لو أكتب قصة قصيرة ..

بادئ الموضوع #1






منتصف الليل .. صوت خطوات واثقة يتردد صداه على سطح ناطحة سحاب .. يختلط بصوت دقات الساعة العملاقة المثبته أعلاها والمطلة على المدينة ..
يستقر البطل واقفا بثبات على قمة الساعة .. تشتد الرياح وتتطاير عباءته .. الثانية عشر .. تدق الساعة .. يقفز البطل ..
يدوي الهدير .. يهبط بعنف فتهتز المدينة بأكملها ..
عندها كان اللصوص والقتلة وكل انواع المجرمين يتجمدون في أماكنهم ثم ينقض البطل كالصاعقة ليحصدهم ويعيد الامان للمدينة ..

ورغم ان القصة رواها احد المشردين ولم تذكر في اي سجلات الا انها استمرت بالانتشار لعقود طويلة ..



.






عبر الشاشات وفي كل مكان كان يتم بث مشهد لحريق عنيف يلتهم مبنى ضخم مكون من طابقين يقع على اطراف المدينة ..
ثم مذيعة بلون بشرة بنفسجي كانت تعلق بغضب واستنكار وقلق ورعب واستياء ..

ثم بسبب لون بشرتها فمحتمل انها مذيعة فضائية والحريق في كوكب اخر بعيد عن الارض ..
ثم لحتى اختصر هي كانت تحاول تعبر خلف الشريط الاصفر لتنقل صورة اوضح لما يحدث , لكن رجال الامن منعوها لان المكان خطر ولان المبنى يخص جهة سرية ما تابعة للجيش
ثم هي ظلت تعترض لانها مواطنة جيدة وتدفع ضرائب ومن حق من يدفعها يقترب من المباني التي تحترق ولا يمنعه احد ....... ووو الخ ....





.





في الصباح يستيقظ رجل ببشرة بنفسجية يضع يده على بطنه ويتلوى من الألم ..
في العادة كان ليبدو مجرد رجل مصاب ببعض البرد لكن الرجل رغم الامه كانت ابتسامة فخورة ترتسم على وجهه ..
هو تقريبا بحسب ذكرياته كان للتو عاد من مهمة انقاذ خارج الكوكب
وبعد نجح في مهمته التي لا يتذكر تفاصيلها بشكل جيد انفجرت سفينته فور وصوله لكوكبه
ثم لانه بطل نجى من الانفجار الذي يتذكره بشكل جيد اكثر من اللازم .. ثم هو مقتنع ان آلام بطنه سببها الحريق داخل سفينة الفضاء ..
عموما حياته يمكن تلخيصها في انه بطل خارق يحمي مدينته ثم اشتهر لحتى اصبح يحمي الكوكب كله ثم اصبحت الكواكب الاخرى تطلب مساعدته ..

ثم لأنه ببشرة بنفسجية هو الاخر فمحتمل ان احداث القصة كلها تدور في كوكب اصحاب البشرة البنفسجية هذا ..
ثم لاني مجرد راوية لقصة وصلتني بطرق سرية معقدة فالمفترض من يقرأ لا يعتمد على استنتاجاتي ويحاول يفهم الاحداث اكثر بمفرده ..


على أي حال هو الان مثل اي بطل في الصباح لابد ان يتأقلم مع دوره كرجل عادي امام العامة ..
بدل ملابسه وخرج متوجها لعمله .. صوت ارتطام عنيف .. شعر بان الشارع كله يهتز .. حلقت الطيور مبتعدة وركض قط صغير مختبئا اسفل سيارة ..
احس البطل بشيء مخيف يحدث لكنه تمالك نفسه لحتى يتقن دوره كرجل عادي ثم اكمل سيره ..

لا شيء في العالم اجمل من السير , هكذا شعر ونسمات باردة تضرب وجهه برفق بينما قطرات رقيقة من المطر تتساقط على الطريق ..
تصطدم ببركة ماء صغيرة .. طفل على دراجته يفقد توازنه ويسقط امام امرأة عجوز جالسة تنتظر احدهم .. تنهض وتحاول مساعدته ..
طفل اخر يركض وتتبعه طفلة اخرى تصرخ به ليعيد لها الشيء الذي اخذه منها ..
أم تجر عربة طفلها تنحرف العربة بعد احتكت بشق على الطريق .. يبدأ الطفل في الصراخ وتحاول هي تهدئته ..

يكمل البطل سيره .. يمر بمبنى احمر اللون بشكل يتعارض مع كل المباني البيضاء من حوله .. مبنى غريب على الاغلب مهجور ..
كان يشعر انه يوما ما سيقتحمه ويكتشف علماء مخابيل بداخله يطورون اشياء مخبولة على وشك تدمر العالم
ثم في الاخير سيحرق كل شيء ويدمر المبنى لينقذ العالم . .


توقف عن التفكير بعد وصل لمقر عمله ..
عموما لاختصر عمله الذي يستمر لحتى الغروب كان شيء مثل ترتيب اوراق لا يعرف من اين تأتي
ثم يختمها ويضعها في ملفات ليأتي من يأخذها ولا يعرف اين يذهب بها ..
ثم بعد عمليات تبادل الاوراق اللانهائية عند الغروب انتهى دوامه ..

يسير البطل عائدا الى بيته .. ينعطف لأحد المطاعم .. ينتهي من الاكل ويكمل سيره بعدما غربت الشمس ..
امرأة تصرخ لأن لصا سرق حقيبتها وركض بعيدا .. لا اراديا انطلق البطل خلفه .. ثواني وتوقف البطل وهو يلهث بشدة ..
ارتجف هلعا بعد بدأ يشعر بشيء ما غير طبيعي في جسده .. في العادة يتذكر انه بخطوة واحدة كان يمكنه يمسك باللص ..
ثم اخذ يقنع نفسه ان الحريق هو السبب ويحتاج فقط لبعض الراحة ويعود جسده كالسابق ..
وصل اخيرا للبيت .. فعل الاشياء التي يفعلها اي شخص يقيم بمفرده وانا لسوء الحظ لم اجرب اقيم لوحدي من قبل لحتى اصفها ..
المهم انه اخيرا نام وانتهى يومه ..








.





في احد الاوراق تقرير طويل اشعر بالملل لو انقله
ولأن لا اريد اضيع وقت من يقرأ بختصره انه عن اختفاء عالم مخبول كان يعمل في المنشأة التابعة للجيش
وبعد الحريق لم يُعثر عليه ولا على جثته والتقرير يتكلم في اغلبه عن احتمالية ان العالم المجنون جاسوس يعمل لحساب كوكب معادي
ونهايته يروي سيرة ذاتية للعالم لا احتاج اكتب عنها لان كلها اسماء فضائية معقدة عن اسم عائلته ومدرسته وجامعته وزوجته وووو .... الخ ..





.







نوبات الألم رعب مستحيل على الناس العادية تفهمه ..
عندما لا تدري متى تبدأ النوبة التالية .. كم من الوقت ستتحمل حتى تتخلى عن كبريائك وتتوسل طلبا للمساعدة التي غالبا لا تأتي ..

كانت الفتاة البنفسجية مع تجاربها المذهلة للمستشفيات حول العالم قد تعلمت الدرس بقسوة ..
لا يمكنها ان تهزم الالم .. مهما تحاملت على نفسها .. مهما حاولت ان تحتفظ بكبريائها ..
في الاخير ستضعف ..
ستتوسل لأي كان ليساعدها رغم يقينها بأن لا احد بامكانه يخفف عنها ..

ومؤخرا ادركت انه لا جدوى وان مصيرها لن يتغير مهما تمسكت بالامل ..
فليحدث ما يحدث فلم تعد تخشى الموت ..

في السابق كانت لا تدري سر تلك الدموع الساخنة التي تبلل خديها بعدما تنتهي نوبة الألم ..
مع الوقت ادركت انها دموع كبريائها المحطم .. دموع تتوسل للألم .. ترجوه ببؤس ..
ارجوك ايها الالم لا تأتيني امام الشخص الوحيد في الكون الذي لن اتحمل الحياة للحظة لو نظر نحوي بشفقة ..

عموما ماتت الفتاة البنفسجية بعد أيام قليلة , لكن قبل موتها محتمل انها تسببت بكارثة فكنت مضطرة اصف حالتها في ايامها الاخيرة قبل اروي ما حدث ..






.





في الصباح التالي استيقظ البطل ..
كان يشعر بألم شديد في بطنه .. في العادة كان ليبدو مجرد شخص مصاب بالبرد لكن الرجل رغم الامه كانت .........


هو احاول لا اكون مملة لكن ما حدث معه في الصباح السابق سيظل يتكرر لاربعة عشر يوما بنفس التفاصيل ..
يخرج من البيت .. صوت الارتطام .. الطيور تبتعد .. القط يختبئ .. الطفل يسقط من على دراجته ..
العجوز .. الطفلان .. الأم وطفلها .. المبنى الاحمر الغريب .. العمل .. المطعم ... لص الحقيبة .... ووووو الخ ...

المدهش ان المشهد امامه في الصباح ممتلئ بالتفاصيل التي تتكرر يوميا ثم هو احتاج لعشرة أيام لحتى انتبه ان شيء غريب يحدث ..
عموما لنتركه يستمتع بتلك الايام الهادئة لأن كوكب اصحاب البشرة البنفسجية كان يعيش لحظاته الاخيرة قبل الكارثة ..






.






يروي احد المشردين انه اثناء تجفيف غسيله على سطح احدى ناطحات السحاب
وبينما ينتظرها تجف ويشرب الشاي فوجئ بسفينة عملاقة تغطي الافق وملايين من رجال ببشرة زرقاء يهبطون من السماء بمظلات ....

عموما لاختصر وصف المتشرد تعرض كوكب اصحاب البشرة البنفسجية لغزو من اصحاب البشرة الزرقاء
وخلال ساعات استسلم الكوكب ثم بعد ايام كان الكوكب قد تحول لمصيف يزوره اصحاب البشرة الزرقاء للترفيه عن انفسهم ..
ثم نُظمت العلاقة بين البنفسجي والازرق بطريقة ملخصها مصلحة الازرق مقدمة على مصلحة البنفسجي
وطاعة اوامر اي ازرق واجبة على اي بنفسجي باستثناء هذا يسمح لاصحاب البشرة البنفسجية إكمال حياتهم كما اعتادوا ..

