Just Human
True Gamer
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك فن قصصي اسمه :
"الإقناع من خلال السرد"
ولايوجد هناك إقناع أفضل من السرد عن طريق -أن تأخذ الشخص من يديه وتجعله يرى الأحداث بأم عينيه كأنه يعيش وسطها- .. كما لو كان جزء منها و عنصر فاعل فيها.
ولايوجد شيء اكثر اقناعا من التعبير عن مآسي الحياة، خيرها و شرورها، جمالها و قبحها.. وغيرها من مظاهر الحياة المتناقضة في كل نواحيها، بكل تفاصيلها عن طريق ريشة رسام أو ممثل تشخيصي فنان.
لكن في نظري لا يوجد ماهو اعظم ولا ابلغ من التعبير عن كل هذه الاشياء عن طريق اللغة البصرية التي أفضلها.. لغة بصرية نفاذة تلتقطها العين، ف "تتكيف" بها و تسلطن بها الدماغ، لتجد مستقرا لها في الفؤاد ..
لا توجد هناك وسيطة من الوسائط تقدم التكامل المطلوب بين جميع العناصر الفنية وتقدمه لك على طبق كن ذهب كما تقدمه :
لعبة فيديو.
السرد من خلال البيئة والأمكنة او تحويل البيئات ل "حكواتي" (أو قاص متمكن قاعد يحكي قصة بسرد متقن)، ينطق حكاياته صامتا عن طريق هندسة الممرات والردهات..
عن طريق جمال المعمار، عن طريق تصميم التحف الأنتيكات وغيرها من التفاصيل التي تؤثث البيئة لتجعله ذو أصالة و روح.. مكانا حقيقيا نابضا بالحياة...
لا اسأل نفسي ولو لهنيهة : "هل اذا كان أحد أفضل وسائل الإقناع واكثرهم تأثيرا في النفس؟" .. أبدا .. بالمرة.
تصور البيئة والمكان و رحلته من مجرد فكرة انولدت بعقل مبدع فتحولت الى خطوط على ورق، ثم منه الى مشاهد تبهر الأبصار.
المكان يلعب دورا محوريا في البنية السردية لمن يريد ايصال حكايته بشكل فعال و مؤثر،
والألعاب من اكثر الوسائط التي أتقنت سرد قصص مؤثرة من خلال تصانيم بيئاتها
.
.
The Conceptual art
(الفن المفاهيمي)
لطالما كان البحث كأساس للبناء ..
و سأضرب مثالا بجزئية من نموذج هو الأقل تفضيلا عند اغلب اللاعبين لكنه النموذج الذي اسحضره عقلي وانا اكتب هذه السطور :
هنا لحظة اكتشاف البطلة (جيل فالنتاين) بأن الشقة فارغة، فوضوية (بداية ريميك رزدنت إيفل 3). الهدف الرئيسي من التخطيط لبيئة كهذه هو نقل شعور عميق بالوحدة والعزلة والفوضى والتهديد غير المباشر من البداية (راكون سيتي تحترق بالخارج).
ولإبداع العمل الفني المفاهيمي، يجب ان يعمل فريق التطوير على عدة مقتضيات واجراءات بحث مكثفة لتحديد الجوانب الفنية الجمالية والتقنية وفرشها كلها على طاولة النقاش و التخطيط، ثم التمكن من الأدوات اللازمة لدعم ايصال هذا الشعور بالمحصلة النهائية
(أي المنتج النهائي).
.
.
.
الأحساس بالمكان، سرد قصة بشكل مرئي مثل التصميم الداخلي، والمناخ العام، كيفية ترتيب الأشياء في الغرفة.
ونظرا لاعتماد البيئة بشكل كبير على أساس مرجعي حقيقي كل منا عاشه بشكل او بآخر
(شقة بعمارة وسط مدينة ميتروبولية وحديثة)
فقد كانت هذه الخطوة ضرورية لخلق اتموسفير واقعي قابل للتصديق.
.
.
.
الفكرة كانت مجرد مخطط على ورق فوق طاولة البحث والنقاش قبل تحولها لتصميم يعتمد على احدث التقنيات بأرض الواقع.
مرحلة الرسم التخطيطي Sketching :
الهدف من هذه المرحلة هو رسم الفكرة التي ستشكل نواة وأساس العمل الفني قبل وصوله لشكله النهائي. تحديد المخطط العام للبيئة والأمكنة التي ستكون مسرحا لأحداث اللعبة، وايضا التفاصيل الصغيرة والدقيقة التي يجب أن يركز عليها اللاعب، ويستطعم النكهة "التصميمية" التي يريد المصمم ايصالها..
جودة الأتموسفير تعتمد على ثلاثة أشياء أساسية : التفاصيل و التفاصيل.. ثم أخيرا .. التفاصيل -مقولة هيتشكوك- (حتى ننسب الأشياء لاصحابها)
التفصيل يأتي من الإستلهام من الحقيقة..
من مواد و خامات حقيقية محددة، مثل الأرضيات الخشبية و ورق الجدران المنقوش والسجاد المخملي الفاخر، عناصر تضفي أصالة على اللعبة بوضع اللاعب في مكان و زمان محددين. وهذا بدوره يزيد من انغماس اللاعب في التجربة. في المقابل، قد يؤدي مزج الأنماط والفترات الزمنية مع بعض بشكل فوضوي إلى فقدان عنصر الإنغماس، لذا يجب على المصمم أن يضبط ميزان استلهاماته و يكبح جموح ابداعاته، لأنه كما نعلم "كلما زاد الشيء عن حده، انقلب الى ضده".
الجو الكريبي الذي يثير القشعريرة اسفل الظهر :
وضع الغرفة متهالك، ورق الجدران متقشر و مليء بالخدوش. الأوساخ تملأ المكان والأرجاء، جثث مقطعة، و جو كئيب غير مريح من خلال اختيار الفلتر والألوان (و سأتطرق لهذا تفصيلا لاحقا).
عناصر تعتبر جزءا أساسيا أصيلا لخلق تجربة رعب اتموسفيرية
لماذا نحب البشاعة و نعتبرها فن !! .. لماذا نعشق ان يتم تحفيز مشاعر الاشمئزاز بداخلنا ؟!
ببساطة لأن البشر يحبون تجميل كل ما هو قبيح بمخيلتهم.
تطور الحس الفني عند الإنسان منحه القدرة على عمل "glamourising" للأشياء القبيحة، المنفرة والمرعبة.
............................
الإضاءة والظلال :
يعد الضوء عنصر إرتكاز غاية في الأهمية لخلق الاتموسفير. الأتموسفير هو الأداة الأهم التي تجعل السرد المرئي يجفو على السطح
وقد تم التوصل إلى هذا الاستنتاج بشكل حاسم من خلال دراسة
للمنهجية التصميمة خلف لعبة سايلنت هيل 2
محدودية دفعت التطور الى مستوى أعلى
بالعادة، دائما تظهر ألعاب الرعب بإضاءة ضعيفة خافتة لخلق جو كئيب كريپي لتحفيز خيال اللاعب من خلال استغلال خوفه الغريزي من المجهول.
بسايلنت هيل مثلا ، استغل مطوروا اللعبة قيود جهاز البلاي ستيشن 2 بشكل عبقري لخلق شعور بالقلق والارتباك من خلال تمازج الظلال بالضباب نتج عنه اتموسفير شكل حالة استثنائية بجنرا العاب الرعب .. في حالة الهمت حتى صناع السينما!
كلها عناصر يتم هرسها مع بعض لتقدم
سردا مرئيا بارعا.
.....................
الألوان كأحد أهم عناصر السرد المرئي :
تقدم الصورة الأولى ألوانا تحاكي الواقع إلى حد كبير، بدرجات تبعث على الدفئ من خلال مزج البيج والبني. تشبع اللون متوسط، متوازن، و كنتيجة ؟
التصميم لا يثير مشاعر سلبية.
من ناحية أخرى هنا :
تهيمن درجات اللون الأخضر على الصورة بالفوق، مما يخلق جوا أكثر كآبة، جو باعث على الإنزعاج، وقد يسبب مشاعر القلق والتوتر من اول نظرة.
مثال آخر بالصورة الثالثة :
يتم توضيح كيف ترتبط الغرفة بالخطر والقلق بسبب درجات اللون الأحمر المبالغ فيها.
المثال الرابع :
وبنفس المقياس تقريبا لكن مع تغيير باللون، تصور الغرفة بالصورة الرابعة على أنها مكان منعزل وبارد، مع غلبة درجات اللون الأزرق المرتبط بالبرودة والكآبة.
.......................
كما قلت في بداية المقال، السرد المرئي هو أداة قوية في رواية القصص .. السرد المرئي يحتاج لتفاصيل فنية/تقنية (كنت قد تطرقت لها)
لكن لكي نفهم طبيعته؟ يجب ان نعرف اولا ماهو "السرد" ؟
السرد خزان الذاكرة الجماعية عبر التاريخ بكل آلامها وآمالها ومتخيلاتها، لا تستهن بتأثيره و اثره فهو قديم قدم الإنسان، هو نعمة تنتقل عبر الجينات بين أجيال الموهوبين من عند رب العالمين.
في جهة أخرى، وبالإستعانة بالصبر والمثابرة وبجهاد النفس يكتسبه و يتعلمه الأشخاص من "الغير موهوبين" حتى ترتقي مهاراتهم التي اكتسبوها من خلال التعلم بشكل منضبط وملتزم ليصلوا الى منزلة الموهوبين.
.
.
.
.
