة حاول مداراتها بقدر استطاعته ثم قال: "لا أدري".

كنتُ أدري لكنني سألت ممنياً نفسي بسماعِ إجابةٍ غير التي أعرفها. صعدتُ قمرة القيادة تاركاً إياه ومن ثم فتحت باب غرفتي التي لم أطأْها منذ خمسة أيام، منذ أن أُصبتُ بالسحر.

هي كما هي، لم تتغيّر... برائحتها الخشبية وبملحية البحر الطاغية عليها، وبصدى وقع خطوات الطاقم الذي يصل إليها بين الحين والآخر. كانت صاخبة ونتنة الرائحة، مليئة بالمتناقضات التي تميّزها عن أي بقعةٍ أخرى على وجه الأرض.

الخرائط معلّقة على الجدران وطاولتي مفروشٌ عليها ورقةٌ طويلة وعريضة كنتُ أكتب فيها ترتيب الموانئ التي قد زرتها من قبل ومخزون قطع الذهب وجداول المكافآت والعطايا، ومن عليها قلم الحبر الذي جفّ من تركه مكشوفاً في غالب الأمر.

في الجانب الأيسر إبريق الشاي وصورة نظرتُ نحوها ثم التفت سريعاً، والصخرة شدّت بي بألمٍ فظيع حينها وكأنما أدركت شعوري الملتاع. تجاهلت الألم والشعور بإغماض عينيّ لوهلة ثم قلت لفارس ومعتصم اللذين لحقا بي: "ينبغي أن نتحرّك".

"إلى أين؟". سألني فارس بعد وهلة صمت.

"إلى المعبد".

كانت إجابة صعبة، مضغت مرارتها محاولاً ابتلاعها طوال الأيام الماضية، لكني اعترفت باستحالة علاجي وقبلت بالأمر الذي لا بد منه.

"لكن... لا بد أن أكون صريحاً معك يا قبطان". قال فارس ملطفاً لحديثه اللاحق، وسكت لوهلة قبل أن يردف:"أفراد الطاقم غير راضين عن فكرة العودة".

"لماذا؟". سألت وقد جلست على كرسيي مطالعاً في وقوفه.

"لأنهم.. خائفون".

"لأنهم جبناء. أهذا ما تقصده؟".

سألني معتصم متجاهلاً سؤالي:"من اقترح عليك ذلك؟".

معتصم يعرف الإجابة سلفاً لهذا سألني، وأجبت بصراحة:"أجوان".

"من قادتك إلى ذات الصخرة تنصحك بالعودة إلى المعبد؟".

"كان خطأً منها واعتذرت..".

"الاعتذار لا يكفي!".

صرخ بها معتصم ومن غير عادته أن يصرخ، سكت لوهلة ثم أردف بهدوء:"هي من أودت بنا إلى قاع الشيطان، فكيف لها أن توصيك بالعلاج؟".

سألته:"وماذا تقترح؟".

"العودة إلى مقاطعة النور". قال ثم سكت لوهلة مطالعاً في ردة فعلي وفي ردة فعل فارس:"حتى تتعالج في الكنيسة، لن تعالجك إلا الصلوات والمياه الطاهرة".

سألته:"نعود إلى مقاطعة النور حتى يرموك بالسباب والشتم؟ ويرموني أنا معك؟".

"لن أسمح لهم بذلك".

"سماحك من عدمه لن يغيّر من الأمر شيئاً".

سكتوا جميعاً وأنا أراقب هدوء سفينتنا المستقرة في البحر منذ أيام، وكأنما هي الأخرى التزمت بالصمت معنا غير قادرةٍ على إيجاد الحل.

"ماذا لو...". قال فارس قبل أن يقاطعه قدوم مصلح.

"يا قبطان...". تردد في كلامه مطالعاً في وجهي وفي الصخرة رافعاً عينيه لوهلة، ثم أردف مكرراً:"يا قبطان... ملاك جاءت وطلبت منك الحضور".

"بهذه السرعة؟".

سأله فارس ثم التفت نحوي بابتسامة واسعة.

اللعنة على حمامة الزاجل... تمتمت في نفسي.



***



وقفت بطولها الفارع وبأرديتها التي لطالما زيّنتها بشتّى الزخارف.

