hits counter

رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع ((تصوير للشعب الفلسطيني))

The Shark

True Gamer
رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع

بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أي شيء شكرا لكل من دعم قصتي ((شر من أعلى و شر من أسفل)) , و أما الآن فأنا أقدم لكم قصتي ((رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع )) التي انكببت على كتابتها منذ الانتهاء مباشرة من قصتي السابقة أي منذ شهر و نصف تقريبا , و أرى في هذه القصة نضجا و اتزانا كانت تفتقده قصصي السابقة , و هي قصة تصور الحياة داخل المجتمع الفلسطيني الذي أنتمي إليه و الذي عشت فيه فترة من عمري .

تتحدث القصة عن عبدالرحمن مواطن فلسطيني انطوائي يقرر كسر عزلته بتنظيم رحلة عائلية إلى شاطئ البحر في منتصف الأسبوع , فيرى خلال رحلته لتنسيق الرحلة المجتمع الفلسطيني كما لم يراه من قبل , في قصة تتمحور حول بناء شخصية البطل و فكره بناء على عدة مواقف تحصل له كما في الفيلم الشهير Taxi Driver .

القصة مكونة من تسعة فصول متماثلة الطول و هي :
الفصل الأول : عندما تقدم على اكتشاف المجهول توقع تغير حياتك للأبد
الفصل الثاني : إن الكذب أكثر ما أنت سامع
الفصل الثالث : قد يجعل الموت من عديم القيمة بطلا
الفصل الرابع : لا تحقرن الآخرين فما أنت إلا نسخة منهم
الفصل الخامس : لا وطن للرذيلة و لا زمان لها
الفصل السادس : الحيوان يؤكل أما الإنسان فلا يؤكل
الفصل السابع : يمكن للسعادة أن تجد طريقها في أحنك الظروف
الفصل الثامن : الجمال الفلسطيني ليس كمثله جمال
الفصل التاسع : انقطاع الأمل ايجاز للمأساة

أتمنى أن يعجبكم العمل , و أتمنى أن تتحملوا سكون الفصل الأول فما هو إلا تعريف بمحيط القصة , و إن شاء الله يوفقني الله لإتمام العمل الجديد الذي أعمل عليه حاليا , و المسمى مبدأيا باسم ((هينجتون))

رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل الأول : عندما تقدم على اكتشاف المجهول توقع تغير حياتك للأبد

لكل مجتمع ما يبحث عنه , مجتمعات تبحث عن الاستقرار الاجتماعي , و أخرى تبحث عن الاستقرار الاقتصادي , بعضها تشكل قضايا مثل توفير الرعاية الصحية للحيوانات المنزلية و كيفية إقناع الأزواج بأن ينجبوا عددا أكبر من الأبناء أكبر همومها , و بعضها تشكل قضايا الجريمة و الفقر و المجاعة و الاضطراب السياسي أكبر همومها , لكن عندما يكون هنالك مجتمع يغرق في كم هائل من المشاكل و يتناسى هذا كله , ثم يطلب العون من الله في الدعاء فلابد أنه يمزح . لا أريد أن أكون خطيبا يخطب بكم , بل أريد أن أقص عليكم جزءا من قصة حياتي التي جعلتني أصل إلى هذه القناعة .

أنا عبد الرحمن , أو كما يناديني الجميع هنا عبد بكسر العين , أبلغ من العمر سبعة و عشرين عاما , أسكن مدينة رفح الفلسطينة الواقعة أقصى جنوب قطاع غزة على الحدود المصرية الفلسطينية , أعمل محاسبا لدى أحد البنوك هنا , متزوج و لدي طفل واحد سميته سعد على اسم والدي رحمة الله عليه , بداية قصتي أو حياتي كما أحب أن أصفها كانت قبل ثلاث سنوات , أي قبل حصار غزة , و بالتحديد في أواسط شهر أبريل في ذلك العام , و أنا في أسوء حالاتي الإجتماعية , فقد كنت وقتها منغمسا في وظيفتي لأبعد حد , فلا أترك صغيرة و لا كبيرة في الحسابات إلا و دققت فيها , و بعيدا عن العمل كنت أقضي معظم باقي اليوم أمام شاشة الحاسب أمارس هوايتي المفضلة منذ أيام مقهى الجامعة اللعب بألعاب الشبكة الجماعية , أو منعزلا مع زوجتي رنده في حجرتنا التي تمثل إحدى حجرات بيت العائلة , فنحن في ذلك كما معظم الأزواج هنا لا نغادر بيت الأسرة .

لقد كنت منعزلا لأبعد حد في عالمي الذي بنيته , فلا أزور أحد , و لا أعود مريضا , و لا أحضر أي عزاء إلا فيما ندر , و نفس الأمر ينطبق على الأعراس , و أما الحفلات فلا أقدم على حضورها إلا بعد أن أفكر في ذلك مليا , لقد كنت متقوقعا لدرجة منفرة في مجتمع كمجتمعي يعتمد على العلاقات الاجتماعية بشكل كبير , فالغالبية هنا يعرفون بعضهم البعض , و إن لم يكن أحدهم يعرفك شخصيا فإنه لا بد أنه يعرف أحد أقاربك .
و نتيجة لزهدي في العلاقات الاجتماعيبة أضحيت نكرة حتى في بيتي , فلا أحد كان يحترمني أو يقدرني حتى أخي الأصغر حسان , بل حتى أمي فهي رغم أنها تحبني حبا جما لصفاء قلبي من الضغائن اتجاه أهلي و جيراني و زملائي إلا أنها لا ترى في الابن الذي تفتخر به وسط الناس , و لم يكن أحد في هذا البيت يأخذ رأيي في أي أمر من أموره حتى .

و لم تقتصر توابع هذا الزهد على هذا الحد , بل امتدت إلى أبعد من هذا , فأنا بفضل ذلك كنت على عداء مع أخواتي اللواتي فسرن عدم زيارتهن و زيارة أزواجهن تفسيرا بعيدا عن الصحة مما حذا بهن إلى كرهي و نبذي رغم أني لم أكن أحمل ذرة كره لهن , فيمكنكم القول بأن علاقة العداء هذه من طرف واحد فليس الحب فقط ما يمكن أن يكون من طرف واحد .
و أما زوجتي فرغم أنها سعيدة بالحياة معي إلا أنها منزعجة من عزلتي التي كثيرا ما وضعتها في مواقف محرجة و خصوصا أنها كمعظم النساء هنا تملك روحا اجتماعية عالية .

المهم في هذا الأمر كله أني في وسط أبريل ذلك قررت أن أكسر قيود عزلتي , و أن أنطلق في حياة جديدة بتشكيلها على الوجه الذي يريدونه مني , و لكن لم أجد طريقة مناسبة لذلك , فتغيير طباعي و طريقة تعاملي معهم قد يفسرها البعض على أنها نفاق , و قد يحدث الأمر بشكل لا يلحظونه , و ربما سأجد رفضا منهم لو أقدمت على التدخل في أمور لم أتدخل فيها مسبقا , فلذلك فكرت في شيء مميز يمكنه تحقيق مرادي كتنظيم حفلة أو ما شابه أحسن بها علاقاتي معهم , و بعد تفكير طويل استغرق عدة أيام - ثلاثة أيام إن لم تخني الذاكرة - قررت تنظيم رحلة إلى الشاطئ , و لأني أردتها رحلة مميزة قررت أن تكون الرحلة في منتصف الأسبوع .

توجهت فورا نحو والدتي و طرحت عليها فكرتي و أنا أتوقع ردها المؤيد لي , فلطالما أبدت انزعاجها من ازدحام الشواطئ أيام العطل , و لكنها استغربت فكرتي و استصعبت تنفيذها , فما كان مني إلا أن دققت على صدري بثقة قائلا ((سترين ماذا سيفعل ابنك))
ثم قمت بزيارة كل واحدة من أخواتي الثلاث اللواتي فرحن بزيارتي لأبعد حد , لدرجة أنستهن كل ما كن يكننه في صدورهن نحوي , فعرضت عليهن فكرتي فأيدنها خصوصا أنهن لا يرتبطن بأي وظائف , أما أزواجهن فأبدوا بعض التحفظ على الفكرة , كما أظهر بعضهم رفضه المطلق لترك أعمالهم , لكنهم في نفس الوقت لم يمانعوا خروج زوجاتهم و أولادهم المرتبطين بالمدرسة معنا في الرحلة .
عدت آخر ذلك اليوم بعد زياراتي الثلاث راضيا عن نفسي لأبعد حد , فلقد شعرت أني رجل آخر غير ذلك الرجل الذي أعرفه , و أذكر أني نمت يومها مبكرا استعدادا لرحلة التنسيق لأمور الرحلة التي أمست بين عشية و ضحاها أهم قضية في حياتي اليومية .
 