السرد مجرد وسيلة لنقل مجموعة عناصر تشكل البناء القصصي :
*المسرود (الرواية)
*الحبكة
*الشخصيات
*الزمان والمكان
*العقدة والحل
*الحبكة
*الشخصيات
*الزمان والمكان
*العقدة والحل
تعد هذه العناصر الوحدات الألساسية التي تشكل البنية القصصية، وتعمل على تماسك الأاحداث
وتجعلها في سياق وتنظيم، ضمن "المتن الحكائي" (تسلسل الأحداث الذي يكون القصة)، اذ يسعى فيه صانع العمل الفني الى خلق وحدة وانسجام متكاملين بين مكونات النص. بين السبب والنتيجة و بين الديناميكية الدرامية...
بحيث أن المتلقي يسعى جاهدا الى ربط ً
الأحداث التي تم تأسيسها في المقدمة المنطقية والعلاقات التجاورية للأحداث والجزئيات التي يتركب منها الحدث بما يحمله من رموز ودلالات وشفرات يوظفها صانع العمل، مما يضفي على السرد المرئي عناصر درامية اساسية كالتوتر والتشويق لكي يخلق استجابة لدى المتلقي.
.......................
الاهتمام الدقيق بالتفاصيل :
الاهتمام بأدق التفاصيل بالتصميمات لايحسن فقط من السرد البصري.. بل ينقل احساس عميق بالمكان الذي تجري فيه الأحداث.
الألغاز :
وجود الألعاز لا يمثل تحديا لتجاوز مراحل اللعبة فقط، بل يتعداه ليمثل أداة سرد لا تقل اهمية عن السرد عن طريق البيئات والأماكن.
فمن خلال حل الألغاز، يمكن للاعبين اكتشاف سرديات وقصص خفية تزيد من احاطته بمجريات الأحداث
البيئات الديناميكية :
يمكن أن يضيف إنشاء بيئات ديناميكية تتغير بناء على أحداث اللعبة عمقا آخر لسرد القصص.
على سبيل المثال، فسايلنت هيل 3 تتغير تصاميم البيئات بشكل مستمر. شرح القصة عن طريق الوثائق والعالم يمشي بالتوازي.
أيضا رزدنت ايفل الملغية كانت ستحمل اسلوب سرد مزدوج عن طريق تغير البيئة بالكامل.. و عن طريق تغير بأسلوب اللعب.
سيناريو مبني على هلوسات ليون، وآخر مبني على تحرك ليون بكامل وعيه.
زاوية المنظور :
أداة اخرى مهمة لتعزيز الشعور بالمكان والأحداث، لدي مثال لم يغب عن مخيلتي مطلقا (Alone IN The Dark)، و زاوية اللقطة التي انتقلت من كونها قريبة من الشخصية (ادوارد)، الى زاوية غير اعتيادية بالألعاب (لا بذلك الوقت ولا بوقتنا الحالي)
المنظور تحول لخلف النافذة ليقدم تلميحا قويا بوجود شخص/كيان يراقب من الأعلى و عينه عنك لا تغيب.. زاوية غير اعتيادية تمهد لما هو قادم.
...................
أقول بأن جودة أسلوب السرد و درجة تمكن القاص قادرة على الإستحواذ على قلب المتلقي بغض النظر عن "جودة النص" ...
جودة التنفيذ تغلب على جودة المادة الأساسية (النص).
واذا التقى جودة المادة الأساسية بجودة التنفيذ عند نقطة تقاطع واحدة ؟
ف يا سلام ! هذا عز الطلب.
.
.
في ختام هذا الموضوع، فمن خلال دمج العناصر المرئية، الصوتية، والتفاعلية، أصبحت الألعاب تتجاوز تلك الحدود التقليدية التي نقدمها الوسائط الأخرى
وتعيد تعريف رواية القصة..
الأمر سيتطور أكثر واكثر.
نحن محظوظون للغاية لأنه لظينا الأدوات التقنية الأكثر تطورا، الأدوات التي تتيح لنا استكشاف المواضيع العميقة والمعقدة بطرق استطيع القول بانها تتحدث إلى قلوبنا وعقولنا بأبلغ مايكون.
من حسن حظنا ايضا اننا لاعبين بالمقام الإول، وسنستمر في استكشاف هذا الفن المتجدد مادمنا في هذه الحياة...
وسنسعى دائما إلى تعزيز الفهم والامتنان للجهود المبذولة في هذه الصناعة عن طريق ابرازها بمقالات/مواضيع/نقاشات. أيضا نحن ندرك للنخاع بأن دورنا كرواد منتديات هو محاولة "تأريخ" ما يمكن تأريخه على قدر الإمكان،
ومحاولة صنع ذكريات لنسخنا المستقبلية اذا انعم علينا الله بالصحة و العمر الطويل.
أيضا هذا تأريخ (او محاولة على الأقل) لجعله نافذة مستقبلية يطل منها الأجيال القادمة على الماضي
شكرا.
التعديل الأخير:
