لو أكتب قصة قصيرة ..

بادئ الموضوع #1






منتصف الليل .. صوت خطوات واثقة يتردد صداه على سطح ناطحة سحاب .. يختلط بصوت دقات الساعة العملاقة المثبته أعلاها والمطلة على المدينة ..
يستقر البطل واقفا بثبات على قمة الساعة .. تشتد الرياح وتتطاير عباءته .. الثانية عشر .. تدق الساعة .. يقفز البطل ..
يدوي الهدير .. يهبط بعنف فتهتز المدينة بأكملها ..
عندها كان اللصوص والقتلة وكل انواع المجرمين يتجمدون في أماكنهم ثم ينقض البطل كالصاعقة ليحصدهم ويعيد الامان للمدينة ..

ورغم ان القصة رواها احد المشردين ولم تذكر في اي سجلات الا انها استمرت بالانتشار لعقود طويلة ..



.






عبر الشاشات وفي كل مكان كان يتم بث مشهد لحريق عنيف يلتهم مبنى ضخم مكون من طابقين يقع على اطراف المدينة ..
ثم مذيعة بلون بشرة بنفسجي كانت تعلق بغضب واستنكار وقلق ورعب واستياء ..

ثم بسبب لون بشرتها فمحتمل انها مذيعة فضائية والحريق في كوكب اخر بعيد عن الارض ..
ثم لحتى اختصر هي كانت تحاول تعبر خلف الشريط الاصفر لتنقل صورة اوضح لما يحدث , لكن رجال الامن منعوها لان المكان خطر ولان المبنى يخص جهة سرية ما تابعة للجيش
ثم هي ظلت تعترض لانها مواطنة جيدة وتدفع ضرائب ومن حق من يدفعها يقترب من المباني التي تحترق ولا يمنعه احد ....... ووو الخ ....





.





في الصباح يستيقظ رجل ببشرة بنفسجية يضع يده على بطنه ويتلوى من الألم ..
في العادة كان ليبدو مجرد رجل مصاب ببعض البرد لكن الرجل رغم الامه كانت ابتسامة فخورة ترتسم على وجهه ..
هو تقريبا بحسب ذكرياته كان للتو عاد من مهمة انقاذ خارج الكوكب
وبعد نجح في مهمته التي لا يتذكر تفاصيلها بشكل جيد انفجرت سفينته فور وصوله لكوكبه
ثم لانه بطل نجى من الانفجار الذي يتذكره بشكل جيد اكثر من اللازم .. ثم هو مقتنع ان آلام بطنه سببها الحريق داخل سفينة الفضاء ..
عموما حياته يمكن تلخيصها في انه بطل خارق يحمي مدينته ثم اشتهر لحتى اصبح يحمي الكوكب كله ثم اصبحت الكواكب الاخرى تطلب مساعدته ..

ثم لأنه ببشرة بنفسجية هو الاخر فمحتمل ان احداث القصة كلها تدور في كوكب اصحاب البشرة البنفسجية هذا ..
ثم لاني مجرد راوية لقصة وصلتني بطرق سرية معقدة فالمفترض من يقرأ لا يعتمد على استنتاجاتي ويحاول يفهم الاحداث اكثر بمفرده ..


على أي حال هو الان مثل اي بطل في الصباح لابد ان يتأقلم مع دوره كرجل عادي امام العامة ..
بدل ملابسه وخرج متوجها لعمله .. صوت ارتطام عنيف .. شعر بان الشارع كله يهتز .. حلقت الطيور مبتعدة وركض قط صغير مختبئا اسفل سيارة ..
احس البطل بشيء مخيف يحدث لكنه تمالك نفسه لحتى يتقن دوره كرجل عادي ثم اكمل سيره ..

لا شيء في العالم اجمل من السير , هكذا شعر ونسمات باردة تضرب وجهه برفق بينما قطرات رقيقة من المطر تتساقط على الطريق ..
تصطدم ببركة ماء صغيرة .. طفل على دراجته يفقد توازنه ويسقط امام امرأة عجوز جالسة تنتظر احدهم .. تنهض وتحاول مساعدته ..
طفل اخر يركض وتتبعه طفلة اخرى تصرخ به ليعيد لها الشيء الذي اخذه منها ..
أم تجر عربة طفلها تنحرف العربة بعد احتكت بشق على الطريق .. يبدأ الطفل في الصراخ وتحاول هي تهدئته ..

