( جميع ما يكتب هنا هي وجهة نظر المحرر الخاصة و لا تعكس بالضرورة رؤية الموقع و أفراده ككل )

عاما بعد عام ينطفي و يخبو ولهي و عشقي و هيامي بألعاب الفيديو، عاما بعد عام و نحن نحصل على أشباه ألعاب تدّعي بأنها ألعاب، منتجات يهلل لها المهللون و يطبل لها الكثيرون و هي فارغة جوفاء بلا طعم و لا لون و لا رائحة، عاما بعد عام و أنا أقول لنفسي : قد أدركني الكِبَرُ عَتِيّا، فلا أشعر بما يشعرون به و لا يشعرون بما أشعر، و لا أحسّ بما يحسون به و لا هم يحسّون ! ما الذي يعجبهم في هذه الألعاب التي تخلو من نبض الحياة ؟ قد بدأت ألعب إبّان جهاز العائلة الشهير، مرورا بكل الأجيال المنقضية، هذا الجيل هو الأسوأ بجدارة، هذا الجيل شهد انتكاسة و تراجعاً للمطور الياباني الذي نحبه جميعا، المطور الذي جعلنا نعشق ألعاب الفيديو بالأصل و الأساس، و نفضلها على أفلام السينما و مسلسلات التلفاز و مباريات كرة القدم !
إلا أن هذا التراجع لم يمرّ على وسائل الإعلام الظالمة و المتجنية مرور الكرام، فأفرغ الإعلام الغربي الكبت المتجمع منذ سنين و صب جام غضبه على الألعاب اليابانية و محبيها ! و نسى أو تناسى بأنه لولا المطور الياباني لما وصلت ألعاب الفيديو إلى ما وصلت إليه من تقدم و تطور !
إلا أن كوجيما-سان كشف عن لعبة متل جير القادمة تحت عنوان Ground Zeroes بعرض بعث الرجفة في أوصال هذا القطاع كما وعد، ليوجه صفعة قوية إلى هؤلاء الأشخاص و أتباعهم ! أثبت كوجيما مجددا بأن اللعبة اليابانية هي صاحبة اللمسة الفنية الأكثر إبهاراً و تميزاً ! لقد أشعل كوجيما حماسي و حبي لألعاب الفيديو مجددا مع هذا العرض الرائع، العرض الذي جعلني أتذكر لماذا كنت أحب ألعاب الفيديو، أعطاني نكهة غُيّبت عني منذ أمد بعيد، هذه النكهة التي لا يمكن لك أن تحصل عليها إلا عن طريق الألعاب اليابانية.
المطور الياباني هو مطوّر يحب و يعشق المنتج الذي يصنعه لك، تطوير الألعاب بالنسبة له ليست مجرد وظيفة لكسب لقمة العيش، اللعبة بالنسبة لهذا المطور هي رسالة يوجهها إلى العالم ! هي خلاصة فكر و ثقافة ! هي إحساس ومشاعر يضخها عبر عروق المضلعات لتصنع تحفا فنية تقتنى، لا ألعاب تشترى ! أما المطور الغربي فهو مبرمج يؤدي وظيفة لكسب المال، و هنا يكمن الفرق الشاسع بين الاثنين، فمهما وصل إليه المنتج من إتقان و براعة في التنفيذ، لا يمكن له أن يجسد أحاسيسك على الشاشة المرئية إذا لم تكن عاطفته صادقة من القلب.
لذلك دعوني أخط هذه السطور لا تهجما على المطور الغربي الذي أقدّر منه الكثير، و لكن مدحا و ترفيعا بالمطور الياباني الذي طالت غيبته حتى عاد لنا فيديو متل جير الجديدة كعناق حارّ بين عاشقين، فقط انظر إلى حركة الكاميرا العبقرية، الحوار بين الرجل ذي الوجه المحروق و بين الطفل الصغير، و من ثم تشغيل الأغنية ! يا رباه .. قلمي هنا يعجز عن المديح
الأغنية الرائعة تعمل بصوت منخفض في الظلام وسط المطر والأجواء العسكرية المذهلة ( تعلمي يا كول اوف ديوتي ! ) و يدور حوار بين شخصين مع حديث حول “باز” التي نذكرها جيدا من إصدارة بيس ووكر، ليخفت صوت الرجلان و يرتفع صوت الموسيقى في سيمفونية فوضوية المشاعر و التصوير الفني الفريد ! لنتبع حركة الكاميرا البارعة التي يسخرها كوجيما وفقا لإمكانياته الفذة كما يشاء، فتعبر بين العساكر لتصل بهدوء إلى الرجل ذي الوجه المحروق وهو يطرح قبعته الأنيقة التي تتموّج أطرافها تأثرا بهبوب الرياح.
شاهد الفيديو و دقق جيدا في كل إطار رسمته أنامل كوجيما البارعة، لا يوجد لقطة عشوائية على الإطلاق، هذا الرجل يضاهي أفضل مخرجي هوليوود في التصوير و الحس السينمائي المذهل ! تابع حركة الكاميرا العبقرية التي تُبدي للمشاهد النضج الكبير الذي وصل إليه كوجيما فنيا، مطورو ألعاب الفيديو الآخرين مقارنة بهذا الرجل في الإخراج هم مجموعة من الهواة ! مجموعة من التلاميذ تعلموا كيف يبرمجون، و عليهم الآن النظر إلى أستاذهم ليتعلموا حقا كيف يسخروا هذه الأدوات لخلق الفن.
أنا لم ألمس هذه الأحاسيس إلا في الألعاب اليابانية، و عروض الألعاب اليابانية ! العروض التي تخرج من القلب و تصل إلى القلب، لألعاب تعبر عن فكر أصحابها و ثقافتهم الطويلة، رسائل فنية و قطع هندسية مصقولة بعناية كالجوهرة المكنونة، المطور الياباني يسيطر ببراعة شديدة على كل إطار تتحرك فيه الكاميرا على الشاشة، يجعلك ترى ما يريدك أن تراه، فلا يوجد ورقة شجر أو قطرة مطر تخرج عن الإطار و النسق المرسوم الذي يحدده لك، مما يجعلك تخوض تجربة غنيّة المشاعر و الأحاسيس.
هناك فرق جليّ بين المطور الياباني و غيره، مهما وصل إليه الغربيون من تكنولوجيا و إبهار، فلا شيء يهزم الأعمال الصادقة الإبداعية، تصاميم الفوتوشوب ليست بأجمل من اللوحات الزيتية، و مؤلفات الأدب ليست بأجود من شعر العرب
و ألعاب الفيديو بنكهتها الأصيلة .. يابانية !