Guyver
Gamer
دخلت صناعة الألعاب مرحلة جديدة في تاريخها عندما دفعت المؤسسات الرسمية في العالم لسن قوانين جديدة تضع محاذير اضافية للتعامل بجدية تجاه هذه الألعاب التي لم تعد مجرد وسيلة ترفيه مطلقة، فقد تضاعفت التحديات في الموازنة مابين ما هو حق للمنتجين في تقديم ما يريدون وعدم العبث في محتوى الألعاب، وما بين حماية المستهلكين في خوض هذه الألعاب دون قيود. الإشكالية ان الحرية الإبداعية لها تعريفاتها وحدوها ما بين شعب وآخر، ومقص الرقيب بين بلد وآخر لا يمتلك مسطرة موحدة تتفق على ما هو محظور ومسموح. في حديث مطول استعرض مقتطفات من تاريخ المحضور في هذه الصناعة.
- التصنيف العمري...Sub-Zero:

بدأ سوق الالعاب يتعافى تدريجيا في مطلع الثمانينيات تجاريا دون محاذير حول الاثر الذي قد تجلبه هذه الصناعة على المجتمعات، خصوصا وأن المحتوى المرئي بسيطا في التقديم والتصوير بسبب محدودية الرسوميات والصوتيات. هذه المعادلة تغيرت تماما مع أجهزة الجيل الرابع للألعاب عند صدور واحدة من اهم العاب جيلها والتي تمكنت من عرض مشاهد شبه واقعية تضمنت لقطات عنيفة ودموية، انها Mortal Kombat من شركة Midway الصادرة سنة 1992، اللعبة القتالية التي تقدم مجموعة محاربين لكل منهم اسلوبه العنيف في الضرب وعملية انهائه للخصم ببشاعة (fatality)، لعل اشهرها طريقة شخصية Sub-Zero بنزع الرأس مع العمود الفقري للخصم بقبضة يده. هذا المشهد العنيف الى جانب العاب اخرى مثل Night Trap و Lethal Enforcers دفعت "الكونغرس" الامريكي عام 1993 الى عقد جلسة استماع لمناقشة تأثير هذه الالعاب على الاطفال وخطرها، حضر هذه الجلسة أيضا ممثلين من NINTENDO و SEGA للمناقشة والمناظرة، دفعت في ختامها الى اعتماد هيئة ESRB للتصنيف العمري سنة 1994، ما تبعه فيما بعد انظمة اخرى طبقت نفس المنهجية في دول اوروبا واليابان.
في منتصف التسعينات اتخذت هيئات التصنيفات العمرية اجراءات رقابية تتدخل في محتوى اللعبة نفسها، من الامثلة البارزة هي المشاهد السينمائية في لعبة Resident Evil 1 الاصلية حيث اُقتطعت المشاهد الدموية في النسخة الامريكية وبقيت في النسخة اليابانية. (ما زالت هذه التوجيهات مفعلة وطبقت حديثا مع نسخة Resident evil 2 Remake ولكن المفارقة ان النسخ اليابانية هي التي اصبحت الاكثر رقابة وفق السياسات الجديدة في اليابان)

(الاختلافات بين النسخة الغربية واليابانية قد بدأ فعلا مع الجيل الرابع، لعبة Street of Rage 3، قدمت بنسختها الغربية احتشاما اكثر من اليابانية بسبب توجيهات الهيئات الرقاببة)
- العنف...DOOM:

تصاعد النقد السلبي تجاه الالعاب من قبل مسؤولين امريكيين معتبرين ان هذه الصناعة تولّد العنف لدى المراهقين، خصوصا بعد حادثة الهجوم المسلح في ثانوية " كولومباين" بأمريكا في ولاية كولورادو سنة 1999 حيث نفذ مراهقان هجوم مسلح بالرشاشات داخل أروقة المدرسة نتج عنه مقتل اكثر من عشر طلاب، وانتحار المنفذان فيما بعد. اثارت هذه الحادثة جدلا واسعا في المجتمع الأمريكي لتفسير هذه السلوكيات التي أدت لارتكاب هذه الجريمة، حيث وضِعت السينما، الموسيقى وبالطبع الألعاب كمصدر محفز للعنف، وجّهت وسائل إعلامية أصابع الاتهام للعبة DOOM التي اخذت شهرة ضخمة لاسلوبها الفريد في اللعب. الرابط بين الحادثة واللعبة يعود الى اهتمام المنفذين "إريك هاريس وديلان كليبولد" باللعبة حيث كشفت التحقيقات أن إريك قد صمم عدة مراحل في اللعبة ونشرها عبر الانترنت في حينها وفق ما ذكره FBI عندما كشفوا عن مقتنيات إيرك و محتوى حاسوبه الشخصي.
ساهمت هذه القضية برفع حدة النقد السلبي تجاه هذه الالعاب التي دعى فيها "بيل كلينتون" رئيس أمريكا في وقتها إلى نبذها ووصفها "بالألعاب العنيفة" وأن يرفض الآباء اقتناء هذه المنتجات التي " تمجد العنف". (الجدير بالذكر ان التحقيقات الرسمية لم تثبت ربط سبب الحادثة بلعبة Doom بشكل مباشر)