ثم بعد اسبوع تشكل اتحاد انقاذ الكوكب البنفسجي وقرروا طرد الغزاة الزرق في عملية تحت اسم القمر المكتمل حددوا موعدها ليلة اكتمال القمر ..



ورغم ان السجلات لم تذكر شيئا عن اتحاد انقاذ البنفسجيين هذا
إلا ان سكان الكوكب البنفسجي الى يومنا هذا يحتفلون بذكرى تأسيس الاتحاد ..






.






الغريب وانا ابحث بين الاوراق ومن بين السجلات القليلة التي دونت في تلك الفترة
لفت نظري حادثة غريبة عن كويكب ضخم اصطدم بالغلاف الجوي للكوكب البنفسجي
ثم تناثرت ملايين من اجزاءه على مسافات شاسعة في كل انحاء الكوكب مسببة كارثة عظيمة امتد اثرها لمئات السنين





.





بعدما انتبه البطل اخيرا انه عالق في يوم مستمر يتكرر بلا نهاية كلما استيقظ من نومه بدأ يفكر في حل يعيده لحياته العادية ..
كالعادة لأحتصر محاولاته هو بدأ اولا يجري حوارات مع الناس حوله لحتى تأكد انهم عاديين ..
بعدها قرر عدم النوم ففوجئ ان الصباح التالي بتفاصيل مختلفة لكن حين استسلم للنوم استيقظ في ذات الصباح لتتكرر نفس التفاصيل ..
جرب يسافر لمدينة اخرى ثم حين غلبه النعاس استيقظ مجددا في بيته ليبدا التكرار من جديد ..

اخيرا قرر فعل الشيء الواضح جدا من البداية ويقتحم المبنى الاحمر الغريب والمختلف عن كل المباني حوله ..
عموما بما انه بطل معوق او يعاني ازمة مؤقتة لا داعي لاروي كيف كان صعبا عليه يتسلق الاسوار ويدور حول المبنى ويبحث عن باب او نافذة تصلح للكسر ليدخل عبرها ..


في الاخير اقتحم المبنى وحين تأمل المكان بالداخل بدا وكأن ذكرى رهيبة قد عبرت امام عقله ..
يتذكر الالم .. يتذكر الصوت الهادئ العميق : أنت بطل ..

يركض .. يصعد الدرج يتعرقل ثم ينهض ويكمل ركضه يتوجه الى الغرفة الوحيدة في الاعلى ..
يدفع الباب بعنف .. وفي الداخل صعقه المشهد وتجمد في مكانه ..

لو أحاول اصف المشهد الذي صعقه .. غرفة مظلمة وظل لرجل يقف بجوار فتاة على كرسي متحرك ..
يلتمع ضوء البرق عبر الزجاج ثم للحظات تتضح ملامحهم ..
عجوز بنظرة شيطانية مرعبة وأعلى رأسه قبعة غريبة على شكل جمجمة ..
وعلى الكرسي فتاة بشعر كثيف يمتد ليصل الى الارض ..





.





من بين الاوراق عثرت على شهادة واحدة من اصدقاء الفتاة البنفسجية
تروي فيها تفاصيل زيارتها الاخيرة لها في المشفى قبل وفاتها بساعات قليلة ..

ملخص الرواية انها لم تشعر انها نفس الفتاة التي كانت تعرفها ..
صوتها .. نظراتها المخيفة .. ابتسامتها الساخرة من لا شيء .. شعرها الذي استطال اكثر من اللازم ..
ثم الاضواء التي كانت تنطفئ وتشتعل من تلقاء نفسها .. وفي الاخير تؤكد انها رأت النافذة في الغرفة يتحرك مزلاجها وتنفتح لوحدها ..

بعدها ذكرت انها لم تتحمل هذا الجنون وغادرت بسرعة من دون تودعها وصوت ضحكة مخيفة يتردد في اذنها ..






.





في رواية لم تؤكدها أي سجلات رسمية , يدعي احد المشردين بأنه التقى مع العالم الهارب منذ حادثة احتراق المنشأة التابعة للجيش ..
ولاني مصممه اختصر كل شيء بلخص روايته التي مفادها ان العالم كان يعرف انهم لن يتركوه وسيتخلصون منه
وكان يردد ليس من مصلحة احد تركه على قيد الحياة وان نهايته اقتربت ..

وبعد استمر يرثي نفسه , بدأ يثرثر بحماسة عن تجربته الناجحة التي استطاع فيها ان يحقق تجربة غسيل دماغ حقيقية تستمر للأبد , مكنته من استبدال ذكريات رجل عادي بذكريات رجل خارق
ويصف كيف استمرت التجربة لعام كامل كان يضع الرجل تحت تأثير عقاقير وعمليات تنويم مغناطيسي جعلته في حالة بين الوعي واللاوعي لمدة سنة ,
زرع خلالها ذكريات بطل خارق وصنع له احداثا لبطولات كاملة بكل تفاصيلها ..

ومشروع التجرية في الاساس كان الغرض منه البحث في امكانية تغيير قناعات البشر بشكل اجباري
بعدها كان من المفترض ان يتم اختطاف عينات من سكان الكواكب الاخرى المعادية وتحويلهم لجواسيس
بعد زراعة ذكريات وهمية تقنعهم بانتمائهم للكوكب البنفسجي ..


عموما يكمل العالم المخبول ان كل شيء كان يسير على ما يرام
الى ان تسبب عالم اخر اشتهر بلقب عالم الجمجمة بسبب قبعة الجمجمة التي يضعها على رأسه بافساد كل شيء ..
كان مخبولا اقنع المسئولين باختطاف فتاة مريضة واصر على انها الوحيدة على الكوكب التي تصلح لتجربته ..
لم يفهم احد كيف استطاع اقناع المسئولين بطلبه ولا كيف اقنعهم بتخصيص نصف ميزانية المنشأة لأجل بحثه ولا نوعية التجارب التي يجريها على الفتاة ..

بعدها يحكي العالم كيف قرر الجيش فجأة دون سابق انذار تدمير المنشأة بمن فيها واعتبار كل العاملين بها اعداء للكوكب يجب التخلص منهم ..
ثم اثناء هروب العالم اكتشف ان الجيش كان قد جن جنونه بعد عرض المسئولون في المنشأة عليه النتائج لتجارب عالم الجمجمة
للدرجة التي قرر فيها انهاء كل شيء الى الابد بعد اعتبروا تجاربه تهدد الحياة على الكوكب كله ..





.






كان البطل الان قد خرج من حلقة اليوم المفرغة التي استمر عالقا بها ..
كيف خرج ؟ محتمل حدث شيء بينه وبين عالم الجمجمة في المشهد الأخير لاقتحامه المبنى الأحمر
ثم لسوء الحظ لم يدونه احد ..

عموما هو خرج ليتفاجئ بشعب البشرة الزرقاء وقد سيطر على كوكبه ..
ظل يلوم نفسه معتقدا ان اختفاءة وتركه للكوكب بلا حماية قد تسبب في تلك الكارثة
لكنه هنا اخيرا وقد اختار ليلة اكتمال القمر بالذات ليبدأ عملية دحر الغزاة ..






.






منتصف الليل .. القمر المكتمل يتوهج من خلف الغيوم ..
صوت خطوات البطل المتعرقلة يتردد صداه على سطح ناطحة سحاب .. يختلط بصوت دقات الساعة العملاقة المثبته أعلاها والمطلة على المدينة ..

بالكاد يستقر البطل على قمة الساعة ويتشبث بها .. تشتد الرياح يصر على اسنانه ويحاول بصعوبة موازنة نفسه ..
الثانية عشر .. ترتجف قدمه .. تدق الساعة .. يستعيد ذكرياته وقتما كان يققز فتهتز المدينة بأكملها ويتجمد اللصوص من الخوف ..
رياح عنيفة تصدمه فتخرجه من ذكرياته .. يتردد البطل ..
يشعر بالدوار كأنه لم يعتد قط على المرتفعات .. تعاود الرياح الهبوب .. تنزلق قدمه ..
يفشل في كتم صرخته .. ثم وبعنف يسقط الى الاسفل ..





.







في رواية شائعة لدى سكان الأزقة ان يوم تحرير الكوكب البنفسجي كادت عملية القمر المكتمل التي نفذها اتحاد البنفسجيين تفشل
والسبب ان موكب قيادات الكوكب الازرق غير طريقه مصادفة ليتفادى الفخ الذي نصبه البنفسجيون ..
وبعد قرر اتحاد انقاذ الكوكب تأجيل العملية حدثت جلبة عنيفة وانتشر خبر مقتل قائد جيوش الكوكب الازرق
مما اعطى اتحاد انقاذ البنفسجيين زمام المبادرة وبدأوا هجومهم المعاكس الذي انتهى بانقاذ كوكبهم وطرد الشعب الازرق ..

اما كيف انقلبت الموازين فالقصة كما يرويها المشردون ان بطلا خارقا قد صعد بشجاعة لقمة احدى ناطحات السحاب
ثم قفز كالسهم مهاجما قائد الزرق مضحيا بحياته ليقضي عليه وينقذ كوكبه ..

وليومنا هذا ينسب العامة على الكوكب الازرق فضل تحرير كوكبهم لذلك البطل المجهول ..
غير ان السجلات الرسمية للكوكب لم تذكره قط لا هو ولا اتحاد الإنقاذ ذاك ..






.





يروي احد المشردين وكان قد قرر يمضي ليلته ويبيت على سطح احدى المستشفيات
ان الساعة كانت قد تجاوزت الثالثة صباحا حينما استيقظ على صوت خطوات ثقيلة لفتاة بنفسجية تسير بصعوبة ..
تدفع جسدها لليمين ثم لليسار في محاولة شاقة لتجبر جسدها على الحركة ..
تسير بتثاقل .. تضحك بجنون كأنها ساحرة تتقدم لمحرقتها ..


هو عموما المشهد مسرحي اكثر من اللازم ولا يصلح لقصة قصيرة فالافضل اتجاوز الفقرة التي ستظل تثرثر فيها عن مصيرها البائس والموت والحياة ..
بعدها استوقفتني فقرة تكلمت فيها عن الأبطال وما نفعهم فحتى لو وجد البطل الذي سينقذ العالم ما فائدته لو لم ينقذها هي ..
ثم ضحكت اكثر واكثر .. تساءلت بسخرية ما فائدة العالم بدونها وهل يستحق ان يبقى من بعدها ..
ثم عاودت ضحكاتها المخيفة التي ارعبت المتشرد ..