يكمل البطل سيره .. يمر بمبنى احمر اللون بشكل يتعارض مع كل المباني البيضاء من حوله .. مبنى غريب على الاغلب مهجور ..
كان يشعر انه يوما ما سيقتحمه ويكتشف علماء مخابيل بداخله يطورون اشياء مخبولة على وشك تدمر العالم
ثم في الاخير سيحرق كل شيء ويدمر المبنى لينقذ العالم . .


توقف عن التفكير بعد وصل لمقر عمله ..
عموما لاختصر عمله الذي يستمر لحتى الغروب كان شيء مثل ترتيب اوراق لا يعرف من اين تأتي
ثم يختمها ويضعها في ملفات ليأتي من يأخذها ولا يعرف اين يذهب بها ..
ثم بعد عمليات تبادل الاوراق اللانهائية عند الغروب انتهى دوامه ..

يسير البطل عائدا الى بيته .. ينعطف لأحد المطاعم .. ينتهي من الاكل ويكمل سيره بعدما غربت الشمس ..
امرأة تصرخ لأن لصا سرق حقيبتها وركض بعيدا .. لا اراديا انطلق البطل خلفه .. ثواني وتوقف البطل وهو يلهث بشدة ..
ارتجف هلعا بعد بدأ يشعر بشيء ما غير طبيعي في جسده .. في العادة يتذكر انه بخطوة واحدة كان يمكنه يمسك باللص ..
ثم اخذ يقنع نفسه ان الحريق هو السبب ويحتاج فقط لبعض الراحة ويعود جسده كالسابق ..
وصل اخيرا للبيت .. فعل الاشياء التي يفعلها اي شخص يقيم بمفرده وانا لسوء الحظ لم اجرب اقيم لوحدي من قبل لحتى اصفها ..
المهم انه اخيرا نام وانتهى يومه ..








.





في احد الاوراق تقرير طويل اشعر بالملل لو انقله
ولأن لا اريد اضيع وقت من يقرأ بختصره انه عن اختفاء عالم مخبول كان يعمل في المنشأة التابعة للجيش
وبعد الحريق لم يُعثر عليه ولا على جثته والتقرير يتكلم في اغلبه عن احتمالية ان العالم المجنون جاسوس يعمل لحساب كوكب معادي
ونهايته يروي سيرة ذاتية للعالم لا احتاج اكتب عنها لان كلها اسماء فضائية معقدة عن اسم عائلته ومدرسته وجامعته وزوجته وووو .... الخ ..





.







نوبات الألم رعب مستحيل على الناس العادية تفهمه ..
عندما لا تدري متى تبدأ النوبة التالية .. كم من الوقت ستتحمل حتى تتخلى عن كبريائك وتتوسل طلبا للمساعدة التي غالبا لا تأتي ..

كانت الفتاة البنفسجية مع تجاربها المذهلة للمستشفيات حول العالم قد تعلمت الدرس بقسوة ..
لا يمكنها ان تهزم الالم .. مهما تحاملت على نفسها .. مهما حاولت ان تحتفظ بكبريائها ..
في الاخير ستضعف ..
ستتوسل لأي كان ليساعدها رغم يقينها بأن لا احد بامكانه يخفف عنها ..

ومؤخرا ادركت انه لا جدوى وان مصيرها لن يتغير مهما تمسكت بالامل ..
فليحدث ما يحدث فلم تعد تخشى الموت ..

في السابق كانت لا تدري سر تلك الدموع الساخنة التي تبلل خديها بعدما تنتهي نوبة الألم ..
مع الوقت ادركت انها دموع كبريائها المحطم .. دموع تتوسل للألم .. ترجوه ببؤس ..
ارجوك ايها الالم لا تأتيني امام الشخص الوحيد في الكون الذي لن اتحمل الحياة للحظة لو نظر نحوي بشفقة ..

عموما ماتت الفتاة البنفسجية بعد أيام قليلة , لكن قبل موتها محتمل انها تسببت بكارثة فكنت مضطرة اصف حالتها في ايامها الاخيرة قبل اروي ما حدث ..






.





في الصباح التالي استيقظ البطل ..
كان يشعر بألم شديد في بطنه .. في العادة كان ليبدو مجرد شخص مصاب بالبرد لكن الرجل رغم الامه كانت .........