لم يعد الامر مقتصرا على جوانب العنف في الالعاب، فقد تقدمت هذه الصناعة تقنياً وتصاعدت فيها الجرأة في قصصها ومحتواها. مشاهد اباحية وعري وتمرير اجندات سياسية تعطي تأثيرها على اللاعب بسبب التفاعل المباشر مع الشخصية والقصة. هذا التأثير اصبح معلوما لدى الجهات الرقابية فقد حدت بعض الدول الى منع العاب بالكامل بسبب توجهاتها السياسية والفكرية مثل Call of duty التي اقتطع منها اجزاء متفرقة عبر اصداراتها في روسيا (مهمة No Russian في COD MW2). Rise of the Ronin هي الاخرى مُنعت في كوريا الجنوبية.

(تضمنت اللعبة وجود "يوشيدا شوين" وهو احد المنظِّرين الذين دعوا للتوسع الامبريالي لليابان واعتبار كوريا ضمن سيطرتها، هذا الامر دعا شركة سوني قبيل اصدار اللعبة الى عدم فسحها من الأساس في كوريا الجنوبية تجنبا للإشكالات)
- Rule Of Rose:

مع بداية الالفية، ازداد الحديث عن عمليات العنف المسلحة التي اجتاحت الغرب، كانت (وما زالت) صناعة الالعاب احدى الشماعات التي يعلق عليها الاعلام أسباب العنف لما تقدمه من حرية وعنف اكثر مقارنة بالألعاب الموجودة. وسط هذا الخواء الإعلامي، انتشرت إشاعة ستساهم فيما بعد بجعل لعبة متوسطة الإنتاج الى اغلى الألعاب في السوق، لعبة Rule of Rose.

شهد سوق الالعاب انتعاش كبير اكتسحت فيه سوني بفارق كبير عن منافسيها، ولذا فأن فرصة أي عنوان جديد لحصد نجاح تجاري ممكنة، كانت الشركة تبحث في وقتها عن عنوان يضع مكانته في سوق العاب الرعب. اوعزت سوني هذه المهمة لشركة التطوير اليابانية المغمورة Punchline. كان الهدف الرئيسي لفريق التطوير تقديم لعبة رعب نفسي بعيدا عن النمط المعتاد، حيث تدور احداث القصة عن جينيفر المرأة الشابة التي تجد نفسها محاصرة في ميتم تُديره مجموعة من الفتيات يُعرفن باسم "نبلاء القلم الأحمر". هذا الخط العريض للقصة مع نظام تحكم بسيط ومظهر تقني مقبول عرضه الناشر في معرض E3 2006 . تكفلت سوني بنشر اللعبة في اليابان و ATLUS في أمريكا. في نفس الشهر الذي صدرت فيه اللعبة (نوفمبر)، نشرت المجلة الإيطالية Panorama مقالة اثارت ضجة كبيرة عن اللعبة والتي ذكروا فيها وجود مشاهد دفن أطفال احياء و سادية جنسية وغيرها من الأمور الإباحية التي تتعلق بالقُصّر، هذا المقال الملفق تلقفته بعض وسائل الاعلام الأوروبية مما اثار عدة مسؤولين أوروبيين من ضمنهم المفوض الأوروبي آنذاك فرانكو فراتّيني الذي هاجم اللعبة بقسوة. موجة الغضب في البرلمانات الأوروبية دفعت لمنع اللعبة، وهو ما تم بشكل رسمي في بريطانيا ونيوزلندا وأستراليا. هذا المنع لم يأتي بسبب مصداقية هذه المزاعم وانما بفعل الضغوطات الإعلامية والسياسية التي دفعت الشركة الناشرة "505" في المملكة المتحدة لإلغاء إصدارها. (ردت الهيئات الرقابية في حينها وفندت هذه الاقاويل الزائفة).
هذا الجدل الذي صاحب اصدار اللعبة، الى جانب إصدارها المحدود في أمريكا واليابان ووجودها فقط على PS2 الى اليوم جعلتها واحدة من اكثر الالعاب ندرة في التاريخ ومن اعلاها سعرا، ساهمت الدعاية السلبية حول اللعبة الى جعلها قطعة ثمينة جدا يصل سعر النسخة الواحدة منها الى آلاف الدولارات، افقط ابحث عن اللعبة في منصات التسوق مثل Amazon و E-pay وستتفاجأ بالأرقام الضخمة قياسا بالمنتج نفسه. اللعبة لم تحصل على استقبال إيجابي اجمالا من قبل المراجعين او اللاعبين ولكن تمكن هذا الزخم الإعلامي من جعلها لعبة أيقونية.
- الأفكار تتجاوز حدود الترفيه:

الهيئات الرقابية لم تعد وحدها من يضع التوجهات الفكرية، مؤسسة مثل .Sweet Baby Inc بدأت تتدخل كفريق استشاري يدعوا لتقديم افكار يسارية وجندرية تغّير رؤية الكاتب لتصميم شخصية ما بالكامل. برز اسم الشركة مؤخرا بعد النقد السلبي تجاهها عندما ربط المحللين تغّير عرق شخصية "Saga Anderson" في لعبة Alan Wake 2 التي كان مقررا ان تكون شقراء حسب العروض الاولية، ولكن تغير عرقها الى البشرة السوداء، هذا التغيير كان مثار سخط لدى اللاعبين باعتباره تدخل في القرارات الفنية لمطوري اللعبة. (لا توجد دلائل مؤكدة تثبت هذا الادعاء).