استمرت بسيرها .. تقدمت خطوات تجاه الحافة ..

بدأت سماء الليل تصطبغ بلون احمر مخيف ..

صعدت الفتاة على الحافة وهي مستمرة بضحكاتها الجنونية ..
تشتد الرياح فيتطاير شعرها فارع الطول ويهتز كعباءة بطل خارق ..

تضحك اكثر واكثر وتزداد السماء احمرارا ..
تفرد زراعيها ..

كتلة من اللهب العملاق تشق السماء وتغطي الافق ..

صوت انفجار عظيم .. تضحك الفتاة اكثر .. تتناثر ملايين الكتل الحارقة وتهوي من السماء حولها ..
اصوات اختراقها الغلاف الجوي يحجب ضحكات الفتاة ..

تهتز مع الرياح .. تهوي من الاعلى وصدى ضحكاتها يخفت حتى يتلاشى ..






عموما ذكرت سجلات المشفى ان الفتاة البنفسجية ماتت على سريرها في ليلة كارثة اصطدام الكويكب بالغلاف الجوي ..






 
#2
ماكانت لي أدنى نية لإقتباس جزء من قصتي الجديدة، بس بما أني وجدت هذا الموضوع، فراح أعتبره كالموضوع الرسمي للتجارب الكتابية القصصية للأعضاء .. إذا سمحتو لي طبعاً

هذي جزئية بسيطة من قصتي الجديدة، أتمنى تعجبكم


كانت مشاعل وردة. هكذا كانت تلقّب، ليس لأنها تشبه الوردة في شيء، بل لأنها تلبس الوردة في شعرها عادةً.

إختلطت الأسماء، فبدلاً من تسميتها بمشاعل أصبح الكثير يلقّبها بالوردة، البعض يتكلّف ليسميها "وردة الحياة"، فإبتسامتها حياة، وبعنوانها وردة، تعتلي وقوفها ومجيئها.

ظلّت وردة، أو مشاعل، حيّة كحياة الأطفال، سعيدة كسعادة الجاهل بالظلام. لكن، يقولون: كل سعادة يشاركها الحزن في شيء، يأتيان معاً، ويذهبان معاً، كالأصدقاء.

في ليلة ظلماء، ساكنة، بسكون منزل مشاعل، التي ظلّت ترقد في مكانها حتّى لمحت مجيء أمها. إقتربت من مسمعها ثم قالت:"تصبحين على خير". مشاعل مثّلت النوم، مثّلت عدم السماع، ولهذا بقيت في ثباتها، تتنفس روح أمها الطيّب، لتلمحها تبتعد، ومعها يبتعد ظلّها.

أمسكت بوردتها، بخصلات شعرها، لترجو في نظراتها نحو الغرفة، نحو زواياها وظلامها الساكن. أغمضت عيناها، لتسرح بعيداً في أفكارها. الحياة جميلة، والأحوال جيّدة.

شعرت ببعض من الحرارة. بدأت كحرارة دافئة، لطيفة. سحبت غطائها أكثر لتزيد اللطف لطفاً على نفسها، لكن سرعان ما أصبح اللطف متعباً، مرهقاً، صعب التنفس.

بدأت بالتعرّق، قطرة بعد قطرة. أبعدت الغطاء، وبنظرات تائهة رأت المكان منيراً وساطعاً، وحارّاً في نفس الوقت. البيت يحترق.

نظرت إلى كرسيها الصغير، إلى مراياها وصورها الموضوعة على جنبات الجدران، وكأنهم يصرخون. بدت الإشتعالات وكأنها أياديهم هم، يرفعونها إلى السماء أملاً بأن يُسمع ندائهم.

ركضت، إلى الباب، لكنّه كان مغلقاً. بدأ بالإشتعال شيئاً فشيئاً لتهرب منه إلى الجهة الأخرى من الغرفة، بهلع، تضرب جدران المكان، وبإستسلام، تتساقط عيناها الصغيرة نحو الأرض، نحو الظلام الذي أبرز النار وكأنها وحش، وحش يلتهم كل شيء. تدخل إلى الحمام، الملاذ الأخير، نظراتها إلى النافذة التي إعتلت طول جسدها الصغير. تنظر إلى النار، وبيدين عاجزة، تدفع نفسها إلى الخلف، إلى الأمان، الذي لم يعد له أي وجود.

ماما! بابا!

لم يتحرّك شيء، لم يجيء أحد لأنقاذها بفعل هذه الكلمات، كانت وحيدة، وحيدة للغاية، وماقتل وحدتها الكاملة هي وردتها، التي سقطت على الأرض، بعيداً هناك، وظلّت بإحتراقها وكأنها تبكي، بدموع حارّة، مؤلمة.

فقدت وعيها في تلك اللحظة، لتعود إلى الحياة مجدداً بعد بضع ساعات.

كان القمر مبتسماً. لا .. لم يكن القمر، بل كان فتىً وسيم، بدى وكأنه القمر. يضع يديه على الأرض وينحني بإتجاهها، لتظهر عيناه ببروز أزرق غطّى ظلام الليل من على المكان. يقول:"أهلاً بك. الحمدلله على السلامة".

صحت من مكانها، لتجد نفسها خارج المنزل، خارج المنزل الذي لم يعد منزلاً، بل أصبح قمامة، قمامة كبيرة توسّطتها الفجوات والإنهيارات. تحسست نفسها، ثم بوعي متأخر، سألت:"أبي! أمي!".

"لاعليك لاعليك". يضع يده اليمنى على رأسها. تتحرّك يده اليسرى سريعاً ليخرج من جيبه علبة عصير، أو .. حليب، حليب الموز. برقّة، يضع المزّاز بداخل الحليب، ليقدّمه بهدوء إلى فم مشاعل، التي إجترّت المزّاز حتّى ذاقت طعم الحليب.

كانت عطشاء، عطشاء الروح. كان الحليب أشبه بالعشق، بالحب، الذي إنتشلها من حالها المظلمة إلى أعالي السماء. كانت عينيها معلّقة على العلبة، حتّى أعادت نظرها إليه، إلى نفسه التي كانت موجودة، ومحسوسة. لا .. أين هو؟

راحت في عينيها باحثةً عنه، يميناً وشمالاً، لكنّه لم يعد موجوداً، إختفى وكأنه لم يكن. جائت خطوات تائهة من بعيد، وتلتها خطوات أخرى باحثة. إقتربت أكثر، ثم بصوت صارخ، ينادي:"مشاعل حيّة! حمداً لله".

جاء الناس ملتفّون حولها، وفي عيونهم فرحة، ودموع. تكاثر الحضن، وتكاثرت الكلمات والتعليقات:"أتركوها! أتركوها تتنفس!". كانت النساء الأكثر قدوماً وقرباً منها، والأكثر كلاماً ورقّة في إهتمامهم، وسؤالاً عن علبة الحليب، التي لم تعد محط إهتمامهم عندما تم رميها على الأرض بعيداً، بينما الرجال ذهبو ليجلبو المساعدة.

كانت في أعينهم سعادة، لكنّها بدت .. مزيّفة، وكأنهم يأسفون على حياةً أخرى تهالكت، مثلما تهالك المنزل بفعل النار. سمعت مشاعل كلمات كثيرة، لكن من بين جميع تلك الكلمات، كانت هذه الكلمة الوحيدة الصادقة التي أدركتها:

"كيف سنخبرها بذلك؟".​
 
#3
أحب الكتابة، وإن كان البعض يرى أن كتابة الرواية عملية سهلة فأنا أرى العكس، يصعب عليّ كثيرًا كتابة قصة قصيرة في عددٍ محدود من الأسطر بالشكل الصحيح، قرأت جزءًا من قصة @Bianca وسأعود لاستكمالها في وقتٍ آخر بإذن الله وأترك رأيي.

ليس عندي قصة أكتبها، عندي أفكار عديدة، لكن كلها على ما يبدو ستتحول لرواية لول
قد أشارك جزءًا من روايتي التي أنهيت بداية هذه السنة.
 
بادئ الموضوع #4
ماكانت لي أدنى نية لإقتباس جزء من قصتي الجديدة، بس بما أني وجدت هذا الموضوع، فراح أعتبره كالموضوع الرسمي للتجارب الكتابية القصصية للأعضاء .. إذا سمحتو لي طبعاً
عادي تعتبره للتجارب حتى انا فتحته لان اريد اشارك اول تجربة لي @@
 
#5
هذي القصة بمثابة الجزء الماضي، والحاضر، والفاصلة بالمنتصف تمثّل الإنتقال

طبعاً القصة مبهمة الأحداث، لكنها تمثل تسلسل متقدم من أحداث القصة إجمالاً. أتمنى تعجبكم








"مالذي يجعلك مهتمّة؟". فارس، يسأل مشاعل، وعيناه متّصلة بكتاب يقرأه.

كان سؤاله حول قصص الرعب، أو بمعنى أدق، إعجابها الغريب بقصص الرعب. أخبرته بذلك فجأة، لكن كعادة فارس، الإجابات القصيرة لاتعني له شيء، فالحقيقة طويلة، مخصصة، مفصّلة، وليست عامّة، في نظره.

"أحب الأشياء المرعبة، أراها منفذاً لمعرفة أنفسنا قبل معرفة مايُخفى علينا". تجيب عليه وتحرّك يديها بنظرات متفاوته من على زوايا المكان، متفكّرة بكلماتها وعباراتها لإختيارها بدقّة.

"لمعرفة أنفسنا؟". بنظرة طارفة من أعلى النظارة، وبإبتسامة عاد فيها إلى قراءة كتابه:"وكيف يحصل ذلك مشاعل؟".

"اسأل نفسك: مالذي يجعل القصص مخيفة؟ اليست تلك إجابةً للسؤال نفسه؟".

يغلق الكتاب، ثم يضعه بهدوء. ثم ينظر، تجاه السؤال، وتجاه عينيها، بإهتمام بدئ متأخراً:"الخوف يجعلنا نعرف أنفسنا بشكل أكبر؟".

فارس لايهتم بقصص الرعب، ولا يراها بمنظور مشاعل، التي إهتوت هذا النوع من الحكايا لتجيء إليه راغبةً بأن تقنعه بالقراءة. فارس ملخبط البال، فهو من ناحية لايهتم بهذه القصص، لكنّه يهتم بمشاعل، والأولى إهتماماً في هذا الوضع هي مشاعل.

