شر من أعلى و شر من أسفل
الجزء الرابع : المؤسس
و أخيرا , ها أنا أرى المؤسس , إني أراه ! لكنه ليس كما كنت أتخيله بتاتا , إنه يبدو كأي رجل فلا شيء ملفت للنظر , إنه عجوز ذو رأس صغير قليل الشعر و ظهر محدودب مثله مثل غيره من العجائز , لكن غرفته ملفتة للنظر بشاشاتها الكثيرة و سماعاتها و ميكروفوناتها , و آلييها المتسمرين أمامها لمراقبة ما نفعله . يا لهم من ملاعين , و يا له من رجل مجنون , لماذا هذا كله ؟ و لماذا كل هذا العناء ؟ لماذا تزعج نفسك بذلك ؟
إن المؤسس يحدق الآن في القلب الكبير باشمئزاز كما لو كان ينظر إلى حشرة مقززة , أما قاتلي ففي عالم آخر , أشك أنه يشعر بما حوله .
لقد بدأ المؤسس أخيرا بالكلام بعد صمته المخيف قائلا بكل ثقة و هدوء (( لقد كنت ميتا فأحييتك , ثم جلبتك إلى هنا , حيث لا مال يسود قلوبكم , و حيث الفتيات الحسان حولكم من كل حدب و صوب , و لم أطلب منكم إلا اتقان العمل و ترك الخطيئة , أحسنت معاملتكم بينما ظن الجميع بكم سوءا حتى أهلكم , فلما تعصيني ؟! لما عصيت ربك ؟!! هل هذا جزائي أني كرمتكم و لم أمتهنكم ؟ هل هذا جزائي أن لم أحط من كرامتكم و قدركم بطلب السجود لي و الانحناء ؟ إني حتى لم أقل لكم اعبدوني .
لماذا تعصي إلهك العظيم ؟! ألست من لو شاء لجعل هذه الأرض مقبرة لأهلها أجمعين ؟ ألست ذو عذاب شديد و نعيم عظيم ؟ ألست من لو أردت إنزال المطر أنزلته فأنبت به نباتا و أشجارا مختلفة من كل الأنواع ؟ ألست من أحياكم ؟ ألست أعظم من أبصرتم على هذه الأرض ؟ ألست من لا تخفى عليه خافية مما تعملون ؟ ألست من أوجد تلك الجنة الغناء في الأسفل ؟ فلما تعصيني ؟ لما تعصي إلهك العظيم ؟ ما الذي فعلته لك لأستحق منك هذا الجحود ؟ هل هذا جزاء تواضعي لكم لأبعد الحدود ؟ و جزاء عدم تكبري و تبحي و تعالي عليكم بخلاف تلك الآلهة المتكبرة ؟ اذهب فعليك لعنتي , إلى عقابك غير المردود أيها المذنب))
اللعنة إن هذا الرجل لمجنون , أنا ربك ؟! ما هذا الذي يقوله ؟! لو كنت أعلم هذا لوددت الانتحار على أن أمكث يوما هنا , صحيح أني مجرم , لكن لا أتخطى مثل هذه الحدود الحمراء , من يملك الجرأة على ذلك أصلا ؟! إنه يتعدى حدود الربوبية , يجب أن أترك هذا المكان الدنس فيكفي لروحي دنسها و دنس جرائمي , سأرحل دون رجعة .
انتظروا , إن المؤسس يتمتم مع نفسه بكلام عن الرجل ذي القناع , يبدو أنه لم يعرفه بعد , إن هذا لأمر عجاب أليس من المفترض لكاميراته اللعينة أن تلتقط صورته و هو يرتدي قناعه أو حتى و هو ينزعه ؟! أم ... أم ... أم هل يكون هنالك من استطاع الإفلات من سطوة هذا المعتوه و سطوة كاميراته ؟
بعد عدة أيام :
لم أغادر المدينة بعد فالفضول يقتلني لمعرفة الرجل ذي القناع , أو بشكل أدق من جعل الرب المزعوم يخرج عن هدوئه , فهو يوميا يتوعد أهل المدينة بأصناف العذاب ما لم يكشفوا له حقيقة المقنع , لكن لا أحد يبالي لأنه و بمنتهى البساطة لا أحد يعرف حقيقته , فإذا عجزت الكاميرات عن ذلك فكيف سيفعلون ؟! حقيقة إني أرى في المقنع بطلي , إنه من جعل المؤسس يخرج عن هدوئه .