هو احاول لا اكون مملة لكن ما حدث معه في الصباح السابق سيظل يتكرر لاربعة عشر يوما بنفس التفاصيل ..
يخرج من البيت .. صوت الارتطام .. الطيور تبتعد .. القط يختبئ .. الطفل يسقط من على دراجته ..
العجوز .. الطفلان .. الأم وطفلها .. المبنى الاحمر الغريب .. العمل .. المطعم ... لص الحقيبة .... ووووو الخ ...

المدهش ان المشهد امامه في الصباح ممتلئ بالتفاصيل التي تتكرر يوميا ثم هو احتاج لعشرة أيام لحتى انتبه ان شيء غريب يحدث ..
عموما لنتركه يستمتع بتلك الايام الهادئة لأن كوكب اصحاب البشرة البنفسجية كان يعيش لحظاته الاخيرة قبل الكارثة ..






.






يروي احد المشردين انه اثناء تجفيف غسيله على سطح احدى ناطحات السحاب
وبينما ينتظرها تجف ويشرب الشاي فوجئ بسفينة عملاقة تغطي الافق وملايين من رجال ببشرة زرقاء يهبطون من السماء بمظلات ....

عموما لاختصر وصف المتشرد تعرض كوكب اصحاب البشرة البنفسجية لغزو من اصحاب البشرة الزرقاء
وخلال ساعات استسلم الكوكب ثم بعد ايام كان الكوكب قد تحول لمصيف يزوره اصحاب البشرة الزرقاء للترفيه عن انفسهم ..
ثم نُظمت العلاقة بين البنفسجي والازرق بطريقة ملخصها مصلحة الازرق مقدمة على مصلحة البنفسجي
وطاعة اوامر اي ازرق واجبة على اي بنفسجي باستثناء هذا يسمح لاصحاب البشرة البنفسجية إكمال حياتهم كما اعتادوا ..

ثم بعد اسبوع تشكل اتحاد انقاذ الكوكب البنفسجي وقرروا طرد الغزاة الزرق في عملية تحت اسم القمر المكتمل حددوا موعدها ليلة اكتمال القمر ..



ورغم ان السجلات لم تذكر شيئا عن اتحاد انقاذ البنفسجيين هذا
إلا ان سكان الكوكب البنفسجي الى يومنا هذا يحتفلون بذكرى تأسيس الاتحاد ..






.






الغريب وانا ابحث بين الاوراق ومن بين السجلات القليلة التي دونت في تلك الفترة
لفت نظري حادثة غريبة عن كويكب ضخم اصطدم بالغلاف الجوي للكوكب البنفسجي
ثم تناثرت ملايين من اجزاءه على مسافات شاسعة في كل انحاء الكوكب مسببة كارثة عظيمة امتد اثرها لمئات السنين





.





بعدما انتبه البطل اخيرا انه عالق في يوم مستمر يتكرر بلا نهاية كلما استيقظ من نومه بدأ يفكر في حل يعيده لحياته العادية ..
كالعادة لأحتصر محاولاته هو بدأ اولا يجري حوارات مع الناس حوله لحتى تأكد انهم عاديين ..
بعدها قرر عدم النوم ففوجئ ان الصباح التالي بتفاصيل مختلفة لكن حين استسلم للنوم استيقظ في ذات الصباح لتتكرر نفس التفاصيل ..
جرب يسافر لمدينة اخرى ثم حين غلبه النعاس استيقظ مجددا في بيته ليبدا التكرار من جديد ..

اخيرا قرر فعل الشيء الواضح جدا من البداية ويقتحم المبنى الاحمر الغريب والمختلف عن كل المباني حوله ..
عموما بما انه بطل معوق او يعاني ازمة مؤقتة لا داعي لاروي كيف كان صعبا عليه يتسلق الاسوار ويدور حول المبنى ويبحث عن باب او نافذة تصلح للكسر ليدخل عبرها ..


في الاخير اقتحم المبنى وحين تأمل المكان بالداخل بدا وكأن ذكرى رهيبة قد عبرت امام عقله ..
يتذكر الالم .. يتذكر الصوت الهادئ العميق : أنت بطل ..

يركض .. يصعد الدرج يتعرقل ثم ينهض ويكمل ركضه يتوجه الى الغرفة الوحيدة في الاعلى ..
يدفع الباب بعنف .. وفي الداخل صعقه المشهد وتجمد في مكانه ..