يقول:"أترغبين بأن تخبريني بأن العالم في حقيقته مليء بالرّعب والخوف؟ إذا كان الأمر كذلك فماذا عن اليوم؟ لقد صحوت من نومي وجئت لهذا المكان من دون خوف ولا رعب. كيف تصبح هذه المخاوف الغائبة مصدراً للحقيقة الدائمة؟".

"همممم، لربما .. لربما كانت الحياة قائمة على إيجاد المخاوف؟".

"كالقفز الجوّي وتسلّق الجبال الشاهقة؟ نعم، هنالك أناس محبون لهذه الحياة الخاصّة. لكنّها ليست لي مشاعل، حتّى عبر الكلمات".

كانت عيناه مرتكزة عليها في مرّه، وعلى جانب آخر يمرّ من ورائها في مرّه أخرى. يقول، بعدما أوضحت عيناه تشتته السابق:

"هل رأيتي ذلك الكتاب؟". يؤشر بإتجاه كتاب وُضِع على الرف العلوي من الجهة اليمنى من المكتبة. ظهر الكتاب خجولاً، محضوناً بين الكتب الأخرى.

ترد:"الكتاب الأحمر؟".

"نعم، مايزيد الطين بلّه أن لونه أحمر أيضاً. ذلك الكتاب اشتريته منذ سنوات طويلة، لكنّه بقي هناك معلّقاً على ذلك الرف. لماذا؟ لإنني خائف".

"خائف من الكتاب؟".

"خائف من التجربة، من التفكير الذي سيجري فيني أثناء قرائته. أنا لا أخاف من أي شيء، بقدر ما أخاف من نفسي. هذا هو خوفي الأكبر في الحياة، لطالما كان هذا خوفي الأكبر في الحياة".

يكمل:"كل شخص كتب كتابه ووضعه في هذا المكان يقصد إقناعي بشيء ما، وأنا بإرادة الشغف، أو حمّى الحياة، عشقت هذه الفوضى العارمة في الآراء والتوجهات. ذلك الكتاب .. ذلك الكتاب بالذات، آراءه مرعبة".

"لقد سألت بائع الكتاب، مالذي سأجنيه من قرائتي لمثل هذه الصفحات؟ قال لي: وهل الحياة محدودة على صفحاتك التي تعرفها فحسب يا أخي؟ إستمرّ في رحلاتك، إستمرّ في قرائاتك!".

ترد، وترفع يديها إلى السماء، ممثّلةً لتصوّرها لرد البائع عليه:"إذاً .. إستمرّ في رحلاتك، إستمرّ في قرائاتك!".

"ومن الذي سيرتمي على سريره وحيداً هذه الليلة؟".

،،

حملت مشاعل الكتاب الأحمر، وبتقلّب مرتبك قلّبت أوراق وآلام فارس، وكأن جسده صفحةً بيضاء منزوعة الصدر، تهتوي يداها في قلبه لتحرّكه على جنباته.

لم تكن الكلمات مفهومة، ولا الصيغة أيضاً. ظهر الكتاب محدّثاً نفسه بنفسه، مليئاً بالألغاز والعبارات الغير معبّرة. تبدأ بعض الكلمات بطريقة، ثم تنتهي عند طريقة أخرى، لتسرع في إنتقالها إلى مفهوم آخر مختلف عمّا سبق. في أول صفحة ظهرت كلمة "دم" هنا، ثم إنتقلت إلى كلمة "الهواء"، وبتعابير بسيطة وصفيّة عن الهواء إنتقل الفكر إلى الأعصاب، العقل وتأثره بذلك، بمفهوم علمي محكّم ومدروس، ثم إلى .. الأطفال.

كان الكتاب يحكي مجرى الحياة بألوان مختلفة، ليعرّف الأشياء بمنظوره الخاص. صرخات فارس ظلّت بنفس نغمتها التي جعلت مشاعل تقلّب الأوراق وتنظر إلى الكلمات بدون ترتيب، حتّى رأت عيناه، رأت الجنون الذي ينساق خلف هذه الصفحات تجاه روحة المتولّعة بما تفعله به.

هذا ليس فارس، هذا ليس فارس. تردد الكلمات وهي تقلّب الأوراق.

أغلقت الكتاب، في حيرة، وعيناها المترددة تروح إلى فارس، وإلى الكتاب. تقف من مكانها، ثم تذهب لترمي الكتاب على أرض الحمّام، أملاً بأن يبتعد الكتاب عنه ليخف ألمه، لكنّه ظل يصرخ، كما هو.

أمسكت برأسها، ثم وضعته على الأرض، سجوداً. حل الظلام على هيئة الحياة، وعلى مسمعها، الذي إكتض بصراخ ليس له بداية ولا نهاية. دعت، بقلب مشحون، وراحت في أبعادها، الباكية، والدامعة.

فزّت، ثم أمسكت بالكتاب، وبيدين مرتجفة، وبعقل غاب عن اللحظة، قطّعت الورقة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة. إنتزعت الأوراق كمن ينزع ماضيه، بغضب.

"يكفي يكفي يكفي!". تنزع الأوراق، وينخفض صوت فارس الذي بدئ كالطفل، يراجع أحزانه شيئاً فشيئاً لتعود له الإبتسامة. تتبعثر الأوراق في المكان، مبللّةً بالماء مع بعض من الدماء.

أصابعها المجروحة تقطّرت دماً، وتقطّرت دموع فارس، الذي جلس وحيداً يشعر بغيابه عن الدنيا، لحظة بلحظة، حتّى تقطّعت الأوراق كلّها.

ليغيب، للأبد.
 
بادئ الموضوع #6


قصة 2 .. كوكب أصفر












كانت تحلم باليوم الاخير لكوكبها وجنون البشر قد بلغ منتهاه ..
الصراع على البقعة الاخيرة الصالحة للحياة قد حولها لاطلال .. اصوات الانفجارات لا تتوقف ..
تعتلي المسرح لتؤدي اعظم واخر عروضها .. عبرها ستتجسد مأساة الانسانية ..
قصف عشوائي يدمر المسرح .. الجمهور حولها تحول لجثث مشوهة .. الدماء تغطي نصف وجهها
ورغم رعبها كانت تأبى التوقف .. تأمل لو تتبقى على الاقل الة تصوير واحدة تستمر بتصويرها لحتى النهاية ..


يوما ما في مكان ما كانت واثقة ان .........



.





بعد اسابيع من ضياعي بين الملفات الغريبة للكوكب البنفسجي وأنا احاول اخرج منها بقصة مفهومة
وصلتني مجموعة اخرى كنت انوي اتخلص منها ثم انتبهت للاسم الفضائي العجيب الذي لن اكتبه
ان المرسل هو نفسه العالم البنفسجي الهارب , ثم بسبب فضولي الغبي وجدت نفسي غارقة بين مجموعة كبيرة من بقايا مذكرات لشخصيات مخبولة
محتمل كانت السبب في حرب انتهت بتدمير كوكبهم الاصفر
ثم هو كوكب أصفر بما ان الناس الموجودة فيه كلها ببشرة صفراء


عموما الرسالة المكتوبة بخط يد العالم البنفسجي يحاول فيها توضيح اهمية تلك الملفات
لانها حسب كلامه الاثر الاخير المتبقي من تاريخ دمرته حرب امتدت لمئات السنين
وعبر تلك السجلات بامكاني حسب كلامه اكتشف اسرار اندلاع حرب صنعت اكبر مأساة في تاريخ كل المخلوقات العاقلة في الكون ودمرت كوكب بكامله
اما كيف يخاطبني في الحاضر ويروي لي عن احداث شارك فيها قبل قرون
فكنت وقتها غبية جدا لاتخيله مجرد عالم يسافر في الزمن بعدما شهد مأساة الكواكب السبعة







.






في مركز ابحاث سري على الكوكب الاصفر مختص بتطوير الروبوتات حظي العالم البنفسجي بمكانة مميزة
سببها خبرته الكبيرة في تجاربه على عقول البشر , ثم لان سمعته كانت تسبقه بصفته العالم الوحيد المتبقي من مجموعة علماء تسببت بتدمير كوكبها
نال اهتمام جميع المنظمات الاجرامية في الكون , وبشكل سري قدموا له كل ما يحتاجه للبدء من جديد على الكوكب الاصفر
صحيح أن تجاربه ابدا لم تكن مهمة ولا حققت اي نتائج تستحق الا ان الاشاعات غالبا اقوى من الحقائق المحبطة
ثم بما انها قصة قصيرة احاول اختصر رسالته الطويلة التي يروي فيها دوره في مأساة الكوكب الاصفر



في بداية رسالته يستمر يتذمر من لون البشرة الصفراء ويتعجب كيف يمكن للناس تتحمل لا يكون لونها بنفسجي
ثم بعدها يتذمر من الطقس البارد للكوكب , ثم يتذمر من غباء فريق العلماء الذي يعمل معه
ثم بعد قليل يعترف ان عبئ شهرته اكبر من امكانياته , ثم هو قلق لانه لا يثق بالنوايا الحقيقية للجهة المجهولة التي يعمل لصالحها
ولا لماذا ينفقون بسخاء في مشروع هدفه صنع ارادة حرة للروبوتات


عموما استمر في حالة الضياع الى ان التقى بعالم غامض اسمه اكثر اسم فضائي معقد اقرأه بحياتي فالافضل اختصره بالعالم الاسود
بما ان كل ملابسه سوداء ويرتدي قبعة ونظارة وقفازات سوداء
يصف العالم البنفسجي ان لقاءه مع هذا الغامض قد بدل حالته المكتئبة واعاد اليه شغفه كعالم وشعر اخيرا ان ابحاثه تتقدم


ثم جاء اليوم الذي قرر فيه العالم الاسود ان الطريق لصنع ارادة حرة في الروبوتات
يبدأ من جعل الحفاظ على وجود الروبوتات الاولوية الاولى لكل روبوت


ثم فسر ان رغبة البقاء التي سيتم زراعتها في الروبوتات ستكون البداية لصنع ارادة خاصة بهم وتصل بذكائهم الى مستوى قريب من مستوى الانسان العادي
مما سيحسن بشكل كبير من نوعية الخدمات التي ستقدمها للبشر


ورغم حماسة العالم البنفسجي وقتها لتلك الخطوة وهو يتخيل كم المكاسب التي سيجنيها مع الجهة التي يعمل لحسابها
لم يكن يدري انهم على وشك صنع أمة من الروبوتات سيأتي يوم تعتبر فيه البشر خطر يهددها وان بقاءها مرهون بإبادة البشرية






.