التعديل الأخير:
بداية جيدة اخوي ايهاب .. وتحول ممتاز من نوعية الرواية الاولى وهذي !

انتظر الجزء الثاني!
 
شكرا لكل من دعم القصة بقراءة فصلها الأول أو بالرد , و عذرا على التأخير في طرح الفصل الثاني , المهم أتمنى منكم إبداء آرائكم , لا أريد منكم المديح و الثناء بتاتا بل أريد منكم اقتناص العيوب و التقويم و إبداء بعض الطرق لجعل القصة أو الفكرة أفضل .

ملخص الفصل الأول : عبدالرحمن مواطن فلسطيني يعمل محاسبا في بنك بمدينة رفح يقرر كسر قيود عزلته و انطوائيته , فيقدم على تنظيم رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع , فيبدأ التنظيم لتلك الرحلة بزيارة أخواته الثلاث و إخبارهم بشأن الرحلة فأعجبوا بالفكرة و أيدوه رغم رفض أزواجهم .

رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل الثاني : إن الكذب أكثر ما أنت سامع مقولة لعبدالله ابن المقفع

اليوم التالي كان يوم الخميس , استيقظت مبكرا على خلاف عادتي أيام الإجازة , و توجهت إلى السوق دون أن أتناول الإفطار حتى , توجهت إلى هنالك لأبحث عن بعض الأشياء التي قد تفيدنا في رحلتنا , مجموعة من الكرات و البلالين و حصيرة و أدوات شواء السمك هي أهم ما خرجت به من تلك الزيارة , و لفت انتباهي حوض بلاستيكي ظننته قاربا , لقد نال اعجابي مما جعلني عازما على العودة ليلا لشرائه فنقودي وقتها لم تكن نكفي لذلك .

عندما عدت إلى المنزل دخلت خلسة من باب الضيوف مخفيا جميع ما اشتريته , فلقد أردت أن تكون هذه الأشياء مفاجأة للصغار كما الرحلة , فهم لا يملكون أي علم مسبق بها .
في الليل توجهت إلى السوق , فاشتريت الحوض القارب ثم ذهبت لشراء أفخر عشاء يمكن أن يأكله أحد في هذه المدينة الفول و الفلاف و ((المسبحة)) و هي عبارة عن طبق الحمص المعتاد تتوسطه حبات الحمص غير المطحونة , المهم في الأمر أني طلبت طلبي من المطعم ثم توجهت إلى الرصيف أمامه منتظرا تجهيزه , فالطلب على المطعم عظيم كما لو كان المطعم الوحيد في رفح .

وقفت على الرصيف متأملا المارة لعل عجلة الوقت تدور بسرعة أكبر فرأيت أبشع موقف يمكن للمرء أن يراه , رأيت ثلاثة شبان يمسك أحدهم بعود خشبي و يغرزه في مؤخرة حمار ربطه صاحبه بأحد أعمدة الإنارة متفننا في ذلك و في إيذاء الحمار بينما خرجت أرواحهم من أجسادهم من كثرة الضحك على ردود فعله , و لكن ليست هذه بشاعة الموقف التي أعنيها .
ما هي إلا لحظات حتى جاء صاحب الحمار و رأى ما يفعلونه بحماره فثارت ثائرته عليهم كما لو هتكوا عرضه , فوثب على صاحب العود ثم لكمه عدة مرات على وجهه فما كان من الشابين الآخرين إلا أن هبوا لانقاذ صديقهم , و ما أن خلصوه انقض ثلاثتهم على صاحب الحمار الذي أوشك على الموت تحت أيديهم لولا تدخل بعض المارة .

كانت مشاجرة عظيمة جدا فالجميع هنا تجمهر لرؤيتها حتى أصحاب المحلات و عمال المطعم , الجميع الجميع تجمهروا , و لكني لم أصل لبشاعة بالموقف بعد فبعد أن تم فض النزاع وقف كلا الطرفين بعيدا عن الآخر , و كان كلاهما محاطا بمجموعة من الناس أحب تسميتهم بالمشجعين , بعضهم كان يشجع على الأخذ بالثأر , و بعضهم كان يدعو إلى الصلح و كسر الشر كما يقولون , لكن يبدو أن القسم الأول وجد قبولا لدى كلا الطرفين اللذان اتصلا ببعض أقاربهم و أصدقائهم طلبا
للمساندة .

في ذلك الوقت شعرت أن الموقف فعلا خطير , فقررت الاتصال بالشرطة , فاستللت هاتفي المحمول ثم أخذت أدق عليهم المرة تلو الأخرى لكن لا أحد يرد , فاقتربت من أحد المتجمهرين و اقترحت عليه التوجه لمركز الشرطة القريب لاخبارهم عن ذلك , فسخر مني قائلا : ((هل تمزح أم ماذا ؟! لا تقل لي أنك تعني ما تقوله))
فاستغربت منه , ثم حاولت أن أفهم منه سبب قوله ذلك , فرد ساخرا من حالنا ((إنهم الآن يلعبون الشطرنج في المركز , ألا تعرف أن وظيفتهم الوحيدة هنا هي تنظيم الحركة وقت سوق السبت؟!))
سحبت نفسي مبتعدا عن صديقي هذا و أنا أشعر بالخجل الشديد من نفسي , يبدو أني لم أكن أعيش معهم في دنياهم .

أخذت أنظر ورائي أرى ما الذي حل بطلبي فإذا بالمطعم مغلق ! إلتفت حولي مستغربا فأبصرت جميع محال السوق أغلقت ! فتساءلت ما بهم هؤلاء ؟ فجاء الرد سريعا , فما هي إلا لحظات حتى سمعت صوت عيار ناري قادم من الطرف الشرقي للشارع أعقبه صوت عيار آخر قادم من الغرب , لقد أدركت في تلك اللحظة أني واقع في ورطة , فأنا الآن عالق في وسط اشتباك ناري !
التفتت حولي بحثا عن مكان ألجأ إليه أو أي وسيلة للفرار , فما كان مني إلا أن أطلقت ساقي للريح فارا عبر أحد الأزقة الضيقة العفنة .

عدت إلى البيت بعد ذلك فوجدت أهلي جلسين في حلقة دائرية و قد بسطوا فراش الطعام و أعدوا الشاي و جهزوا الخبز و الزيتون و زيت الزيتون , فهممت بكل حماسة أن أروي لهم قصتي لكنهم قاطعوني بسؤالهم عن العشاء , فارتبكت قليلا ثم قصصت عليهم ما حدث لي , فأبدوا بعض التشوق لسماع ذلك لكنهم لم يتأثروا بالموقف كما حصل لي , لقد بدوا كما لو مروا بمثل هذه التجربة مسبقا , و الأهم أن تأثرهم بعدم جلبي للعشاء كان أعظم من تأثرهم بما حدث أمامي .
نمت في ذلك اليوم و أنا منصعق مما رأيته , و الأهم من ذلك أني نمت رغم هول ما رأيته و أنا أشعر بأني أملك مغامرتي الخاصة و تجربتي الفريدة.

في اليوم التالي أيقظتني أمي باكرا رغبة منها في سماع قصتي , فقد كانت نائمة عندما عدت ليلا , فلما قصصتها عليها نظرت إلي كما لو كنت بطلا مما رفع معنوياتي عاليا و أشعرني بعظمة مغامرتي رغم أن قمة ما فعلته هو اطلاق العنان لساقي كي يبدعا في الهروب .
حاولت النوم بعد ذلك لكن حماستي و أنا أروي المغامرة لوالدتي جعلت النوم يغادر جفوني , فتوجهت إلى مجلس أخي الأكبر عبد الله أتسامر معه و أستمع إلى المذياع الذي يحتل مكانة مرموقة في البيت الفلسطيني على خلاف معظم دول العالم , فالمذياع يزخر بالمحطات الإذاعية التي تمثل الفصائل المختلفة , كما أنها تتميز بسرعة نقل الخبر بأدق تفاصيله , إن جودة و كم الأخبار التي يقدمونها تفوق كبرى المحطات الإخبارية العالمية .