هذه المرّة كانت ترتدي رداءً أبيض واسع ومن عليه زخارفٌ خضراء متضادة، وعلى رأسها قبعةٌ كبيرة تماثلت مع لون اللباس في زخرفها وبياضها مما جعلها تلمع من أسفل ضوء الشمس. اشترت ذلك الرداء، كما هي العادة، من إحدى ديار الغرب التي اشتهرت بتطريز الملابس، فقد كانت مهووسة بزيارتها وشراء ملابسها وزينتها من هناك. ولم تكتفِ بتطريز ملابسها فحسب بل حتى وجهها.

كانت بيضاء، أشد بياضاً من لباسها، ومن على عينيها كحلٌ فاقع لونه وعلى جانبي خدّيها خطّان نحيلان من الاخضرار المتوافق طولاً وعرضاً مع زخارف ردائها. اهتمامها بأناقتها جعلها مميزة عن الحاضرين الواقفين من حولها بأرديتهم المتشققة ووجوههم الرطبة، كحمامة بين حشرات.

تقدمت نحوي ثم قالت:"لم أصدق الرسالة".

"صدقيها".

لف الصمت المكان، عيون الطاقم تتابعنا جميعاً ومن بينها ملامح ابتساماتهم الخجولة التي لطالما لمحتها بين الحاضرين عند قدومها.. لم تعجبني.

قالت وهي تقترب: "هل بإمكانك...".

"لا". أجبت مقاطعاً لها فتوقفت.

"أريد أن أراه...".

"أرجوك". رفضت بإصرار ثم أردفت بسؤالي: "لماذا جئتِ؟".

"حتى أراك".

"الرسالة تكفيك".

"رؤيتك أبلغ من ألف رسالة". قالت وهي تتابعني بعينيها الكحيلتين وبخطوط وجهها التي تتمدد وتتقلّص مع تعابيرها:"يبدو عليك التعب. منذ خمسة أيام؟ لماذا تأخر مروان في إخباري؟".

"أين مروان؟". سألت ملتفتاً يمنة ويسرة متجاهلاً سؤالها ومتجاهلاً نظرات الجميع من حولنا.

"في غرفتك". أجاب فارس:"رأيته يصعد للتو".

صعدت تاركاً ملاك خلفي، فسمعت خطواتها وهي تلحق بي وتسألني:"كيف أصبت بالسحر؟ ماجد! أجبني!".

تركتها من دون إجابة وفتحت باب الغرفة ووجدتُ مروان جالساً على السرير. كان يضم باطن يديه ويشدّها ويثنيها بأشكالٍ عدّة ولسانه يتدلّى من فمه، مشغولاً في أفعاله الطفولية المعتادة من قبله.

مروان صاحب الاثنتي عشرة سنة، الصبي اليتيم الذي حررناه صدفة من سجون الجنوب. كان ذا وجهٍ مسمرٍّ وفي أنحائه جروحٌ عديدة ووشوم أثبتت مواطن عذابه المضني لسنواتٍ طوال.

رأيته، وكما هي العادة، لان قلبي تجاهه ولم أوبخه. كلّما رأيته تذكرت وجهه وهو يطالعني حينها مكبّل اليدين ومنحني الظهر مقيّداً بحديد العبيد، ومترجياً بعبراته إنقاذه من دون أن ينبس بكلمة، ومنذ ذلك الحين وأنا عاجزٌ عن توبيخه، وكأنما كبل لساني أنا بنظرته تلك.

اكتفيت بسؤاله:"لماذا؟".

"ماذا؟".

"لماذا أخبرتها؟".

استوعب الموقف متأخراً فأجاب: "ه.. هي من أخبرتني". قال بلسانه الثقيل والمتأتئ مشيراً لها بإصبعه السبابة:"ب...بأن ارس... أرسل لها رسالة إن أصابك شيء".

"وتأخرت". قالت ملاك ثم وجهت كلامها لي:"منذ أربعة أيام وأنت بهذا الحال، ألم تفكر بإخباري بنفسك؟".

"كيف أخبرك بشيءٍ لم أستوعبه بنفسي بعد؟ ثم...". قلت وقد تذكرت الأمر:"هل خاطبتِ الساقي؟".

"نعم، أتممت الاتفاق معه قبل يومين. وهذه هي الورقة".

أخرجت الورقة من جيبها وأرتني إياها وبالفعل ظهر توقيعه بارزاً في أسفل الصفحة مما أثبت صدقها.

كان لي دينٌ مع "الساقي"، فهو الذي صان السفينة بعدما حلّت عاصفة الشرق التي حطّمت أجزاءً منها.