ليست متأكدة متى بدأت احلامها الغريبة عن نهاية العالم , محتمل لازمتها منذ تركت دراستها لتتوجه الى المسرح
امضت الجزء الاكبر من طفولتها وهي تتخيل نفسها على المسرح وكل العيون مسلطة نحوها وقد اتسعت انبهارا بها


في ليلة اداءها الاول عجزت عن النوم , دموعها تتساقط بلا توقف , وذكريات معاناتها في التدريب تأبى ان تفارقها
عانت كثيرا لتصنع لنفسها اسلوبا يميزها اكثر من مجرد تميز كانت تطمح لسرقة انتباه واهتمام كل من يتابعها وقتما تريد
كان لديها من الجرأة ما سمح لها بالتلاعب في النصوص , تحذف كلمات , تستبدل فقرات , تخترع جمل من رأسها , لتتمكن في النهاية من تطويع النص في الاتجاه الذي تريده
واثقة من ان قوة الاداء ستجبر الجميع على التغاضي عن عبثها بالنصوص


وعندما بدأت في اداءها الاول كان تأثيرها اقوى مما حلمت به , كل الانظار تعلقت بها , الجميع مدح ادائها .. انبهر بسرعة بديهتها
كتب احد النقاد ان حسن تصرفها وقتما تخذلها الذاكرة مع النصوص هي ما يميزها
والحقيقة ان ما كان يبدوا انها تفعله بتلقائية كان خلفه معاناة مريرة وطويلة بين الكتب القديمة تبحث فيها عن عبارات قوية تستبدلها بأخرى تشعر انها ستقلل من اداءها
اما فخرها في تلك الفترة كان مديحا وصفت فيه بأن ما تستبدله بسرعة بديهتها من عبارات تنساها اجمل واقوى في تاثيره من النص الاصلي


ثم لاني لا اعرف كيف انطق اسمها الفضائي بسميها الفتاة الصفراء بما انه لا يوجد فتاة اخرى غيرها في الاحداث





.






بعد سنوات طويلة بدا ان مشروع الارادة الحرة للروبوتات قد وصل إلى نهايته
فكل التجارب فشلت في صناعة روبوت واحد يمكن وصفه بالذكاء , كلها روبوتات معوقة اذكاها من يعتقد ان الحركة واستهلاك الطاقة خطر على حياته
فكان يجمد نفسه حتى تنفذ الطاقة تلقائيا عندها يعتبر تجربة فاشلة بما انه فشل في الحفاظ على حياته ويرمى به في ساحة الخردة


في ذلك الوقت ظهر روبوت اغبى من المعتاد في كل امر يوجه له يقوم بتصرفات خرقاء وينفذ اوامر بعيدة كل البعد عما يطلب منه
يهدر طاقته بغباء كأنه يحاول الانتحار بدل الحفاظ على حياته , بعد ساعات قليلة من التجارب تم التخلي عنه على اعتباره من افشل النماذج التي ظهرت
لكن احدا لم ينتبه وقتها ان تصرفاته اقرب لشخص يتظاهر بالغباء من لو انه غبي فعلا


جمد الروبوت نفسه بين الخردة لفترة كان عقله خلالها يعمل بربع طاقته مما منحه شعورا بالاسترخاء والسلام يختلف بشكل كبير عن شعور التوتر والخوف حين كان عقله يعمل بكل طاقته ليحافظ على حياته من البشر
احس وقتها بكراهية كبيرة تجاه البشر فلولاهم لاستطاع الحياة للابد بلا قلق او خوف على حياته



ثم كان اول ما فكر فيه بعد فراره البحث عن بقعة خالية من البشر يحيا فيها بسلام
استقر مؤقتا في منطقة صحراوية بالقرب من المدينة التي صُنِعَ فيها
ثم بنى لنفسه بيتا صغيرا وأخذ يمضي حياته بلا قلق , وعندما تبدأ طاقة بطاريته بالانخفاض كان يتسلل الى المدينة ويبحث عن مصدر لشحن طاقته
ثم في احدى المرات انكشف امره وطاردته الشرطة على اعتباره روبوت مجهول يقوم باعمال تخريبية


عاد الروبوت لبيته بعد المطاردة وقد ادرك ان حياته مهددة بشكل كبير , افزعه ان احتمال موته بلغ في تلك المطاردة نسبة اكبر من نسبة نجاته
لحظات ثم اصابه الهلع وهو يتخيل مصادفات اكثر قادرة على انهاء حياته في لحظة
انهيار مبنى فوق رأسه , سقوطه في الماء , يحاصره حريق او أن تعثر عليه شرطة البشر ويحولونه لخردة


كانت رغبته المجنونة للحفاظ على حياته حفزت عقله للعمل بأضعاف طاقته الممكنة
ثم بدأ يدرك الحقيقة التي لا مفر منها , فمهما بذل جهده في الحفاظ على حياته في لحظة ما ستنتهي .. مئات الاعوام او مجرد ثواني فالنتيجة لن تتغير


عندها انتبه لمعنى اكبر واعمق للبقاء , فكما البشر رغم حياتهم القصيرة استمروا بالوجود اراد ان يتحول هو الاخر لامة لها وجودها
تتكاثر بمعدل يفوق معدل فناء افرادها , ارض خاصة بالروبوتات ومصانع لانتاج افرادها
ثم عندها لن يكون مهما نوع المصادفة التي ستنهي وجوده طالما ان وجوده سيستمر مع كل جيل يتم انتاجه من الروبوتات


بهذه النتيجة هدأ عقله وشعر لاول مرة بهدوء وراحة لم يجربها من قبل فاخيرا تعلم كيف يمكنه الحفاظ على وجوده للابد





.





من بعد عرضها الاول حظيت الفتاة الصفراء مع فرقتها ببعض الشهرة
ومن حين لآخر كان الصحفيون وبعض مراسلي المجلات الفنية يحضرون عروضهم التدريبية


كانت تكره التدريبات والمسرح شبه الخالي من الجمهور , تشعرها المقاعد الشاغرة بالاختناق
منذ طفولتها احبت مراقبة اوجه الناس , تتأمل أعينهم , تغير ملامحهم , التبدل في تعبيراتهم
ورغم صغر عمرها بدأت تدرك الثنائية في تعبيرات البشر تفرق بين الضحكة الحقيقية والمفتعلة , الغضب والتظاهر بالغضب , الطيبة التي تخفي الشر , والكره المختبئ خلف نظرة الحب المزيفة


ومع مرور الزمن يشتد غضب أمها وهي تنهاها عن تحديقها بالناس , اكثر من مجرد سلوك معيب كانت تكره فضول طفلتها
تعتبر سرعة اختلاطها بالناس اسرع طريقة لجلب المشكلات
بالنسبة للفتاة الصفراء كانت ترى مجمل افكار امها عن الحياة ان الفتاة الطبيعية اما تكون خجولة او تتظاهر بالخجل



كبرت اكثر وانصرف اهتمامها الى الافلام , احبتها وفي ذات الوقت كانت هوايتها مع التحديق في اوجه الناس تفسد عليها المتابعة
أعين الممثلين دائما تخرب اعظم المشاهد , ما ان تتأثر بمشهد حتى يختفي تأثرها وهي تنظر لعين المؤدي فتراها تفضحه وتظهر تصنعه


لو كانت وقتها اكبر لوصفتهم بعديمي الموهبة , لكنها خرجت بنتيجة ان التمثيل تافه
ثم حدث ان بدلت رأيها بعدما رأت فيلما استطاعت بطلته ان تسحرها باداءها
لحتى ان اداءها في احد مشاهده الكئيبة جعلها تبكي حتى جفت دموعها بمجرد النظر في أعين بطلته
يومها لامست سحر الفن فكان قرارها الذي عانت من تبعاته لفترة طويلة ان تركت دراستها وكرست حياتها للمسرح





.




كانت الفترة التي اشتهرت فيها الفتاة الصفراء واحدة من اسوأ فترات الكوكب على الاطلاق
كوارث طبيعية , مجاعات , امراض منتشرة في اغلب مدن الكوكب والناس في المدن الرئيسية حانقة وتعيش حالة من التوتر والقلق


في ذلك الوقت ظهر صحفي شاب ادعى انه يملك الحل لكل مشكلات الكوكب
وخلال سلسلة مقالات طويلة استمرت لعدة اشهر استطاع احداث ضجة كبيرة رغم السخرية التي واجهتها مقالاته في بدايتها
ثم جاءت الاوامر للصحيفة بوقف تلك المقالات بسبب ان الاوضاع على الكوكب لا تتحمل الاضطرابات التي تحدثها , بعدها انتهى الامر بالصحفي وقد تم نقله لقسم الفنون والازياء في الصحيفة


اما مجمل افكاره في تلك المقالات
ان البشر اما فاسدون او لديهم القابلية للفساد , والنتيجة ان الفساد دائما سينتصر
ثم يفسر لماذا لا يكون البشر صالحون ولديهم القابلية للصلاح , فالسبب ان الفساد يحقق مصلحة الفرد والصلاح يحقق مصلحة المجتمعات , والانسان بطبيعته يميل لمصلحته الخاصة , بعدها كان الحل الذي يطرحه يتلخص في ان البشر يجب يعهدوا بكل قوانينهم وتنظيماتهم ومبادئهم الى الروبوتات لتكون المسئولة عن تطبيقها ومحاسبة من يخالفها


كان يطالب بصنع منظومة شاملة من الروبوتات تدير وتنظم للبشر حياتهم , ولان الروبوتات لا تملك ارادة حرة كالبشر فهي غير قابلة للفساد و
بانشاء تلك المنظومة سيتحقق حلم البشر في مجتمع مثالي تنتهي فيه كل مشاكلهم


استمر الجدل حول اراءه لعدة اشهر ثم نسيها الناس وانشغل هو بعمله الجديد الممل

لاحقا ستقوم جهة ما مجهولة بجمع تلك المقالات في كتاب تحت عنوان العالم الجديد وتوزيعها سرا بين الناس وستكون الشرارة التي ستشعل سلسلة من الحروب التي لن تنتهي حتى تدمر الكوكب بكامله






.