جلست أستمع إلى المذياع و أنا منتش بما حصل لي بالأمس حتى جاء خبر جعل الشاي الذي أشربه يخرج من أنفي و فمي , سمعت خبر مقتل واحد من أعز أصدقائي أيام الدراسة نتيجة للقصف الإسرائيلي الذي استهدف منزل أحد المواطنين , لكن سرعان ما زال عني روع الخبر فما سمعته عقبه كان أبشع , لقد سمعت خبرا يتحدث عن مشاجرة اليوم السابق , و أنه مات فيها عدد من الشبان , لكن الغريب أن هذه المشاجرة التي نشأت من أجل دبر حمار تحولت في المذياع بقدرة قادر إلى معركة فصائلية , و الأسوء أني اكتشفت فيما بعد استغلال بعض منسوبي هذه الفصائل تلك المشاجرة لمصالحهم الشخصية و السياسية .
 
التعديل الأخير:
الفصل الثاني كان جيد لاكن الفصل الاول :yuck:: يلا في انظار بقية القصة:rockon:
شكرا ذا شارك ممكن اسمك :crying:
 
قرأت الجزء الأول من القصة ونسيت أرد وأحط رأيي في الموضوع ( كنت في الجامعة لما قرأتها ) ، عموما بقرأ الجزء الثاني .. أفضل أني ما استعجل في إبداء رأيي .
 
رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل الثالث : قد يجعل الموت من عديم القيمة بطلا

بعد سماع الخبرين اضطررت إلى الغاء جميع مخططات الإعداد للرحلة التي كنت أنوي القيام بها عقب صلاة الجمعة التي أضحت ثقيلة علي بسبب خطبها التي كيفما بدأت سرعان ما تتحول إلى خطبة سياسية بحته بعد أقل من دقيقتين حتى لو بدأت كخطبة عن أحكام الرضاعة و ضوابطها !

بعد الصلاة ركبت مع أحد سائقي سيارات الأجرة قاصدا عزاء صديقي الشهيد فإذا بالسائق يتمتم مع نفسه غاضبا عقب سماع خبر اشتباك الأمس , و كان السائق قد وقع ضحية التضليل الإعلامي لهذه القنوات الإذاعية , فأخذ يتمتم بكلمات ساخطة استغللتها لتخليق حوار معه أعزز به مهاراتي الاجتماعية الضعيفة , فأخبرته بالقصة الحقيقية للاشتباك , فعلق قائلا ((هم هكذا دائما يستغلون أي شيء لمصالحهم , يكفي أنهم يستغلون الشعب الذي يدعون أنهم يدافعون عن قضيته , فأنفاق التهريب تخضع لسلطتهم بينما ندفع لهم ثمن البضائع التي يهربونها إلينا عبرها أضعاف مضاعفة , إني لأبغضهم جميعا , فنحن لم نأخذ منهم سوا الحصار و الفقر و الجوع و تشتت القضية))
اندهشت من كلامه الذي لم يرق لي فأنا أؤمن بأنه لولا الفصائل لضاعت قضيتنا و أصبحنا في طي النسيان , لكني لم أستطع الرد عليه خصوصا و أنه أبدى دراية كبيرة بمستجدات الساحة .

استمر في حديثه عن الفصائل و انتقادها , ثم إلتفت نحوي قائلا ((هل تعرف أن أطفالي كلهم ينتمون إلى هذه الفصائل و هم بهذا العمر ؟!))
استغربت من قوله هذا فكيف يحدث هذا و هو يكرههم لأبعد حد , لكن السائق أردف قائلا ((في كل صيف يشترك أولادي في المخيمات الصيفية التي تقيمها الفصائل موفرة لأطفالنا ما نعجز عن تقديمه لهم من جهة فما يكون منا إلا الرضوخ لرغباتهم في المشاركة فيها كبقية أصدقائهم و إلا فإني لا أوافق على ذهابهم إلى أناس أرى فيهم أعدائي الألداء , و من جهة أخرى يعرفون أطفالنا على الأسلحة ضمن نشاطات هذه المخيمات مستغلين روح و حماسة الصغار و توقهم لحمل السلاح))

استمر السائق في الكلام عن الفصائل , أخذ يقص القصة تلو القصة , و كل قصة تصلح لأن تحول إلى فيلم سينمائي أو رواية مغرقة في الإنسانية , لقد جعلتني قصصه أرى منسوبي الفصائل كأناس مثييرين يكتنفهم الغموض كما لو أنهم مجموعة من عصابات الحي الصيني في أحد الأفلام الأمريكية , استمر في الكلام و أنا أستمع إلى قصصه المثيرة حتى أوقف السيارة قائلا ((لقد وصلنا))
فنظرت إلى وجهه غير مستوعب لما قاله لغرابة ما سمعته منه طوال الطريق , فأعاد ما قاله علي , فنزلت من السيارة و أنا أملك العديد من علامات التعجب و الاستفهام تدور حول رأسي , لقد أدركت فعلا أني لم أكن أعيش معهم .

دخلت العزاء بعد ذلك فانبهرت من صور صديقي المعلقة في كل مكان , لقد كتب على تلك صور عبارات مثل الفصيلة تزف شهيدها المناضل البطل إلى الحور العين , و نحوه من هذه العبارات التي جعلتني أفتخر بأني جلست بجواره يوما ما , و ما زاد افتخاري هو أنه كان يوجد فتى من الفصيلة يمسك بميكروفون متصل بعدة مضخمات للصوت متحدثا عن محاسن الشهيد و بطولاته , و لكن ليس هذا المهم في الأمر , فالمهم أني جلست بجوار رجل عجوز غارق في بحر من الصمت , فأملت رأسي نحوه متوجها إليه بالكلام لعلي أخرج بحوار جديد أعزز به مهاراتي الإجتماعية قائلا ((يبدو أننا خسرنا كثيرا باستشهاده))
فضحك ضحكة ساخرة و هادئة في نفس الوقت ثم قال بصوت رزين ((و هل صدقت أكاذيبهم ؟ إنه زوج ابنتي و لا أحد يعرفه مثلي إنه نكرة لا فائدة ترجى منه بل هو أكثر من نكرة ! إنه عالة على المجتمع))
فبدت معالم الاستغراب على وجهي مما دفع العجوز أن يفسر قائلا ((هل تعرف كيف مات ؟!))

فأجبت بالإجابة المعتادة التي سمعتها من المذياع بأنه مات من جراء القصف الاسرائيلي , فقال ((ليس هذا ما أقصده , هو مات نتيجة القصف لا اختلاف في ذلك , لكن هو من قتل نفسه !!))
فتزاحمت حول رأسي الملايين من علامات التعجب سرعان ما تبددت بعد أن قال العجوز (( فبعد أن قصف اليهود المنزل بأول قذيفة توجه زوج ابنتي الأحمق بحماره إلى مكان الحادث لجمع بعض أسياخ الحديد و قطع الخشب و نحوه من ركام المنزل قبل أن يسبقه أحد آخذا جل الغلة , و لكن اليهود عادوا بعد عدة دقائق قصف الركام بعدة قذائف حتى لايبقوا من المنزل شيئا , فمات الأحمق من أجل حفنة أموال كان سيحصدها من بيع تلك الخردة ))
صمت العجوز للحظات , ثم قال ((لكنه الآن ميت فلا تجوز عليه إلا الرحمة فرحمة الله عليه))

تضاربت مشاعري اتجاه صديقي من جهة و اتجاه الرجل عجوز من جهة أخرى عقب سماع كلامه , لكن أجمل ما في حواري مع العجوز ترحمه على زوج ابنته بعد شلالات الذم التي تفوه بها , إنه من مجموعة الغرباء الذين تعرفت عليهم في العزاء .
بعد انتهاء حواري مع العجوز حصل ما جعل عقلي ينفجر فما أن انتهى التسجيل من قراءة سورة يس و الفجر حتى قاموا بتشغيل أغاني الفصيلة , الأغنية تلو الأخرى و ما أن تنتهي حتى يعيدونها من أولها تارة أخرى , يبدو أنها تنفع الميت في قبره .

و بعد مرور بضع دقائق و الوضع في هذا العزاء يزداد رتابة و لا أحد يرغب في مغادرة العزاء , و لم أكن في نفس الوقت أرغب في أن أكون أول المغادرين , فأخذت ألتفت حولي أراقب الحضور لأنتبه لما لم أنتبه له أثناء دخولي العزاء و أثناء حواري مع العجوز , فالبعض يجلس على الكراسي دون أي احترام للعزاء كما لو كان في مقهى , الجميع يتسامر مع من حوله , البعض منهم يضحك , و البعض يتكلم بصوت مرتفع نسبيا , يبدو أنه لا أحد حزين على موته إلا أقرب أقرب أقربائه , مرت الدقائق و أنا أدرك مع كل دقيقة أن العزاء تغير منذ آخر عزاء زرته .

بعد قرابة الساعة جاء أحد من أهل الميت و طلب منا أن نذهب لغسل أيدينا استعداد لتناول الغداء على روحه فوثب الجميع كما لو كانوا عدائيين ينتظرون لحظة الانطلاق , و على الغداء لكم أن تتخيلوا حجم المعلومات التي سمعتها من زملائي في تناول الطعام و التي شملت كل مجالات الحياة حسنها و سيئها دون أدنى احترام للعزاء , و ما هي إلا لقيمات تناولتها حتى أصابني التقزز من الطعام , لقد شعرت أني أأكل لحم الميت أو الفطيس بمعنى أدق , فبعد ما شاهدته في العزاء أدركت أنه مات هباء , فلا أحد يدعو له , بترحم عليه , يفكر فيه .
في النهاية و بعد تناول الطعام صعقت لأن جميع الحضور تبخروا فلم يبقى منهم أحد , فكنت آخر المغادرين على الإطلاق .
 
التعديل الأخير:
او مرة اعرف انه اصلك فلسطيني.. طول الوقت كنت متوقعك سعودي

على العموم اقول لك اني متابع للقصة.. كنت ناوي انتظرك تحط جميع الفصول عشان اكون قريتها كلها وبعدها ارد واعطيك رأيي مرة واحدة, بس مع انخفاض الردود حبيت ابلغك بحيث ازيد حماسك شوي عشان لا توقف

بإنتظار الفصل الرابع, وبالتوفيق
 
هذي الأشياء من جد ولا تأليف o.o ؟

للأسف كل هالأمور واقعية و تصير و بشكل كبير لكن الفرق إني في القصة عممت هاذي الأعمال على كل الشعب دون استثناء ...
 
التعديل الأخير:
كنت متوقع القصة شيء مختلف ، ما تمنيت توصل لهذا الحد : ( .

منتظر المزيد .. شخصيا ما عندي تعليقات أقولها حول القصة حاليا ، اتمنى تكمل الباقي قريبا .
 
ما أدري و الله , يمكن من الوضع اللي يعيشوه , يمكن بسبب اختلافات الفصائل اللي تحاول تستقطب الشباب بأي طريقة تتخيلها , يمكن ضعف التربية , بس لا تنسى الفئة اللي أتكلم عليها في القصة جزء من الشعب و ليس كل الشعب ...

كنت متوقع القصة شيء مختلف ، ما تمنيت توصل لهذا الحد : ( .

منتظر المزيد .. شخصيا ما عندي تعليقات أقولها حول القصة حاليا ، اتمنى تكمل الباقي قريبا .

كيف كنت متوقعها ؟؟ خلنا نستفيد من فكرتك ...
و بخصوص رأيك فأتمنى بس تقول لي رأيك في طريقة بناء الجمل و التعبير , كم تقيمها بأمانة ؟ (السؤال بعد لسوبر سونيك)
 
ما أدري و الله , يمكن من الوضع اللي يعيشوه , يمكن بسبب اختلافات الفصائل اللي تحاول تستقطب الشباب بأي طريقة تتخيلها , يمكن ضعف التربية , بس لا تنسى الفئة اللي أتكلم عليها في القصة جزء من الشعب و ليس كل الشعب ...



كيف كنت متوقعها ؟؟ خلنا نستفيد من فكرتك ...
و بخصوص رأيك فأتمنى بس تقول لي رأيك في طريقة بناء الجمل و التعبير , كم تقيمها بأمانة ؟ (السؤال بعد لسوبر سونيك)
وأنا:crying:
 
كيف كنت متوقعها ؟؟ خلنا نستفيد من فكرتك ...
و بخصوص رأيك فأتمنى بس تقول لي رأيك في طريقة بناء الجمل و التعبير , كم تقيمها بأمانة ؟ (السؤال بعد لسوبر سونيك)
ما كنت متوقع شيء مأساوي أو مؤلم ، توقعتك تتكلم عن جانب أكثر أمانا .. مادري كيف أشرح لك .

قبل لا أتكلم عن صياغة الجمل ، الكلمات المنتقاة دائما تعجبني + خلو كتابتك من الأخطاء الإملائية بشكل تام .. اعتقد أنك تحرر الشيء قبل عرضه ؟

بالنسبة لصياغة الجمل ، يعجبني التركيز على أدق التفاصيل وما أحب يوصل هذا الشيء لحد التكلف ( ولحسن الحظ أنه ما وصل ) لأنك ما تنتهي من وصف شيء إلا وأنت قافز على الجزء الذي يليه مباشرة من دون تضييع القارئ أو تشتيت الفكرة ، ببساطة الوصف التفصيلي كان ممتاز .. ما هو ناقص لدرجة أنك تتمنى وجود كلمتين زيادة أو أكثر ، ولا هو زائد للحد الذي يشتت القارئ ويبعده عن الفكرة ربما .

كم أعطيها ؟ مادري والله ، أنا لا أنا ناقد ولا كاتب ولا أديب .. ولكن بالنسبة للقصص السابقة ، الربط بين الجمل هنا أوضح وأفضل وأقرب إلى ذهن القارئ .

أما القصة نفسها ، فطريقة الصياغة هي اللي توصلها بشكل جيد .. وطريقة الصياغة تكلمت عنها فوق ، ولكن رأيي في القصة بشكل عام ؟ هنا أقدر أقول بانتظار فصل أو أكثر أو حتى النهاية علشان أحكم على مدى جودتها .
 
الفصل الأول حلو !

الفصل الثاني اشوفه مُمتاز , مُتابع وانتضر الفصول المُتبقيه .

بس فعلا ً فاجأني ما حصل في العزاء .
 
حبيت هذى القصه أكثر من الأولى

ومنتظر .. التكمله .... بس حبيت استفسر عن شغله ....

في بعض الاحيان ... وأنا اقرأ ... اضحك !! ... يعني هل انت متعمد تضيف روح المرح والمواقف المضحه بين سطور القصه !! .. ولا أنا يتهيأ لي ؟؟

لأني حبيت هالشي
 
شخصيا، أحب الأسلوب البسيط اللي أفهمه. وهذا اللي صاير معاك. ما أحب اللي يحوالوا يجيبوا كلمات مدري من وين طالعة. والحمد لله كلامك بالنسبة لي عادي مفهوم ومعطيني جوي. كيف ممكن تتحسن؟ ما عندي أي فكرة <.<
 
شكرا سونيك و زيرو على آرائكم ...

حبيت هذى القصه أكثر من الأولى

ومنتظر .. التكمله .... بس حبيت استفسر عن شغله ....

في بعض الاحيان ... وأنا اقرأ ... اضحك !! ... يعني هل انت متعمد تضيف روح المرح والمواقف المضحه بين سطور القصه !! .. ولا أنا يتهيأ لي ؟؟

لأني حبيت هالشي

نوع القصة كوميديا سوداء ... فهذا الشيء متعمد لكني ما حبيت أزود جرعة الكوميديا في القصة تجنبا لجعل القصة تاخذ اتجاه ثاني مختلف عن اللي أريده ... و كمان العمل الكوميدي الواقعي البسيط أرقى من العمل الكوميدي جدا ...

ملاحظة : معلش الفصل الرابع ممكن يتأخر لأن عندي امتحان بعد بكرة لكن بحاول ان شاء الله ادبر وقت انسخه من الورق للكومبيوتر ...
 

رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل الرابع : لا تحقرن الآخرين فما أنت إلا نسخة منهم
في اليوم التالي توجهت قاصدا عملي و أنا أفكر فيما سأقوله لزميلي لاقناعه بالقيام بمهامي يوم الرحلة , كنت أفكر و أفكر , و أتفنن في انتقاء عباراتي , تلك العبارات التي ستجعله عاجزا عن رد طلبي , و لكن و للأسف الشديد ذهب تعبي سدى , فالواقع أقوى من عباراتي , حقيقة أبدى زميلي رغبة بالتكفل بمهامي و التستر على عدم حضوري لكنه اعتبر هذا مجازفة خطرة , فمدير البنك لو علم بذلك لعاقبنا نحن الإثنين عقابا يفوق جرمنا بأضعاف مضاعفة , فاستغربت وقتها من ذلك , و بدأت أذكره بغيابات زملائنا الآخرين دون أدنى مساءلة , فرد ساخرا بأن جميع الأسماء التي ذكرتها له ما هم إلا أقارب و معارف المدير و أنه هو من وظفهم في البنك .

لكن لم تنتهي قصتي عند هذا الحد فقد أشار علي أن أتوجه إلى المدير و أطلب ذلك منه شخصيا في محاولة يائسة للحصول على إجازة منتصف الأسبوع , و لكن المتوقع حدث , رفض المدير طلبي خاصة بعدما علم أني أنوي الغياب من أجل رحلة إلى الشاطئ , و صرخ في وجهي مما جعلني أشعر بأني مجرد حشرة حقيرة لا ضر لها و لا نفع .
خرجت من غرفته و أنا أشعر بحقد شديد عليه , كيف لا أحقد عليه و هو من دمر مخططي لتحسين علاقاتي مع أهلي , و في آخر النهار عدت إلى بيتي مكتئبا أجر أذيال الخيبة لدرجة أني نمت منذ أن وصلت المنزل .

و في الساعة العاشرة أيقظتني زوجتي بعنف قائلة ((استيقظ إنه مديرك , استيقظ))
فقمت مفزوعا راكضا نحو باب الغرفة دون أن أهندم مظهري و أبدل ملابس النوم , فقالت لي ((ليس في الخارج بل على هاتفك المحمول))
ثم أعطتني الهاتف فرددت و أنا أرتجف رعبا منه , فخاطبني بلهجة غريبة لم أعهدها منه مسبقا , فقد بدى لي كزعيم عصابة محنك حيث قال ((هل تريد إجازة منتصف الأسبوع ؟ سأعطيك إيها على أن تقوم بما آمرك به))
فقلت متلهفا ((أيا كان سأنفذه))
((استمع , لدي قطعة أرض في قرية شمال المدينة , أريدك أن تذهب إليها و تحرك سورها الشرقي شبرين نحو الأرض الشرقية))
تعجبت من طلبه , مما دفعني لأن أستفسر منه إن كانت الأرض الشرقية ملكا له , فنفى ذلك , فازددت تعجبا من هذا الأمر , فمثل هذا الفعل يترتب عليه عقاب كبير في الدنيا و الآخرة , و لا أخفي عليكم أني خفت خوفا شديدا من الإقدام على فعل كهذا فحاولت بشتى الوسائل أن أقنع المدير بأن هذا الشيء لا يجوز , و لكن حجرية عقله أو بالأحرى سواد قلبه أحبطا كل وسائلي لثنيه عن ذلك .

في نهاية الأمر رسى حوارنا على بر موافقتي على المهمة , فلا مجال للرفض هنا , فطلبه أشبه بأمر إلزامي , و ما يؤكد ذلك أنه ما أن صرحت بموافقتي أخبرني بوجود رجل ينتظرني أمام المنزل ليقلني إلى مكان الأرض و يساعدني في المهمة السوداء .
خرجت مع الرجل على الفور , و كنت أقلب الموضوع في رأسي طوالة الطريق , لماذا اختارني المدير لهذه المهمة ؟ لماذا لم يجلب رجلا آخر من العمال ؟ هلى يخاف أن يفضح وسط الناس ؟ هل معظم الناس هنا نزهاء لدرجة أن يخاف أن يبوح لهم بهذا الأمر القبيح ؟ كانت هذه بعضا من الأسئلة التي شغلت عقلي محاولا الإجابة عليها .
ايقنت في تلك اللحظة أني لست إلا أحد النماذج السيئة التي أحتقرها في هذا المجتمع , كنت سيئا بما يكفي ليصطفيني مديري لهذه المهمة دون البقية , لقد بعت كرامتي يوم أقدمت على هذا العمل مقابل راتب أتقاضاه آخر كل شهر .

بعد أن وصلنا إلى الأرض قرابة منتصف الليل توقفت كل الأفكار التي أرهقت عقلي و قلبي , و بدأت و الرجل الذي أقلني عملنا و الذي استمر حتى مطلع الفجر , و كان عملا مرهقا للغاية , مرهقا لبدني و لنفسي , لكن تلك الليلة لم تكن بتلك الليلة العادية , فبينما نحن منغمسان في تغيير حدود الأرض سمعنا صوت مروحية اسرائيلية مزقت سكون الليل , ذلك الليل الذي تحول إلى نهار بعد أن بدأت المروحية بالقصف بضراوة شديدة في اتجاه الغرب حيث يوجد معسكر تدريب لشباب المقاومة حسبما علمت من شريكي الذي أعتبره واحدا من أبغض الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي , حقيقة خفت خوفا شديدا عندما بدأت المروحية في القصف , و لكني لم أخف من ذات القصف بل خفت أن يظنوا أنا نعد لهم شيئا فيباغتونا بإحدى القذائف , فهممت بالمغادرة لكن شريكي منعني بحجة أنه لابد أن نكمل نقل السور كي لا ينفضح أمر المدير المحنك اللعين , الذي استغل تجريف أهل الأرض الشرقية لأشجار الناحية القريبة من أرضه لمصلحته , إنه رجل خبيث جدا .

لقد كنت في تلك اللحظات في أسوء أسوء حالاتي النفسية , فأنا أغير منار الأرض و غيري هناك من الشبان الذين نذروا حياتهم للقضية و الوطن يموتون , كنت أفكر لماذا ماتوا هم و لم أمت أنا ؟
و أثناء طريق العودة التزمت الصمت , و غرقت في المقارنة بيني و بينهم , كيف كنت أسعى لتغيير حدود الأرض بينما هم جعلوا همهم الأول إعادة الحدود إلى ما كانت عليه , و في نهاية الطريق وصلت إلى استنتاج واحد , استنتجت أني لم أكن حين صرخ المدير في وجهي بمكتبه صباح ذلك اليوم المشؤوم حشرة بل أني بعدما فعلت بت حشرة بل دودة طفيلية بل جرثومة , بل لا شيء .
 
التعديل الأخير:
نوع القصة كوميديا سوداء
نوعي المفضل بكل السيناريوهات (ألعاب أفلام روايات). أحسنت الإختيار
icon14.gif


قرات أول ٤ فصول مرة وحدة وبقرأ الباقي بنفس الطريقة. أحب أقرأ كمية كبيرة بدل فصل فصل.

أبدعت إيهاب، عاجبتني حيل ومختلفة بشكل كبير عن اي شي سابق لك.
 
خلي عبدالرحمن لعب شبكات احسن من الهم اللي صار -_-
 
معلش على التأخير لكن الأيام الماضية كنت مشغول + نومي كان متلخبط بشكل غير طبيعي
عموما وصلني بعض النقد على القصة و كان يتكلم ليش التصوير السلبي للمجتمع لهذه الدرجة , فالجواب لأني أحبه , مين شاف فيلم تاكسي درايفر و شاف كيف سكورسيزي في واحد من أوائل أعماله بدأ بالنقذ اللاذع لمدينة نيويورك اللي يحبها و صورها كبؤرة للعهر و جميع أهلها كذلك , و بعد ذلك قدم صورة مغايرة لمدينة نيو يورك في بقية أعماله راح يعرف إني أحبه ...

رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل الخامس : لا وطن للرذيلة و لا زمان لها
نمت يومها لا لأن جسدي منهك من عمل الليل بل لعلي أستطيع الهرب من السيئات التي فعلتها , لكن هروبي لم يدم طويلا فسرعان ما استيقظت , حاولت بكل ما أوتيت من قوة الإفلات من الأفكار و الهواجس المحيطة بعقلي , لكن جميع المحاولات باءت بالفشل , فما وجدت أمامي من مفر إلا الخروج من المنزل الذي ضاق علي رغم اتساعه لعلي أفلت من الدوامة التي أوقعت نفسي وسطها .

خرجت قاصدا السوق بحثا عما قد يفيدنا في رحلتنا التي دفتعني لانتهاك محارم الله , رحلتنا التي دفعتني لفعل أبشع ما يمكن لنفسي الواهية أن تفعله , فأوقفت سيارة أجرة تقل رجلين يقصدان وجهة غير وجهتي , و لما وصلاها نزلا فنزلت وراءهما بتلقائية دون أن أنتبه لنفسي و لما أفعله , كانا يمشيان و أنا أمشي خلفهما , لقد كنت أعاني من غيبوبة خطيئتي , دخلا بين مجموعة من الآراضي الرملية و أشجار الصبار و أنا أتبعهما على غير هدى حتى وقفا أمام بيت صغير بجوار أرض كبيرة تكسوها الخيام التي يسكنها عشرات العائلات , في تلك اللحظة انتبهت إلى نفسي و أني لست في المكان المبتغى , و على الرغم من ذلك لم أفكر في مغادرة المكان على الإطلاق , فأنا في وسط حي رملي مع بيت منعزل وحيد لا أنيس له , و أرض مقفرة ذات خيام يعلو البؤس وجوه أهلها , إنه مكان يكتنفه الغموض لأبعد حد , و يبدو أنه أرض خصبة لاثراء صحيفة تجاربي الإجتماعية , لكني لم أعرف من أين أبدأ و لا كيف أبدأ .

اقتربت من رجلي الأجرة لدرجة أشعرتهما أني معهما و أني أبتغي ما يريدانه أيضا , فسمعت أحدهما يقول لرجل أشعت أغبر ذي بطن منتفخة بجوار البيت الوحيد ((إنها مئة شيكل* و لن ندفع غيرها))
فأبدا الأشعث عدم رضاه من قولهما قائلا ((لقد طرأ الغلاء على كل شيء))
فرد الآخر ((هل هربتها من خلال أحد الأنفاق ؟!))
فأجابه الأشعث ساخرا ((بالطبع لا يا خفيف الظل و لكن ما نقتات عليه يهرب عن طريق الأنفاق))
فاشتد الحوار بينهما , و علا صوتهما و بلغ الأمر حدا لا يستحمله أحد , لدرجة أني توقعت أن يضرب أحدهما الآخر , و لكن تدخل صديق مخاطب الأشعت أنقذ الموقف , حيث فض نزاعهما , و أمسك زمام الأمور بقوله للأشعث ((حسنا سندفع ما تريد))
فأومأ الرجل برأسه مذعنا لما قالوه , ثم نادى أحد الأولاد الصغار الكثر الذين يقطنون البيت الصغير , لا أذكر اسمه حقيقة لكنه زنجي على خلاف بقية الصغار , و لما جاء قال له ((إذهب لأمك و قل لها أن هنالك زبائن))

فركض الزنجي الصغير نحو الخيام فتعقبته من باب الفضول , فإذا بي أرى في هذه الخيام أناس يعيشون حياة قاسية تعجبت لها لكن هذا لم يكن المهم في تلك اللحظة . استمررت في متابعة الفتى على رغم شغفي الشديد للتعرف على أهل الخيام حتى وجد الفتى أمه بعد عناء طويل داخل إحدى الخيم , و كانت أمه امرأة رثة بل قذرة المظهر , ترتدي ثوبا أصفر فاقع اللون لم يعرف درب الغسيل مذ صنع . كانت ذات عجز عظيم و بطن منتفخة بارزة و ثديين مترهلين و شعر طويل جدا لم يمسسه المشط منذ شهور . كانت أمه ملكة الخيمة بلا منازع , فجميع الرجال ملتفون حولها يتسامرون معها , و يقهقهون و تقهقه معهم بعلو صوتها . يلمسونها و يقرصونها من كل مكان من جسدها و يستغلون كل فرصة متاحة لذلك بينما تهتز و تتمايل مع كل قرصة كالكوبرا عندما تترنح لحركات مزمار العازف الهندي , و الأغرب من ذلك كله أنها لم تكن زنجية !! الولد زنجي و كلا الوالدين ليسا كذلك !!

عاد الولد مع أمه بعد أن أخبرها بوجود الزبائن إلى البيت الصغير فعدت معهم لأرى ما سيحدث فإذا بالأشعث يقول لزوجته ((لقد جهزت كل شيء لك يا نواعم و لزبوناك إنهم ينتظرانك بالداخل))
ثبت في تلك اللحظات ساقاي على الأرض , وقفت مشدوها لما أبصرته , شعرت بضيق في صدري كما لو كنت صاعدا أتغلغل في السماء , و شعرت بثقل على عاتقي كما لو كنت أتغلغل في جوف الأرض , شعرت أني عاجزا عن الحركة , فتياة كثر يقتلن هنا ظلما تحت اسم قضايا الشرف رغم طهرهن لاشتباه أنهن مشين مع فلان في اليوم الفلاني للدقيقة الفلانية , أو لأغراض أخرى مثل التخلص منهن , و بين قوسين التخلص من حصتهن في الميراث , و هذه العاهرة تعيث في الأرض الفساد , كنت أتمنى في تلك اللحظة أن أملك مسدسا لأقتلها و زوجها القواد , و رجلا الأجرة و رجال تلك الخيمة , إنهم أقل من ينسبوا إلى فلسطين , إنهم يثقلون كاهل قضيتنا , نحن شعب اصطفاه الله للرباط في الأرض المقدسة نفعل هذه الرذائل و نحن في أسوء ظروفنا .
 
..................................................
لا تعليق ...
 
زعلتني -_-

اكثر من اسبوع منقطع عن النت ..... وتوني يالله قدرت ادخل للمنتدى * ....
وللأمانه .. دخلت له بس علشان اقرأ تكمله القصه واطلع
بالأخير تسوي فيني جذي وما تكمل بقيه القصه >_> ... انت بجذي تزعل المعجبين بقصصك

على كلاً ... ان شاء الله المره الجايه لما ادخل للمنتدى بحصل القصه كامله .. ولا تعيدها مره ثانيه P:

بالنسبه لأخر فصلين .... ما حبيتهم ... لأني حسيتهم بأنهم انجرفوا بعيد عن القصه ... ما ادري ممكن السبب بأني قعدت فتره طويله بعد ما قريت اخر فصل .... يعني ما حسيت بالترابط .... فا حاول تنزل اخر 4 فصول دفعه وحده

وإذا مالك خلق تنسخ الكلام من الورقه للPC ... عندك حلين لا ثالث لهما
يا انك تستخدم السكنر .... يا انك تصور الاوراق ...
وترسلهم لي على الخاص

*
ما ادري .. بس حاسس بأنه في ناس فاضيه .. وراح تتأكد من اخر زياره لي بالمنتدى (( You last visited: 11-30-2008 at 07:50 PM ))
لتوفير العناء لهم ... دخلت للمنتدى من مقر عملي ... بس علشان اسوي search عن موضوع ابيه .. حصلته وطلعت >_>
 
معلش على التأخير شباب , عموما ححاول أنزل باقي القصة خلال الكم الساعة الجايات ..

و لكن لي طلب ... صراحة الوضع في قطاع غزة مأسوي هالأيام فيا ريت في الصلاة أثناء السجود الواحد يدعو لهم بتفريج الكرب عنهم ... الكهرباء عندهم مقطوعة و الأكل شحيح و الحالة سيئة جدا ... فيا رب فرج الكرب عن إخواننا في غزة ...

و عندي تنويه ... القصة نوعها نقد ... و كوني فلسطيني مو معناها أروح أرقع أخطاء بعض عناصر مجتمعي ... لكن البعض فهم إن كل الشعب مثل الصور السلبية اللي قدمتها في القصة و هذا غلط .. هالفئات ما تشكل 5% من الشعب ... لكني صورتهم في القصة غالبية الشعب ... بينما وضعت الصورة التقليدية لغالبية الشعب في صورة عيلة وحده و هي عيلة عبد الرحمن ... و هذا انطلاقا من مبدأ جسده بيكاسو في لوحاته ... فمثلا بيكاسو إذا جاء يصور البطش رسم شخص بيد كبيرة ... و أنا في القصة حبيت أصور مساوئ بعض فئات الشعب فصورتهم كل الشعب تقريبا و هذا خلاف الواقع , و لكن الهدف من هذا إيصال فكرة إنو هالناس عددهم قليل لكنهم ينغصوا حياة الآخرين بشكل مزعج .. يعني لما تكون في عزاء و تشوف البعض قالبها ديوانية و جاي ياكل و يروح فعلا ما راح يبقى في بالك من لحظات العزى غير هالموقف السيء ... و طبعا كل هالشيء ينعكس على قضيتنا السامية ... و مثل ما ربنا حبس الماء عن قوم موسى بسبب فعل رجل واحد منهم .. ربنا ما راح يغير حالنا إلا إذا أوباش مجتمعنا يغيروا حالهم ...

رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل السادس : الحيوان يؤكل أما الإنسان فلا يؤكل
عقب أن فقت من صعقة هول ما رأيته توجهت إلى أهل الخيام لأتعرف عليهم , فتجولت بينهم مقلبا أنظاري بحثا عن أحد أستطيع التكلم معه , فالجميع مجتمعون في جماعات مما يعقد مهمة التقرب من أحدهم لاختلاق حوار معه , و عقب بحث دؤوب وقعت عيناي على رجل منعزل عن أهل الخيام يمسك عصا يحتضنها ببؤس لا متناه و يجلس على حجر كبير بجوار مجموعة من الأغنام , فتوجهت إليه مهرولا , ثم بدأت بتسميع تلك المقدمات الروتينية من السلام و السؤال عن الحال و الصحة و الحديث عن الطقس , لكنه لم يرد علي بل اكتفى بالنظر إلي بشكل متكرر , كنت أشعر أنه يزدرني , و كنت أشعر أن ازدرائه لي يزداد مع كل نظرة يرميني بها , فأوجست خيفة منه , كيف لا أوجس خيفة و أنا أمام رجل صامت يعلو السخط محياه ؟! و لكن و على الرغم من ذلك استمررت في سؤاله السؤال تلو السؤال , من أنتم ؟ لماذا تعيشون هكذا ؟ و غيرها من الأسئلة التي تتمحور حول حياتهم , حتى أني أذكر أني سألته عن تربية الأغنام و تجارتها , لكنه إلتزم بصمته القاتل , فكنت في كثير من الأحيان أسأل السؤال ثم أجيب عليه بنفسي , و أما صديقي راعي الأغنام الساخط فكان يقذفني بين الحين و الآخر بنظرة ساخطة , و في مثل تلك اللحظات و أنا في أشد حالاتي العدائية مع مجتمعي ترجمة تلك النظرات إلى أنه يعتبرني أحد النماذج السيئة المنتمية إلى مجتمعنا التي ذممتها عدة مرات أمامه , و بعدما سئمت من صديقي ذي الحالة الميؤوس منها جاء فتى إليه و بدأ يشيير بيديه , فرد عليه ببضعة اشارات ثم صرخ تلك الصرخة التي مزقت طبلتي , و هشمت عظيمات أذني الوسطى , و فجرت دماغي , صرخ تلك الصرخة التي جعلتني أشعر بأن أحدهم سكب علي دلوا كبيرا من الماء البارد في منتصف أبرد ليلة من ليالي الشتاء الطويلة , إنه أخرس و أصم .

مرت لحظات معدودات دون أن أشعر بعقلي و بدني كما لو كنت غائبا عن الوعي , لكن سرعان ما استدركت الأمر , فتوجهت بسؤال إلى الفتى طمعا في الحصول على إجابات على بعض الأسئلة التي تخشب حلقي و أنا أسألها لصديقي الأبكم , فقلت ((لماذا تعيشون هكذا في الخيام في أوضاع مزرية ؟))
فنظر الفتى نحوي باستغراب مما جعلني أشعر بأني أبله , فقد دخلت عليه بأسلوب غوغائي مقاطعا عملية تبادل الإشارات و التخاطب التي يديرها بنجاح مع راعي الأغنام , و الأسوء أني دخلت بسؤالي هذا إلى أعمق نقطة من صلب الموضوع الذي أبتغيه بدون مقدمات , تلك المقدمات التي أمضيت دقائق عدة في تلاوتها بدون أن أجد أقل إجابة , و لكن الفتى و رغم منظري المضحك أجابني بحماسة بعدما استوعب الموقف الذي وضعته فيه ((لا , نحن لا نعيش هنا , نحن نملك بيوتا في قريتنا لكن الجيش الاسرائيلي اقتحمها قبل عدة أيام))
فبدأت في سؤاله عن قريته فحدثني عنها كثيرا , إن قريته من قرى رفح الشرقية المطلة تقريبا على صحراء النقب التي تحتل جل المنطقة الجنوبية من فلسطين , و هي خاضعة لسيطرة اسرائيل حاليا , حقيقة كان حديث الفتى عن قريته مشوقا مما دفعني إلى العزم على زيارتها , و إنه لأمر مضحك , فعلى صغر مساحة قطاع غزة إلا أنه توجد أماكن لم أرها مسبقا أو حتى أقترب منها !

أخذت أتسامر مع الفتى بعضا من الوقت , فحقيقة لم أرغب وقتها أن أعود إلى المنزل عقب خطيئة اليوم السابق التي دنست نفسي و كستها باللون الأسود , و عندما أوشك الليل على الحلول سمعنا فجأة صوت عيار ناري ضعيف قادم من مكان بعيد جدا ناحية الحدود الشرقية للقطاع , ثم سقط الفتى على الأرض , فاستغربت وقوعه , لم يفكر عقلي و لو للحظات أن يربط بين صوت العيار الناري البعيد و بين سقوطه , فأخذت أهز جسده قائلا ((يا فتى , ما بك ؟ ماذا أصابك ؟ قم يا فتى))
لقد اعتقدت أنها نوبة صرع أو شيء من هذا القبيل حتى بدأ دمه بالسريان على الأرض , فأخذت أصرخ الصرخة تلو الأخرى ((قم يا فتى , قم يا فتى))
كنت أصرخ و أبكي في نفس الوقت , لقد كنت في قمة الحزن على هذا الفتى الذي وقع صامتا فجأة فحديثي معه كان كفيل بجعلي أتعلق به لأبعد حد , و أما راعي الأغنام المسكين فوقف ينظر إلينا و هو يصرخ معبرا عن حزنه , كان عاجزا عن التصرف مثلي تماما .

انهمرت علينا بعد ذلك الطلقات المتتابعة , انبطح جميع أهل الخيام على الأرض حتى الراعي الذي فعل ذلك لرؤيتهم يفعلون ذلك , بينما جلست بجوار الفتى أرثي حالي و حاله و حال أمة بأكملها , حتى سحبني الراعي بقوة و ألقاني على الأرض بجواره وسط الأغنام .
انبطحت على الأرض على دم الفتى , كنت أنظر إليه و هو ينزف و أنا أبكي , و ما أن انتهى ضرب الرصاص حتى قمنا نتفقد حال الفتى على الفور لعله لم يمت بعد , التفت حولي لعلي أجد من يساعدنا , فلم أجد أحدا , و أبصرت الجميع يركضون نحو شيء ما على قرابة الخمسين متر , ثم أسمعت أحدهم يضحك و ينادي على أصحابه قائلا ((أسرعوا أسرعوا , لقد أصيب أحد خرفان أبي مسعود , يا فتى , هنالك خروف سيموت))
فصرخت و عيناني غارقتين في دموعهما , و أنفي يسيل كالشلال ((هنالك إنسان سيموت , هنالك إنسان يموت))

لكن لا أحد سمعني , فالجميع مشغولون في رؤية أبي مسعود و هو يذبح خروفه المصاب قبل أن تزهق روحه , كان الجميع يطمع في حصة من اللحم , فركضت نحوهم تاركا الراعي مع الصغير , ثم صرخت ((هنالك إنسان يموت , هنالك إنسان يموت))
فجاء الرد سريعا , ركض معي جمع من الناس أحب أن أسميهم بالفلسطينين الحقيقين , بأهل العزائم , بالرجال , بحملة القضية , بالمرابطين , بينما بقي جمع آخر ينتظر حصته من فتات اللحم , كانوا يستحقون الموت , وددت لو أن لي السلطة في قتلهم , إني أكاد أجزم بأن الشيء الوحيد الذي كان يجول في خاطرهم عند توجهي مع الرجال الذين هبوا لنجدتنا هو ((كلما قل العدد زادت الحصة)) .
و لكن عندما عدنا إلى الفتى وجدناه ميتا فما كان مني إلا أن أسحب نفسي في صمت شديد و أغادر أرض الخيام اللعينة دون رجعة , حتى دون أن أرى ما فعلوه مع جثة الفتى , لقد خرجت في ذلك اليوم بمهم و عدت بهم جديد .
 
رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل السابع : يمكن للسعادة أن تجد طريقها في أحنك الظروف

استيقظت اليوم التالي - يوم الرحلة - مبكرا , لأبدأ التجهيزات النهائية للرحلة , و كنت في تلك اللحظات على خلاف ما كنت أتوقعه , كنت مغموما في يوم خصصناه للفرح بسبب ما حدث معي في اليوم السابق , و رغم ذلك عملت جاهدا ليكون ذلك اليوم استثنائيا و غير اعتيادي , فتوجهت بعد أن قمت بالعديد من الأشياء المهمة لجلب أولاد إخوتي و أخواتي من المدارس , فهم لا يملكون أي علم مسبق برحلة منتصف الأسبوع تلك , و لك أن تتخيل عظيم فرحتهم و هم يغادرون مدارسهم قبل نهاية الدوام بساعات طوال , و الأعظم أنهم بعد ذلك يفاجؤوا برحلة إلى الشاطئ , لقد كانت فرحتهم تعادل فرحة الفقير المعدم بالثوب الجديد , و فرحتي بفرحتهم كانت أعظم من فرحتهم بأضعاف مضاعفة لدرجة أنستني حزني على فتى اليوم السابق بعض الشيء .

عدت مع الفتيان إلى منزل العائلة فوجدنا النساء منهمكات في إعداد بعض المأكولات و والدتي تشرف عليهن أجمعين كما لو كانت قائدا عسكري يقود كتيبة في غارة مفاجئة , بينما خرج علينا أخي الأكبر عبد الله من حجرته و قد خلع عنه ثوب الوقار الذي اعتدناه منه , فقد خرج و هي يرتدي سروالا قصيرا ((شورت)) أزرق اللون فقط , و يقول ضاحكا ((ما رأيكم بلباسي ؟!))
ثم أخذ يهز بطنه العملاقة المترهلة أمام الفتيان الصغار لاضحاكهم فانفجر الجميع ضحكا دون استثناء حتى النساء , بينما صرخت عليه والدتي مازحة ((ادخل و تستر يا فتى))
فرد عليه قائلا ((كل هذا الحجم و في النهاية تقولين فتى ؟!))
فركضت أمي نحوه , فركض منها هاربا نحو الغرفة ثم أوصد الباب على نفس , و الجميع يضحك .

بعد قرابة الساعة و النصف خرجنا جميعا متجهين إلى الشاطئ , و لأني رغبة أن تكون رحلتنا غير اعتيادية بالكامل قمت باستئجار ثلاثة حمير و ثلاث عربات لتقلنا إلى وجهتنا , و استغرقنا وقتا في تقسيم أنفسنا و متاعنا على العربات , و أذكر أننا واجهنا مشاكل عدة في تقسيم الأطفال فالبعض يريد أن يركب مع والده أو والدته , و البعض يريد أن يركب مع صديقه , و البعض يريد الركوب مع والدتي التي استغلت بريق الجدات فأغرت أحفادها بأنها ستروي لهم بعض القصص , و في النهاية انتهى بنا الأمر إلى الوصول لحل هذه المعضلة التي تضاهي في صعوبتها صعوبة لغز أينشتاين ذي البيوت الخمسة , فكان أخي الأصغر حسان على إحدى العربات مع زوجته و ولده بالإضافة إلى أختاي حسناء و خولة و بعض الأطفال , و على العربة الثانية أخي الأكبر عبد الله و زوجته و ثلاثة من أولاده السبعة , بالإضافة إلى أختى اسراء التي لم يرزقها الله بأي من الأولاد بعد رغم أنها متزوجة منذ سبع سنوات , و زوج اسراء فهو صديق لعبد الله منذ الصغر , و أما العربة الأخيرة فكانت من نصيبي , و كان معي زوجتي و أمي و خمسا من الصغار أبرزهم علي الذي نناديه بعليوة , ابن أختي حسناء , و كان وقتها لم يتجاوز الأربع سنوات بعد .

انطلقت العربات قاصدة الشاطئ و كانت عربتنا أبطئ العربات , فكنا دوما في مؤخرة الركب , لقد كنا في تلك اللحظات في سعادة غامرة , فالجميع تغمره السعادة من قمة رأسه و حتى أخمص قدميه , فعلى عربتي كانت والدتي تقص على الصغار القصة التراثية أخشيشبون , و كانوا يستمعون لها بشغف كما لو كانوا يستمعون إليها لأول مرة , و لا أخفي عليكم أني استمتعت بالقصة أيضا رغم أني سمعتها عشرات المرات , فالقصة جميلة في حد ذاتها , و تدغدغ مشاعر الطفولة في داخلي التواقة للبطولة و قصص الأبطال الشجعان , كما أن أسلوب والدتي في قصها جعلها مميزة فوق تميزها , و أما زوجتي فكانت منغمسة مع الأطفال , و تشارك والدتي رواية القصة و التعليق عليها , و لكن كان هنالك من يحلق بعيدا خارج السرب يفكر في شيء آخر مختلف تماما , إنه عليوة , فقد كان طوال الطريق ينظر بعيدا نحو عربة أخي حسان و التي تقل أمه , كان يراقب العربة طوال الطريق , و كلما ابتعدت عنا كلما ازدادت سرعة ضربات قلبه , و بدأ يزداد شعور الخوف و الجزع في داخله , لكنه حاول جاهدا كبح جماح دموعه حتى توارت العربة عن الأنظار فإنفجر باكيا , فارتبك الجميع , و حاولت أمي و زوجتي بجد أن يهدؤوا من روعه , و يفهموا منه سبب بكائه , لكنهم عجزوا , فأوقفت العربة ثم شاركتهم ذلك , و بعد بضع دقائق تمكن عليوة من الكلام بائحا لنا بسبب بكائه , فقلت بلهجة ملؤها الثقة كما لو كنت بطلا خارقا ((سنلحق بهم , و نسبقهم يا بطل))

بدأت العربة بالحركة من جديد , و بدأت أحاول بشتى الوسائل أن أجعل الحمار يسرع , لكني في النهاية فشلت , فجميع محاولاتي الجادة لجعل الحمار يسرع تهشمت أمام بلادته , فقررت أن أتخذ خطوة اعتبرتها وقتها قمة في الذكاء , و هي أن أتخذ طريقا مختصرا عبر الأزقة و الحارات , فما كانت النتيجة إلا التيه في وسط أحياء لا أعرف أهي في الشرق أم في الغرب , و بعد ساعة من الدوران في نفس المكان و سؤال المارة وصلنا إلى الشاطئ , و عند رؤيتنا للشاطئ و لبقية أهلنا بعد كل هذا التيه شعرنا باحساس لم نشعر به من قبل , احساس مكون من جمع غفير من الأحاسيس الجميلة , احساس يجمع في طياته كل معاني السعادة و البهجة و الفرحة و السرور , لقد جلت رؤية البحر و شاطئ منتصف الأسبوع الخالي من الزوار و الباعة على حد سواء كل همومنا لتضحي رحلة الشاطئ التي بدأت كرحلة لتقوية علاقاتي الإجتماعية بإخوتي و أهلي إلى رحلة للسعادة و الراحة في زمان و مكان تلاشت فيه السعادة .
 
الباقي بكرة العصر إن شاء الله لأني نعسااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااان
 
عودة
أعلى