وعدته بأن أتم ديني ما إذا حصلت على مقدار الذهب المطلوب وصرت حاملاً لذلك الوعد على عاتقي لسنوات حتى جاءتني أجوان بغنائمها وخيراتها، ومن ثم ملاك التي بدورها، ومن دون طلب مني، تحملت مسؤولية إيصالها إليه.

لم أكن واثقاً منها... هذه الفتاة عجيبة فقد لاقيتها في قرية البريان بالصدفة ومن حينها وهي تلاحقني وتتودد إليّ. طلبت مني أن أكلّفها بالمهام أسوةً بأفراد طاقمي فاقترحت عليها الذهاب إلى جزيرة "البنيان" حتى تتم دين الساقي، ووافقت.

لم يكن ديناً باهظاً فقد صرتُ غنياً لدرجة تضحيتي بتلك القطع المعدودة في مخاطرة تبدو مجنونة، فمن ذا الذي يكلّف امرأة لا يعرفها إلا لبضعة أيام بأن تبحر من الغرب إلى الشرق حتى توفي دينه القديم؟ وفي حوزتها قطعٌ من الذهب؟

أغلب الظن أنها ستسرق الذهب وتسرق الوعيد من دون رجعة، وهذا ما كنتُ أظنه وقد كنتُ أفضّله في نفسي أيضاً فدفعي للذهب كان، في ظاهره، لسداد ديني القديم بينما في باطنه كنتُ أرغب في التخلّص منها ومن توددها الدائم إليّ.

لكن.. لم أتوقع ذلك أبداً. بدت علي الصدمة وأنا أرى الورقة بتمعّن. كنتُ أحاول إيجاد أمرٍ يكذّب الواقع البادي أمامي لكن... لا يوجد شيءٌ كاذب.

هذا توقيع الساقي الذي لا شك فيه وهذا ختمه وهذه كلماته المكتوبة بخطه في آخر الورقة: أشكرك على إيفائك بوعدك... وأتمنى لك رحلاتٍ مليئةً بالحطام حتى تزيدني بالذهب، وتزيدني بقدوم هذه الفاتنة أيضاً.. ما أجمل هذا المنظر!

شعرت بنظراتها وهي تنتظر رد فعلي وأنا أرفع الورقة صاداً نظراتها المترقبة عني، ثم قلت بهدوء:"أشكرك".

"واجبي". قالت بابتسامة:"أخبرتك... هذا طلبٌ بسيط، سأشق البحار وأمهدها من أجلك إن أردت ذلك".

راودني سؤالٌ لم أستطع كتمانه، بفعل توتري من الموقف وبفعل كلماتها، فسألتها:"ذهبتِ إلى جزيرة البنيان بقاربك الصغير؟ وحيدة من دون مساعدة؟".

"نعم، ما المشكلة؟".

نظرتُ إلى قاربها المربوط بجوار السفينة من منفذ باب غرفتي المفتوح، كان صغيراً ولا يكفي إلا لشخصٍ واحد. لا أدري كيف تحملت مشقة الذهاب طول تلك المسافة إلى جزيرة البنيان الشرقية وحيدة من دون مساعدة أحد.

هذا ما أذهلني في أمرها منذ أن عرفتها وهي بأنها تبحر وحيدة من دون معاون. كيف تفعل ذلك؟ ما هذه اللياقة والعزيمة التي تمتلكها هذه المرأة؟

"حسناً". قلت ووضعت الورقة على الطاولة:"أتممتِ المهمة وتستحقين مكافأةً على...".

"هل أنت بخير؟". قاطعتني بسؤالها.

"بخير". أجبت محاولاً أن أتفادى نظراتها المتمعنة ثم أردفت:"مكافأتك...".

"ما الذي أصابك؟". سألتني مقاطعة مرةً أخرى وهي تتمعّن النظر في أعلى رأسي محاولةً رؤية الصخرة المغطّاة:"أجبني".

"سحر". قلت وأنزلت الغطاء حتى لا تنكشف مصيبتي، ثم نظرتُ إلى مروان الذي ظل منشغلاً بألاعيبه من على سريري:"ذهبنا إلى معبدٍ بوصية من أجوان و... حصل ما حصل، ألم يخبرك بما جرى في الرسالة؟".

أجابت وهي تقترب خطوتين:"بلى، لكن قلبي لن يرتاح إلا بسماعك".

حاولت تفادي نظراتها بقدر استطاعتي وأنا أتمتم في نفسي... كله بسبب ذلك المخلوق الحقير.. اللعنة على حمامة الزاجل

***
 
عودة
أعلى