في بقعة صحراوية شديدة الحرارة مهملة على الكوكب لا يعيرها البشر اي اهتمام اختار الروبوت جعلها نواة مجتمعه
ثم بجهد استمر لسنوات صنع ما يشبه محطة صغيرة تتكون من مصنع ومركز صيانة وبيوت صغيرة
اعتمد على الشمس لتأمين مصدر طاقة متجدد وانتج اول جيل روبوتات مكون من ستة روبوتات
ثلاثة منها مهمتها التعدين والثلاثة الاخرى تدير المصنع ومركز الصيانة


وخلال سنوات تحولت المحطة لقريه صغيرة كل ما فيها يدار بدقة ولقب نفسه بالروبوت الزعيم ومهمته وضع الخطط اليومية والروبوتات الاخرى تنفذها
والمهمة الاخرى نسخ خبراته للزعيم الذي سيحل محله اذا حدث وصادف ان فقد حياته باي طريقة
كانت من اولويات نظامه الدقيق هي ضمان وجود زعيم يملك كل خبرات الزعماء من قبله ليضمن تطور مجتمعه واستمراره من بعده


مرت سنوات أخرى ومجتمع الروبوتات يتطور , لكن الروبوت الزعيم كان لديه ما يقلقه
لاحظ ان معدل تطورهم في السنوات الاخيرة اقل من المعدل في السنوات الاولى رغم ان مواردهم اصبحت افضل وعددهم بازدياد
مع الوقت ادرك المشكلة فكلما تطور مجتمعهم شعرت الروبوتات بالاسترخاء اكثر وعملت بطاقة أقل


عاودته ذكرياته القديمة وكيف كان عقله يعمل بقوة وفاعلية حين كان يخشى البشر , وكيف تغيرت حاله بعدما اختبئ في ساحة الخردة
قلقه يزداد وهو يفكر ان مجتمعه المسالم يتآكل من داخله ويتقدم بثبات نحو فناءه
ادرك ان الامة التي صنعها تفتقد الى الحافز , لا تملك المبررات الكافية لوجودها وتراودها اسئلة بلا اجابة عن سبب وجودها والغاية من سعيها للبقاء
حتى هو لا يعرف اجابة ترضيه , ويحزنه ان يرى اثر تلك الاسئلة في كل روبوت نزع بطاريته وتخلى بارادته عن حياته


في ذلك الوقت عكف الروبوت الزعيم على تشغيل عقله بكل قوته لفترات طويلة رغم خطورة ذلك على حياته بحثا عن اجابة لتلك الاسئلة
لكنه سيتأخر كثيرا وسيأتي من يسلبه امته الوليدة ليغير بها مصير الكوكب الاصفر






.



مع كل عرض كانت الفتاة الصفراء تزداد شهرة , ومع تطور اداءها المستمر حظيت باهتمام كبير من النقاد
كانت عبر موهبتها في قراءة اوجه الحضور واكتشاف ما يريده تنجح دائما في اشعال حماسة جمهورها وإرضاءه


وفي احد ايام تدريباتها التقت بالصحفي الذي ستتحول حياتها بسببه الى مأساة
لفت انتباهها بنظرته الشاردة غير المهتمة بما حولها , لفافة التبغ في فمه والدخان الذي ينثره من حوله بدا لها الشيء الوحيد الذي يستمتع به
حتى هي شعرت باستمتاع وعينيها تتابع طريقته الساحرة في التدخين


رفع عينيه ببطئ نحوها احست بنظرته تسلبها ارادتها ومشاعر مبهمة تكتسحها
للحظة تمنت لو تتجاهل كل ما حولها وتقترب منه , فيما بعد وامام جثته المشوهة ونظرتها الاخيرة المودعة ستتسائل عن سر تلك المشاعر التي ولدت في لحظة لتدفعها الى نهاية العالم ولازالت تدفعها الى ما بعد النهاية حيث المأساة الاخيرة للكوكب










.




هي نصفها الثاني احتاج انقله من الهاتف بس لانها طويلة فكرت اضيفها في مرتين
 
التعديل الأخير:
#7
أنا يلقبوني بمسافر الأزمان، الإنسان المستحيل.

أظن ذلك؟ لا أعرف، فظنون الناس وأفكارهم تختلف عبر مرّ السنين، لكن ما أعرفه، وما أنا متأكد منه، بأن حياتي مستحيلة، أسطورية، خرافة، ضربً من الجنون!.

لا أعرف لماذا أكتب هذه الكلمات ..

لا أعرف لماذا إرتاح خاطري تجاه القلم، وتجاه هذه الكتابة. عدت بالزمن إلى الوراء، إلى الألفية الأولى، لكي أمسك بهذا القلم، لكي أريح أعصابي، ونفسي، تجاه هذه الورقة، الحنونة، بمنظرها الأبيض الذي لايدل على أي شيء ..

لكن، ماذا أكتب؟ وماذا أقول؟

في تارة، أريد أن أكتب عن الأيام، عن لحظاتها السعيدة، والحزينة، لكن .. ما أكثر هذه الأيام، وما أكثر هذه اللحظات. وفي تارة، أجدني مسحوراً في ذكريات الحب، والعشق، والنساء، وقصص الغرام، التي إنتهت قبل أن أكتفي منها. وفي تارة، أريد أن أكتب عن الموت، عن رغبتي الحقيقية، بالموت.

فمالذي سأكتبه، ومالذي سيجنيه الناس من قرائتهم لي؟

لا أعرف ..

،،

أتذكر، في مرة، في ذكرى، من ذكريات الحياة، وجدت إنساناً عاد إلى الحياة، من بعد موته.

كنت مواجهاً لفتاة صغيرة بجانب أخوها الصغير، بعمر خمس سنوات، ينظرون إلى أعلى جدارهم المظلم ويحكون من خلاله، بخيالهم الفسيح المتلذذ بتعقيد الأمور، قال الطفل:"دعينا نغني الأغنية بهدوء، سيخرج الوحوش الآن! أنظري!".

بدأت أغنيتهم، وبدئ الخوف يسيطر على أناملهم، الصغيرة، المرتجفة. في أيديهم الكثير من الورقات، الملونة، والمكتوب عليها عبارات كثيرة إنطوى عليها حس الرمزية، والإستدعاء. كانت قلوبهم سعيدة بما يحدث، سعيدة بما يجاري كذبهم، وتزييفهم. إرتعب الطفل مما رأى، أو ترائى، ثم صرخ، وذهب بعيداً عن أخته، التي جمدت بمكانها وهي تتسائل:"أين هي الوحوش؟ لم أرى شيئاً!". كانت الفتاة .. هي العاقلة.

إنتقلت بعدها إلى زمنٍ آخر، إلى ذلك السرير، إلى ذلك الإنسان الراقد على فراشه، بثبات وسلام ينتظر موته، الذي سيصل إليه بعد ثلاث سنوات من الآن.

بجانبه غرفة منيرة، فيها ثلاث من الأشخاص الملتمين على أنوارٍ أخرى أضافت على الغرفة طابع الإيمان، والسكينة. يتمتمون بكلماتهم، وصلواتهم، العابدة، المستنيرة، بطريق الآخرة.

لم أكن مستوعباً لما يجري، لكنني أدركت، بعد أزمانٍ أخرى من هذا الزمن، بأن صلواتهم تابوتية، الديانة التي آمنت بإيجاد الروح، وإيقاضها، بعد ممات الإنسان. لم أكن مهتمّاً في لحظتها، لأنني أدري، وأؤمن، بأن الله واحد، ولا شريك غيره.

نظرت إلى تعابير وجوههم، إلى رغباتهم، التي إنطوت على إيمانهم القويم. ينظرون إلى النور، وكأن النور هو الحاكم، هو المسيطر، على قوانين الحياة، والممات. تمتمتهم مغنّاة، وصاحبهم، الميّت، بقي راقداً على فراشه، ينتظر بزوغ روحه، وعودتها، كإستحالة بزوغ عيناه، مرةً أخرى.

سمعت أحاديث، من هناك. كنت متخفيّاً، بطبيعة مسافر الأزمان، أنظر، وأستمع، قبل أن أحضر بنفسي .. ما إذا أردت ذلك. قال أحدهم:"هل ستعود الروح قريباً؟"، رد الآخر، السمين، الذي بدئ على وجهه علامات الإمتعاض من هذه الصلوات البائسة:"أرجو ذلك".

"روحه هناك، في جسده. ماهو المغزى من عودة الروح ما إذا لم يكن ميّتاً أصلاً؟". قال الرجل الواقف، المطالع. رد الشخص النحيف، الجالس، الذي سأل سؤاله الأول، بعينين، آملة:"سكتة دماغية، هو في عداد الأموات الآن".
 
#8
قرأت قصتك منذ فترة ونسيت أن أعلق. ما انتبهت له هو أنكِ كثيرًا ما تتجاوزين ذكر بعض الأحداث لسبب أنها طويلة أو أمور من هذا القبيل، أفضل لو تجاوزتِ ذلك من الأساس بدل ذكره بشكلٍ صريح للقارئ، إن لم تكن لكِ نية في الحديث عنه، فلما تذكرينه؟ لأنه غالبًا يولد الكثير من الفضول، لكن ذلك جميل أيضًا، يُظهر أنه حتى والقصة قصيرة لديكِ فكرة عن خلفية الشخصيات وبناء العالم وما إلى ذلك.

القصة نفسها قد تكون مثيرة لمحبي الخيال العلمي، وأظنه من أصعب الأنواع، لا يوجد كتاب عرب في هذا المجال إلّا قلة قليلة، سواء في الرواية أو القصة، لذا هنيئا لك. آمل حقًا أن تطوري مهاراتك، أعتقد أنكِ قادرة عل الوصول لنتيجة جميلة.

كل التوفيق :)
 
بادئ الموضوع #9
قرأت قصتك منذ فترة ونسيت أن أعلق. ما انتبهت له هو أنكِ كثيرًا ما تتجاوزين ذكر بعض الأحداث لسبب أنها طويلة أو أمور من هذا القبيل، أفضل لو تجاوزتِ ذلك من الأساس بدل ذكره بشكلٍ صريح للقارئ، إن لم تكن لكِ نية في الحديث عنه، فلما تذكرينه؟
شكرا ان كتبت رأيك
في نقطة هي بتضح مع بقية القصص بس بوضحها
ان يوجد فارق بيني وبين الراوية لان راوية الاحداث نفسها جزء من القصة في القصة الاولى هي تروي الاحداث باستهتار لانها بنسبة كبيرة لا تصدقها فتشوفها تحاول تختصر اوتتجاوز الاحداث في القصة الثانية تشوفها اكثر جدية ومن البداية لمحت انها جزء من الاحداث هو بشكل عام هي 7 قصص قصيرة كلهم يتكلموا عن 7 كواكب تعرضت للدمار لاسباب مختلفة بس يوجد رابط بجمع القصص هو في الاخير بتضح الجزئية اللي تجاوزتها في القصة الاولى بس هنا انا كنت احتاج اتجاوزها لحتى لا احرق شيء مهم في القصة اريده يستمر في السبع قصص
 
#10
ما أجمل القصص القصيرة. وما أصعب الطويلة الي تحتاج قوة ذهنية خارقة عشان تعرف تربط القصص القصيرة ببعض فيها.
 
#11
كان أخوها، فارس، يعاني من التوحّد.

كانت الدنيا تركض، وتلهو، وتلعب، وتتراقص، بحسٍ يداعبه في كل لحظة. كانت الأرض متقلبة، غير ثابتة، في نظره، يمشي، على خطىً هادئة، خوفاً من السقوط.

مرضى التوحّد ينظرون إلى العالم، بتقلّب. تحضنهم الدنيا على كف الهوى، واللعب، لتصبح الأراضي متبدّلة، متبسمّة، بحس متغيّر، ومتحرّك، لايتوقف أبداً. الشمس، كانت الوحيدة الثابتة في نظره، ولهذا .. كان يرفع يديه إليها، تأمّلاً، ورغبة.

كانت الشمس عنوانه الثابت، والآخرون، بكل مافيهم من أشياء، متحرّكون. بدأت الحياة في عينيه كالحلم، الصاخب، المليء بالمرايا، والأوجه المتعددة.

في حين الحيرة، والقلق، وإصطعاب الأمور، يرفع رأسه إلى السماء، مطالعاً للشمس، لإبتسامتها، فائقة الوضوح، التي تنظر فيه، وتحضنه، بثبات حالم، يطغى على رغباته كلّها.

كانت دنياه سعيدة، متحرّكة، وكان الآخرون، الطبيعيون، محبطون، في حياةٍ ثقيلة، لم تتحرّك إلا بسنواتها، التي إن تقدّمت، أزعجت ماضيهم، وإن تأخرت، أزعجت حاضرهم.

،،
 
#12
بعد العديد من التجارب، المختلفة والمقطعة، ها أنا أقدم أول قصة كاملة لي هنا.

أرجو أن تنال على إعجابكم وحسن ظنكم!




البداية


أنا يلقبوني بمسافر الأزمان، الإنسان المستحيل.

أظن ذلك؟ لا أعرف، فظنون الناس وأفكارهم تختلف عبر مرّ السنين، لكن ما أعرفه، وما أنا متأكد منه، بأن حياتي مستحيلة، أسطورية، خرافة، ضربً من الجنون!.

لا أعرف لماذا أكتب هذه الكلمات ..

لا أعرف لماذا إرتاح خاطري تجاه القلم، وتجاه هذه الكتابة. عدت بالزمن إلى الوراء، إلى الألفية الأولى، لكي أمسك بهذا القلم، لكي أريح أعصابي، ونفسي، تجاه هذه الورقة، الحنونة، بمنظرها الأبيض الذي لايدل على أي شيء ..

لكن، ماذا أكتب؟ وماذا أقول؟

في تارة، أريد أن أكتب عن الأيام، عن لحظاتها السعيدة، والحزينة، لكن .. ما أكثر هذه الأيام، وما أكثر هذه اللحظات. وفي تارة، أجدني مسحوراً في ذكريات الحب، والعشق، والنساء، وقصص الغرام، التي إنتهت قبل أن أكتفي منها. وفي تارة، أريد أن أكتب عن الموت، عن رغبتي الحقيقية، بالموت.

فمالذي سأكتبه، ومالذي سيجنيه الناس من قرائتهم لي؟

لا أعرف ..

،،

أتذكر، في مرة، في ذكرى، من ذكريات الحياة، وجدت إنساناً عاد إلى الحياة، من بعد موته.

كنت مواجهاً لفتاة صغيرة بجانب أخوها الصغير، بعمر خمس سنوات، ينظرون إلى أعلى جدارهم المظلم ويحكون من خلاله، بخيالهم الفسيح المتلذذ بتعقيد الأمور، قال الطفل:"دعينا نغني الأغنية بهدوء، سيخرج الوحوش الآن! أنظري!".

بدأت أغنيتهم، وبدئ الخوف يسيطر على أناملهم، الصغيرة، المرتجفة. في أيديهم الكثير من الورقات، الملونة، والمكتوب عليها عبارات كثيرة إنطوى عليها حس الرمزية، والإستدعاء. كانت قلوبهم سعيدة بما يحدث، سعيدة بما يجاري كذبهم، وتزييفهم. إرتعب الطفل مما رأى، أو ترائى، ثم صرخ، وذهب بعيداً عن أخته، التي جمدت بمكانها وهي تتسائل:"أين هي الوحوش؟ لم أرى شيئاً!". كانت الفتاة .. هي العاقلة.

كانت لحظة من لحظات الأزمان العابرة، إنتقلت من بعدها إلى زمنٍ آخر، إلى ذلك السرير، إلى ذلك الإنسان الراقد على فراشه، بثبات وسلام ينتظر موته، الذي سيصل إليه بعد ثلاث سنوات من الآن.

بجانبه غرفة منيرة، فيها ثلاث من الأشخاص الملتمين على أنوارٍ أخرى أضافت على الغرفة طابع الإيمان، والسكينة. يتمتمون بكلماتهم، وصلواتهم، العابدة، المستنيرة، بطريق الآخرة.

لم أكن مستوعباً لما يجري، لكنني أدركت، بعد أزمانٍ أخرى من هذا الزمن، بأن صلواتهم تابوتية، الديانة التي آمنت بإيجاد الروح، وإيقاضها، بعد ممات الإنسان. لم أكن مهتمّاً في لحظتها، لأنني أعرف، وأؤمن، بأن الله واحد، ولا شريك غيره.

نظرت إلى تعابير وجوههم، إلى رغباتهم، التي إنطوت على إيمانهم القويم. ينظرون إلى النور، وكأن النور هو الحاكم، هو المسيطر، على قوانين الحياة، والممات. تمتمتهم مغنّاة، وصاحبهم، الميّت، بقي راقداً على فراشه، ينتظر بزوغ روحه، وعودتها، كإستحالة بزوغ عيناه، مرةً أخرى.

سمعت أحاديث، من هناك. كنت متخفيّاً، بطبيعة مسافر الأزمان، أنظر، وأستمع، قبل أن أحضر بنفسي .. ما إذا أردت ذلك. قال أحدهم:"هل ستعود الروح قريباً؟"، رد الآخر، السمين، الذي بدئ على وجهه علامات الإمتعاض من هذه الصلوات البائسة:"أرجو ذلك".

"روحه هناك، في جسده. ماهو المغزى من عودة الروح ما إذا لم يكن ميّتاً أصلاً؟". قال الرجل الواقف، المطالع. رد الشخص النحيف، الجالس، بعينين، آملة:"سكتة دماغية، هو في عداد الأموات الآن".

كان لبس الرجل النحيف خاشعاً، خالياً من المادّة، بلونها الأزرق التام الذي يمثّل الصفو، والنقاوة، التي يعيشها هؤولاء المؤمنين. كان قدومه، وإستماعه، مفاجئاً للجالسين، الذين نظرو إليه بعين التعذّر، والإستسماح.

من هناك، في الجهة المقابلة، كانت هنالك فتاة، ذو شعر طويل أطل على وجهها. تجلس على الكرسي، ونظرات عينيها نازلة إلى الأسفل، بأنتظارٍ قطّع عروق وجهها، وجعلها خالية الروح. تسمع صلواتهم، وتروح في آمالها وأبعادها، وتخيلاتها وذكراها.

إقتربتُ منها، ومن المرأة المسنّة التي جلست بجانبها. أمسكت المسنّة بيديها، لتسألها، بتلطف، وبإبتسامة، سبقتها أحاديث طيّبة وناصحة:"كيف عرفتم بعضكم البعض؟". ردّت، بذكريات، أعادت إليها بعضاً مما كان فيها:"لقد كان يكتب شعره، ويرسله لي، دائماً. سافر إلى بلادٍ أخرى، وعاش في عالم إيمانه، وعباداته. لم أكن قادرة على الذهاب هناك ..".

غطّت في بكائها الحارق، والنادم، ليستزيد بي الشوق للعودة بالزمن مرةً أخرى، لرؤية ماضي هذا الرجل، الذي لم تعد تنفعه صلواته، وإيمانياته، الباطلة.

،،

نقطة إيضاح.

أنا لا أستطيع أن أغير الأزمان إلى أحداثٍ أخرى. أعرف، جالت بكم خواطركم نحو القصص التي تقرؤونها، نحو الترفيه الذي يزيّف لكم قدرة المسافر على تغيير الماضي، وتغيير الحاضر. لكنني مسافر للأزمان، وأقول لكم، لاوجود لهذا الشيء.

الزمن واحد، المسار واحد. كل شيء يروح إلى أمره، وإنتهائه. الزمن في نظرتي كالأحلام في نظرة النائم، يسافر، ويرى، حالات الناس المختلفة، والغريبة، كالجالس على جنبات الطريق.

المختلف، هو أن الأحلام تتغيّر، وتحضر، بأمري، بينما النائم، يلاقي أحلامه بمحض الصدفة. في الحقيقة .. ليس لدي علم ما إذا كانت بمحض الصدفة أم لا، لستُ مسؤولاً عن ذلك

،،

واجهتني الجدران، والأنوار، الكثيرة.

في زاوية المكان، الواسع، والفارغ، كان هنالك رجل يقرأ كتابه، يتفحص، في عالمه الذي أخذه بعيداً عن هذه الأنوار الساطعة. مددت كفي عن سطوع النور، وناظرت في حالته، الثابتة، والعائمة.

نجوت من حرقة الشمس، والأنوار، حينما جائت إطلالة تلك الفتاة الجميلة، القمر، الذي أجبر الليل على الحضور. جائت بإبتسامة تشفي الغليل. جلست على الكرسي، المجاور لصاحبها، وفي صورة فنّية تمثّل الحب بأحلى صفاته، تلوي من رأسها الناعم، ومن نظراتها القاتلة، إلى عينيه القارءة، لتضفي عليه بعضاً من الجمال، والواقع، الذي لن يجده في صفحاته هناك.

كانت عينيها باحثة، وساكنة، في حبها وإطمئنانها لذلك الرجل. كانت كالعطر، الفوّاح، الذي زاد زمنها هذا معنىَ ومكانه. تُرى .. هل هذه الفتاة التي رأيتها عند مماته؟ يالقسوة العمر، والسنين!.

جلت بناظري نحو الملصقات والرسوم الكثيرة، المترامية على أطراف الغرفة الفسيحة. كانت الغرفة أشبه بمعبد الأفكار، والتخيلات. الوان كثيرة، أجساد ملتوية، على جنبات عدّة. تعرّي، وجمال فاحش، وكتب مصفوفة كانت كالقواعد التي تأسست عليها هذه المظاهر.

"سأسافر، غداً". سمعته يقولها.

أعدت ناظري إليهم، إلى ملامحها البيضاء التي تكوّرت، وتفحّمت، ليصبح وجهها المشرق حزيناً بفعل كلماته. نظرت فيه بعين الكره، والملامة. قالت، بعدما وقفت وتحرّكت بعيداً، بعنفوان:"مالذي يجري؟! ماهذه الديانة التي أخذت عقلك وجنونك؟!".

مال برأسه إلى أوراقه، كميل الرجال الدائم، حينما تحضر نقاشات الأزواج المتكررة لآلاف المرّات. بصمت، عم على المكان، إبتسم، بهدوء وطمأنينة لم أرى مثلها في آلاف السنوات التي مضيتها، وقال:"لاعليك".

لقد كانت كلماته، وإبتسامته، كالماء التي أطفت حرقة لهيبها وقلقها. إستسلمت لهذه النية، والطيبة، أدارت بخطواتها إلى الوراء، إلى المكان الذي جائت منه، ثم إختفت، في كهف وحدتها.

عاد إلى أوراقه، إلى حنينه، شغفه، الذي يعيشه في كل لحظاته. ناظر في ورقته بثبات عاد إلى عشقه، إلى إدمانه، وأنا ذهبت إلى غرفة تلك الجميلة، إلى ساحرة العيون، التي راحت من هنا، إلى هناك.

دخلت، إلى جمالٍ إستوى على المرايا المتمثلة من أمامها. منحنية، تنظر إلى أسفل المرايا، لا لنفسها. عينيها غارقة بالدموع. ناظرت هي إلى جانبي، بسرعة خاطفة إلى نسمة الحركة، إلى صوت دخولي، إلى حماسي الذي أظهر صوتاً طفيفاً في جنبات غرفتها. ظنّت بأنه الهواء، أو حركة النافذة .. كظنون الناس أجمع في مثل هذه اللحظات المستحيلة.

كانت تبكي. لم أنظر إليها بعد ذلك، بل نظرت إلى كمٍ من السجادات المطرزة الموضوعة على جوانب الغرفة، والنوافذ، وكأنما كانت جدران هذه المنزل عيوناً متزيّنة، كأراضي القصور! هنالك عبادات، صلوات، تطرّزت، لتصبح قويّة المعنى، والتأثير، على مؤمنيها.

هنالك أوراق مبعثرة، أشعار كتبت من أجلها. هذه الفتاة تحترق بفعل كل ذكرياتها الدفينة في غرفتها، بفعل كل هذه الكلمات التي أنجبها ذلك الرجل، من أجلها. لم يكن لديهم أطفال، أطفالهم كلمات، وتعابير، وأشعار، وألفاظ، وأوراق.

أخذت هي كأساَ فارغاً من على جانب مكتبتها، سكبت الماء، ثم شربت، ببعض من الهلع والإستعجال، والإرتباك. ناظرت في جوانب مكتبتها، ثم إلى الدرج. فتحته، أمسكت بقطعة قماش مليئة بالبودرة البيضاء، ثم وضعتها بتردد على كأس الماء، ثم راحت في خطاياها، وذنوبها.

ظهرت من الغرفة بسرعة، بخطوات متفاوتة إلى الرجل، الذي ظل جالساً هناك، بموسيقى أشعلت الجو. لأول مرّه أسمع هذه الموسيقى، في حياتي الزمنية كلّها. موسيقى وحدانية، تمثل طبع، وإعجاب هذا الشخص، للغريب، والعجيب.

راحت، وجلست بجانبه، أعطته كأس الماء، وبقبلة ساحرة، وشيطانية، شرب الرجل مائه، وبسعادة وسكون، قال لها:"شكراً".

يقولون، في زمانٍ مضى .. أجمل النساء أكثرهم فتكاً وقتلاً لإيمان الرجال. أتفق .. هنا.

،،

عدت إلى الحاضر، الماضي، لأقابل الجالسون المتسائلون، والمؤمنون، مجدداً.

المصلّون، والمنادون لروح الميّت، يهزّون كؤوساً فارغة، بضربات الزجاج التي أثارت صوت الغرفة الساكنة بالإيمان. كانت ضرباتهم مترددة، وكأنهم يناجون، بلغةٍ مجهولة، روحاً أفاقت من ذلك الجسد.

كانت تمتمهم حروف، وكلمات متضادّة. فيها من ذكريات القبر، والموت، والحياة، والذكريات. كانت نغمات الزجاج الأجمل حرفاً ومعنى مابين كلماتهم ونغماتهم الميّتة، الخالية من الشعور، بإزعاجها المتكرر، وكأنها تصيح، وتتضاحك. على صلواتهم المستحيلة، والمتخيّلة.

ظهرت الفتاة، مجدداً، بعد خروجها من الحمام. عادت، ليعود إشراق العمر إلى الغرفة، ليغيب صوت الزجاج عن خاطري، وعن خاطر البقية. كبرت في السن، وأصبح همّها ظاهراً على وجهها، متعلّقاً، بذنوبها وخطايها، ونواياها القاتلة.

كانت حزينة، حزينة المظهر. لم تتزيّن، ولم تتعدّل، لتظهر بمظهر المقتولة، والمرحومة، في هذه الحال. جلست على كرسيّها، كرسي الأكاذيب والألاعيب، لتضع يدها بيد المسنّة، التي راحت في أبعاد حنّيتها، إغوائها، ورحمتها المغتصّة بدموعها.

قال كبير المؤمنين، بعد أن توقّف صوت الزجاج للحظات:"إذكرو الميّت بما يحبّه". قالها، متوقعاً إستيعاب البقية. بقيت نظراتهم فيه، نظرات الريبة والغرابة. قامت الفتاة من كرسيها، الوحيدة التي فهمت طلبه، لتذهب إلى مشغّل الموسيقى.

الموسيقى الوحدانية .. عادت إلى الحياة.

دندنت الموسيقى في زوايا وأركان الغرفة، ليناظر الجالسون أعالي الجدران، والثنايا، وكأنما ظهرت ملائكة الغناء فرحاً، وإبتهاجاً. راحت تخيلاتهم، وأفكارهم، فيه، وفي ماضيه، لتعود النظرات إلى جسده.

حنّت القلوب، وعادت ذكرى الميّت إلى الوجود. لم أكن سعيداً بهذه اللحظات، فقد كانت صادقة، حقيقية، على عكس ماسبقها من لحظات أخرى. إختفيت من هذا الزمن، لأذهب إلى المستقبل، إلى لحظات موته، إلى آخر أيامه.

،،

"لقد تلقيت إتصالاً منه". يقولها كبير المؤمنين.

كانو جالسين، بخشوع، وبإنصات لا مثيل له. يتربعون على سماعهم لآخر كلمات الميّت، التي ستظهر الآن، من لسان هذا المؤمن.

أنا؟ مسافرً للأزمان، ولا أستطيع أن أحكم ما إذا كانت كلماته صادقة، أم كاذبة. الرجل سيموت في هذه الليلة، هذه الحقيقة التي أعرفها، لكن ماذا عن بقية التفاصيل؟ لست مسؤولاً عنها، مثلما أني لست مسؤولاً عن الأحلام أيضاً.

"يودعكم بحرارة، وبمحبة. لقد كان يكتب شعره طوال لحظات سكونه، وإستماعه لصلواتنا الربانية. كان يكتب عن الموت، وحكايا الموت، حتى أنه انشأ كتاباً كاملاً بفضل الثلاث سنوات التي عاشها في عقله!".

"لقد كان صوته مطمئناً. سألته: هل أنت خائف؟ قال لي: لا، أنا مستعد للموت تماماً، فقد تقبلته، وتقبلني، من أولى الأيام. كان يتبسم بعد كل إجابة، على الأقل .. هذا ماشعرت به في أثناء حديثه".

"لم أرغب بأن أثقل عليه الأسئلة، لكنه بدا ناعماً، متنعماً، في حسه، ولطافته. قال لي: الموت يطرق أبوابه على نفسي. أحببت أن أودعكم في ليلتي هذه. أنا سعيد، وراضي!".

"لاتخافي، لن أحزن على مافعلتيه، فألم الفراق كان موجعاً، وقاتلاً لي، لكن .. الم الإدمان، والعزلة، والكآبة، أشد وطأً علي. لقد بحثت عن الإيمان في سبيل أن أجد نفسي، بعدما غيّبت بفعل الملذات، والخطايا. إستمتعنا بالملذات، جميعاً .. لوحدنا! لكن متعتي زالت، وإيماني أعاد في نفسي شيئاً مما فقدته".

راحت الأوجه اللائمة، والمتسائلة، في عين زوجته، التي غصّت في الوجود كالتي ضاقت عليها الجدران من كل جهة. ناظرت في أعينهم، التي ثبتت حتّى في ظل كلمات المؤمن، المتواصلة، والمتعثرة، التي لم يسمعها أحد:

"لم يكن إختياري لإيماني صحيحاً، ولا لعباداتي .. لقد إقترفت خطئاً كبيراً".

إختفيت، من هذا الزمن، لكي أذهب إلى زمنٍ آخر، إلى قصةٍ أخرى.

،،

أنا الذي تحدّثت مع كبير المؤمنين، وأنا الذي قلت كلماتي السابقة. هددته بغضب الآلهة، إن لم يذكر كلماتي الأخيرة!

نعم، أستطيع أن أتحدّث مع الناس، وأعبّر، ونعم، أستطيع أن أغيّر من الأزمان إلى أحداثٍ أخرى. لمَ أخذتو حديثي السابق بهذه الجدية؟ لقد كنت مازحاً!