(حظيت GOW Ragnarök بنفس الانتقاد، بسبب تغيير مفهوم الشخصية الاصلية Angrboda في الأساطير النوردية، وبالطبع كان لشركة .Sweet Baby Inc دور في المرحلة الإنتاجية للعبة)

. هذه الموجة التي تنادي بالتنوع العرقي و"الجندري" بدأت تجتاح الاعلام الأمريكي منذ مدة طويلة تزايد توسعها في العقدين الأخيرين لفرض اجندتها على العالم، احدى هذه الأفكار هي نقد تسليع المرأة كأداة جنسية، فلطالما اُستخدم النساء كوسيلة جذب في الإعلانات والأفلام والموسيقى وصولا الى الألعاب. في حديث لـ "نيل دركمان" انتقد تقديم بعض الشخصيات الانثوية التي تظهر بشكل فاتن مستشهداً بثلاثة شخصيات عرضها على الشاشة (Ayane من Dead or Alive, و Quiet من MGSV, Cortana من Halo( كنماذج تركز على "جنسنة" الإناث. المفارقة ان فرض النقيض بتقديم شخصيات انثوية تتساوى بالرجال "بدنيًا" لم يكن هو المنطقي ايضا كما يرى معارضي "Woke" مثلما حصل مع آبي في لعبة دركمان الاخيرة The .Last Of Us 2

بالطبع هذا لا ينفي تأييد الكثيرين لهذه الاجندات، فقد لوحظ هذا التأثير على العاب "كابكوم" بابتعدها نسبيا عن جنسنة الشخصيات الانثوية، مظهر "جيل" في نسخة الريميك Resident Evil 3 قدم احتشاما اكثر من النسخة الاصلية،

(تم تغيير وتعديل بعض المشاهد والملابس التي تظهر بعض العري للشخصيات الانثوية في نسخة الريماستر للعبة Onimusha 2)

شخصيات انثوية ايقونية اصابها هذا التأثير مثل "لارا كروفت" التي عُرفت بمظهرها الغير متناسق في اصدارتها الأولى، الى تقديم شخصية اكثر واقعية ومتناسبة مع البيئة وطبيعة المغامرة في نسخ Reboot، جاءت هذه الاستجابة من "سكوير اينكس" نتيجة لتأثير تلك الحركات الاجتماعية.
- ختام:

صناعة الألعاب كغيرها من المنتجات الترفيهيه يهدف منتجيها الى الربحية ولكن كغيرها من الاعمال المرئية، فأن الرسائل والاجندات لابد ان تتضمنها بطريقة او بأخرى، فلا يمكن اغفال ان الألعاب الامريكية تمرر افكارها. هذه الصناعة تدر المليارات، وهو الامر الذي تعمل عليه الصين بجدية منذ مدة. وبدأت ملامح نجاح رؤيتهم تلوح في الأفق، العاب AAA لم تعد حكرا للغرب او اليابان، الصين تسعى الى وضع عنوانيها في الصفوف الامامية نقديا وتجاريا. (Black Myth: Wukong حققت جوائز عديدة في اكبر حفل جوائز للألعاب).

كوريا الجنوبية تعمد هي الأخرى الى ان تضع لها موطأ قدم في هذا السوق وتسير في خطوات ناجحة جاءت بعد تجارب عديدة مميزة اثبتوا امكانياتهم فيها. لعبة فرنسية مثلClair Obscur: Expedition 33 اجادت بشدة تقديم باريس الحالمة والرومانسية كما يروى عنها، رافق نجاحها النقدي، حفاوة كبيرة بما فيهم رئيس فرنسا فقد وجّه ثناءه لمطوري اللعبة على نجاحهم بحسابه الرسمي في منصة Instagram).
الى جانب أرباحها الكبيرة، لا يمكن ان نتجاوز ان الألعاب اصبحت ذراع يفرض صنّاعه سياقاتهم وافكارهم، ولذا فأن المشاركة والإنتاج هي الضامن الطبيعي الذي يمكن من خلاله فرض ما يراد قوله تحت القيم والأفكار التي نريدها، نعم هي منتج ترفيهي ولكن لا يعني تجاهل ما يمرر من خلاله، لا بالمنع ولكن بتقديم البديل. لا يمكن اليوم السيطرة على المحتوى بشكل كامل ولن يمنع الحضر تسريبه، وسائل النشر لم تعد محددة ومحدودة، في عالم نعيشه اليوم الكل يمكن ان يبدي رأيه وينشره للعلن وللعالم، فالتحكم في السياق لا يمكن الا في الاستثمار والإنتاج في هذه الصناعة.
التعديل الأخير: