لم أحبب التعبير يوماً, فلطالما انتابني ذاك العجز الخانق وأنا أحدق بتلك الورقة الخالية التي يطالبني مدرسي بحشوها ألفاظاً مستهلكة وتعابيراً لا تمت للإبداع بصِلة. لكَم اعتراني اليأس وأنا أرى أوراق أقراني تُشبع حبراً وورقتي بيضاء, ناصعة. هل العيب عيبي؟ هكذا تساءلت. ولكن هذه التساؤلات سرعان ما ذابت كالشمع تحت وطأة النار عندما طلبت من مدرسي أن يعطيني أوراق "نخبة مُعَبري الفصل", لن أصف هذه الأوراق بوصف أقل من كونها جرائم موثقة وموقعة بأسماء أصحابها بحق لغتي الأم. قرأت هذه الأوراق علّي أتلمّس فيها الاجتهاد الذي جعل هؤلاء نخبة, و لكني لم أرى فيها اجتهاداً يذكر, فكرياً كان أم لغوياً. فالأوراق المميزة هذه تميزت فعلاً, تميزت بالنسخ و الاستهلاك. أساليب تعبيرية ولغوية معلبة, أفكار معلبة, لم أشفق على أصحابها بقدر ما أشفقت على الأقلام التي كُتبت بها, تساءلت إذا ما كانت هذه الأقلام بكت على حبرها الذي كان من الحري أن يوظّف فيما هو أكثر استحقاقاً. لن ألوم هؤلاء, فالأحق باللوم كان مدرسي الذي جازى هذا الإفلاس الفكري والتعبيري (واللغوي) بعلامة تقترب من الكمال بدل أن يُريهم النقص في طُرقهم ويوقد في نفوسهم نار الإبداع والتحرّر التعبيري. ولكني أدين لهذه التجربة بالكثير, فالأصفاد التي وضعها شعوري بالنقص و التخلف عن أقراني لم تعد تقيدني, فأقبلت أكتب ما يمليه علي فكري وضميري. دعاه مدرسي تكلفاً ودعاه أقراني فلسفةً, وأنا على دراية أن البعض ممن يقرأ حروفي هذه الآن يشاطر هؤلاء تفكيرهم, ولكن هذه الإرهاصات الاستعباطية لم تزدني إلا ثقة بأن ما أفعله هو أقل ما يمكنني فعله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لغتي التي تُركت للموت, فليتفنن هؤلاء بإلقاء ترهاتهم كما يشاءون, فكم من مُعيب لم يدرك يوماً أنه المعيوب.
ألتمس العذر من صاحب الموضوع, كوني انجرفت بعيداً عن مادة حديثنا. ما أسلفتُ إلا ما اختلج في خاطري وودت أن أشارك به من يشاركني الرأي أو يخالفني بعقلانية. لعلي تناولت محور الفكر و الأسلوب التعبيري دون غيره مما أسلف الإخوان, ولكن ما كان هذا إلا لحاجة في نفسي والحنق يعتريني وأنا أرى الجزالة اللفظية والفكرية تكافئ بالسخرية ممن لم تدرك عقولهم الوضيعة بعد كيف كانت لغتنا و كيف أصبحت. أحقد أحياناً على لغتنا العامية رغم قناعتي المطلقة أنها ليست المسؤولة المباشرة عن هذه التفاهة, فأسرع في تبرئتها -جزئياً على الأقل- عندما أرى أن المشكلة في معدن الناس لا في لغتهم الدارجة. لن أتحدث من منطلق محدود ثقافياً, فلمن استعصى على فكره "المتحضّر" تذوق جمال لغة الضاد أن يذهب و يرى روائع ما كُتب ويُكتب في بقية لغات العالم, إنجليزيةً كانت أم أسبانية, شرقية كانت أم غربية, وليرى كيف أن لكل لغة جمالها و لكل لغة رجالها (ونساؤها) فإذا لم يكن أحد هذه الفئتين, فليتوقف عن نعت الجمال اللغوي و الفكري بالـ"فلسفة", و ذاك أضعف الإيمان. وليحسُس بشيء من الغيرة إذا كانت هذه الخصلة الفطرية بداخله لا زالت تتنفس الهواء. فلسفة, فلسفة, ياه! كم تغير وقع هذه الكلمة على أذني وقلبي! أعشق الفلسفة, أعشق منهجها و طريقتها, أعشق تشعبها, أعشق تبجيلها وتوظيفها لميزة الإنسان الفارقة: العقل. ولكنها ككلمة - عندما يستخدمها من لا شأن له بها - تتحول من كلمة ممثلة للعمق الفطري للعقل البشري إلى كلمة تجسد السطحية لعقل بعض الأفراد الذين يتجرأون أن يدعوا أنفسهم بشراً. نستهجن من هؤلاء أيّما استهجان, و لكن العقول عندما تصبح أحجاراً تعبيراً وواقعاً يستعصي عليها أن تُمرّر ما لا يعجبها و تشبعها تفكيراً و تحليلا, عقولُ تغلف أنفسها عن أي محاولة مهما كانت صادقة لتهذيب محتواها لقناعتها الزائفة بأن ما بداخلها يمثل أسمى أنواع التفكير البشري الذي لا يتيح للجدل مجالا. ولكني على قناعة أن الفطرة البشرية المحبّة للتفكر غير قابلة للطمس, فمهما حاول هؤلاء السير في الطريق المعاكس لفطرتهم فلا بد أن تستحكم الفطرة إذا أمسك أحد بيدهم و أراهم طريق الصواب, مهما طالت المدة التي تتطلبها عملية الإقناع فحتى الأحجار تلين إذا أصر الشخص على إلانتها. وإحقاقاً للحق, من الحالات ما تكون مستعصية تماماً.
و عندما نتحدث عن الإملاء و النحو, فتلك حكاية أخرى, وبطولٍ ملحمي. لن أخوض في هذا المضمار كثيراً, وأكتفي بالقول أن الإملاء مَثله من مَثل القوة التعبيرية, يتدهور بعدم الممارسة والتقاعس أو الإصرار على عدم تعلم الصواب.
لست بطالبٍ أن ننظم كلنا أشعاراً تقارع المعلقات جودةً و لا بحاثٍ على أن نفنيَ كلنا حياتنا تدبراً في جمال اللغة العربية, فأي بشر أكون إذا طلبت منكم شيء كهذا, و لكنني استحلفكم أن نشعر بشيء من المسؤولية تجاه لغتنا, نساهم بما تستطيع, تتجنب الأحطاء الإملائية, نهذِّب أسلوبنا التعبيري بقدر المستطاع و لو بالنزر اليسير في كل رد و هكذا تدريجياً, فلو أحس ربع قاطني الوطن بمسؤولية كتلك, لما آلت الأمور إلى ما هي عليه.
لن أتوقف عن الكتابة بلغتي العربية الفصحى و بفكري البشري حتى النقطة التي ستختم ردي هذا, فليفخر من يفخر, و ليسخر من يسخر. و ليستنجد من يرى ردي هذا و ردود من سبقوني من الأخوة على أنها "فلسفة" بأقرب مصحة عقلية قبل أن يتجرأ على لغة القرآن و الفكر البشري, على التوالي. تحية قلبية لكل من جاد علينا بنور فكره في هذا الموضوع, قد لا أتفق مع الجميع, و لكن نتاج الفكر الإنساني جميل لكونه فكر, حتى ولو اختلفنا في صحته من عدمها. تحية خاصة لأخ Noah's Ark فهو من ألهمني بكتابة ردي هذا بفصحتنا الراقية وللأخ Gahmad على إصراره المتواصل على التشبث باللغة العربية في ردوده قاطبة وللأخ Photon الذي أتاح لنا جميعاً بطرحه الموضوعي تفريغ ما لم نستطع تفريغه دون تحفيزه و أعتذر للمرة الثانية عن استطرادي المفرط هنا و هناك.