بعد أسبوع :
لقد فقد المؤسس عقله , حيث توعد بالأمس أنه سيدمر المدينة بأكملها إن لم يتم الكشف عن ماهية المقنع خلال ثمان و أربعين ساعة , و لكن الأخير على ما أعتقد لا يبالي بذلك فحسب رواية البعض هنا يقال أن المقنع عاود الظهور من جديد لكنه هذه المرة بدون قناع , فالعمال يتحدثون عن أن الدخان الذي يلوح في الأفق من فعله , يبدو أنه عاد لصنعته من جديد , عموما يستحق المؤسس أعظم من ذلك , لا أدري لماذا أمهله الله كل هذا الوقت و لم يأخذه بعذابه .
ها قد وصلت مكان الحادث , لكني لا أرى صديقنا المقنع الذي جعل المؤسس أضحوكة , و أرى عوضا من ذلك عددا ضخما من الآليين , هل نجح في الهرب مرة أخرى ؟!
لا إنهم يلقون القبض على أحد العمال , و إني لا أظنه المقنع .
نعم إنه المقنع فالعمال يتكلمون عن ذلك .
ما هذا ؟! إنه المحبوب !
لماذا يقدم على ذلك ؟ لقد كان رجلا مختلفا عنا نحن الحثالة , إنه رجل مسالم و محبوب و الجميع هنا يقدره و يحبه , لقد أسرنا بدينه و حسن خلقه , لا أدري لماذا يحكم على مثله بالإعدام أو السجن مدى الحياة , و لا أدري لماذا يفعل مثله مثل هذه الأعمال .
بعد عدة دقائق :
يبدو أن المؤسس غاضب لأبعد حد من المحبوب , فهو لم يمهله بعض الوقت قبل أن يرسل رجاله ليقتادوه , عموما ها هو المصعد يوشك أن يصل إلى آخر مطافه , و المسكين تتمسك عيناه بالنظرات اللامبالية , إن نظراته لتذكرني بالقلب الكبير , مسكين لا يدري ماذا ينتظره وراء باب المصعد الذي توقف .
ها هو الباب يفتح , و ها هي الروائح و الصرخات غزت مصعدنا .
إنه يغلق عينيه كما لو كان يعرف بشاعة ما يمكن أن يراه بعد قليل , يظن أنه سينجو بذلك من هول هذه الجحيم ! مسكين يا أيها المحبوب لم تكن تستحق هذا .
لقد دخلوا الساحة الكبيرة و ما زال المحبوب محافظا على تماسكه رغم هول الموقف !
ما الذي يفعله ؟! إنه يفتح سحاب بنطاله , إنه يتبول ! أرجوك توقف عن هذا يكفيك عذاب ما فعلته في الأسفل .
إنه يرفع يديه عاليا في السماء صارخا ((اللهم تبت قدماي , اللهم ثبت قدماي , اللهم نجني منه , اللهم نجني منه))
((أتدعو الرب لينجيك من نفسه)) من هذا الذي يقول هذا ؟
إنه ذلك المسجون الذي تأكل الفئران قدميه , لقد لفت كلامه انتباه محبوب فهو يحاول أن يعتمد على سمعه لمعرفة مكانه .
((إن عذابه لأليم شديد, ليته يغفر لي و يرجعني إلى الأسفل فلا أعصي له أمرا)) قالها المسجون و هو يبكي و يرتجف .
وجه محبوب وجهه لجهة الصوت , ثم قال بثقة متناهية ((إن كان هذا الرب . فسأجعل الرب يبكي)) قال هذه الكلمات ثم عاد إلى دعائه الله بالثبات و النجاة .
لقد نجح في تجاوز الساحة دون أن يهرع كما هرع القلب الكبير . إني الآن مهتم جدا برؤية ما سيفعله مع المؤسس فهو ليس كالآخرين .
انتهى الجزء الرابع بحمد الله
بعد قليل في الجزء الخامس و الأخير إن شاء الله : راح نكمل القصة و نتعرف على تفاصيل مقابلة المؤسس للمحبوب .. و راح نتعرف على نهاية القصة و مصير كل من المدينة و المؤسس و المحبوب و العمال ...