جُرَيْج
وارِقُ وَيلْز
قلّما نجد فيلمًا يستطيع أن يجعل من التفاصيل اليومية الصغيرة مادةً لتأمل عميق في الإنسان، وهذا هو سر فرادة الفلم، فهو لا يستند إلى المغامرة أو الأحداث الصاخبة، بل إلى الأسرة، والمدرسة، والأحلام المؤجلة، وتلك الذكريات التي نظن أنها مضت، ثم نكتشف أنها ما زالت تقيم في أعماقنا.
يمنح الفيلم الأسرة اليابانية المحافظة حضورًا لافتًا، فيرسمها كما هي، بعاداتها وتوقعاتها وسلطتها ومودتها، من غير أن يجعلها شرًّا ينبغي التمرد عليه.. إنها بيئة قد تضيق بالإنسان أحيانًا، لكنها في الوقت نفسه جزء من تكوينه، ومن الصعب أن يفهم نفسه من دون أن يفهمها.
تعود البطلة، وهي في السابعة والعشرين، إلى ذكريات طفولتها، فتبدأ في النظر إلى حاضرها بعين مختلفة، والطفولة هنا ليست زمنًا مثاليًا يستحق التمجيد، بل مرحلة بكل ما فيها من فرح وحرج وغيرة وخوف وحيرة..
فموقف عابر في المدرسة، أو كلمة من أحد الوالدين، قد يترك في النفس أثرًا لا ندرك عمقه إلا بعد أعوام.
أما البطلة، فلا تُبنى رحلتها على خصومة مع العمل أو الأسرة أو الحياة التقليدية، إنها امرأة تحاول أن تفهم نفسها، وأن تختار ما يلائمها، وأن تنضج من غير أن تجعل التمرد غايةً في ذاته، وهذه من أكثر سمات الفيلم اتزانًا، سير أحداثها في الفيلم، تخليها عن الحياة الوظيفية في المدينة والاتجاه نحو الريف، خطوبتها من قبل الجدة وقبولها الزواج بتوشيو.. كلها أمور تجعل من الحياة التقليدية معنى في وسطٍ قل تقديره لها.
ولعل هذا يقودنا إلى ما يجعل إيساو تاكاهاتا واحدًا من أكثر المخرجين فهمًا للإنسان..
في «قبر اليرعات» يجسّد معنى الفقد حين يصبح الفراق أقسى من أن تحتمله النفس، معنى التضحية ومشقة الحياة في أقصى صعوبتها لطفلين عاجزين..
وفي «جارتي من عائلة يامادا» يحتفي بالحياة في أبسط صورها، فيجعل من العائلة وضحكاتها ومشاجراتها اليومية متعةً تستحق أن تُعاش..
وفي «حكاية الأميرة كاغويا» يبلغ هذا الفهم ذروته، حين يجعل المسؤولية شيئًا قد يثقل الروح، ومع ذلك لا يستطيع الإنسان أن يفرّ منها من دون أن يخسر جزءًا من إنسانيته..
أما في «مطر الذكريات»، فيتأمل الإنسان وهو يصالح ماضيه ويبحث عن معنى لحاضره