لو أحاول اصف المشهد الذي صعقه .. غرفة مظلمة وظل لرجل يقف بجوار فتاة على كرسي متحرك ..
يلتمع ضوء البرق عبر الزجاج ثم للحظات تتضح ملامحهم ..
عجوز بنظرة شيطانية مرعبة وأعلى رأسه قبعة غريبة على شكل جمجمة ..
وعلى الكرسي فتاة بشعر كثيف يمتد ليصل الى الارض ..





.





من بين الاوراق عثرت على شهادة واحدة من اصدقاء الفتاة البنفسجية
تروي فيها تفاصيل زيارتها الاخيرة لها في المشفى قبل وفاتها بساعات قليلة ..

ملخص الرواية انها لم تشعر انها نفس الفتاة التي كانت تعرفها ..
صوتها .. نظراتها المخيفة .. ابتسامتها الساخرة من لا شيء .. شعرها الذي استطال اكثر من اللازم ..
ثم الاضواء التي كانت تنطفئ وتشتعل من تلقاء نفسها .. وفي الاخير تؤكد انها رأت النافذة في الغرفة يتحرك مزلاجها وتنفتح لوحدها ..

بعدها ذكرت انها لم تتحمل هذا الجنون وغادرت بسرعة من دون تودعها وصوت ضحكة مخيفة يتردد في اذنها ..






.





في رواية لم تؤكدها أي سجلات رسمية , يدعي احد المشردين بأنه التقى مع العالم الهارب منذ حادثة احتراق المنشأة التابعة للجيش ..
ولاني مصممه اختصر كل شيء بلخص روايته التي مفادها ان العالم كان يعرف انهم لن يتركوه وسيتخلصون منه
وكان يردد ليس من مصلحة احد تركه على قيد الحياة وان نهايته اقتربت ..

وبعد استمر يرثي نفسه , بدأ يثرثر بحماسة عن تجربته الناجحة التي استطاع فيها ان يحقق تجربة غسيل دماغ حقيقية تستمر للأبد , مكنته من استبدال ذكريات رجل عادي بذكريات رجل خارق
ويصف كيف استمرت التجربة لعام كامل كان يضع الرجل تحت تأثير عقاقير وعمليات تنويم مغناطيسي جعلته في حالة بين الوعي واللاوعي لمدة سنة ,
زرع خلالها ذكريات بطل خارق وصنع له احداثا لبطولات كاملة بكل تفاصيلها ..

ومشروع التجرية في الاساس كان الغرض منه البحث في امكانية تغيير قناعات البشر بشكل اجباري
بعدها كان من المفترض ان يتم اختطاف عينات من سكان الكواكب الاخرى المعادية وتحويلهم لجواسيس
بعد زراعة ذكريات وهمية تقنعهم بانتمائهم للكوكب البنفسجي ..


عموما يكمل العالم المخبول ان كل شيء كان يسير على ما يرام
الى ان تسبب عالم اخر اشتهر بلقب عالم الجمجمة بسبب قبعة الجمجمة التي يضعها على رأسه بافساد كل شيء ..
كان مخبولا اقنع المسئولين باختطاف فتاة مريضة واصر على انها الوحيدة على الكوكب التي تصلح لتجربته ..
لم يفهم احد كيف استطاع اقناع المسئولين بطلبه ولا كيف اقنعهم بتخصيص نصف ميزانية المنشأة لأجل بحثه ولا نوعية التجارب التي يجريها على الفتاة ..

بعدها يحكي العالم كيف قرر الجيش فجأة دون سابق انذار تدمير المنشأة بمن فيها واعتبار كل العاملين بها اعداء للكوكب يجب التخلص منهم ..
ثم اثناء هروب العالم اكتشف ان الجيش كان قد جن جنونه بعد عرض المسئولون في المنشأة عليه النتائج لتجارب عالم الجمجمة
للدرجة التي قرر فيها انهاء كل شيء الى الابد بعد اعتبروا تجاربه تهدد الحياة على الكوكب كله ..





.






كان البطل الان قد خرج من حلقة اليوم المفرغة التي استمر عالقا بها ..
كيف خرج ؟ محتمل حدث شيء بينه وبين عالم الجمجمة في المشهد الأخير لاقتحامه المبنى الأحمر
ثم لسوء الحظ لم يدونه احد ..

عموما هو خرج ليتفاجئ بشعب البشرة الزرقاء وقد سيطر على كوكبه ..
ظل يلوم نفسه معتقدا ان اختفاءة وتركه للكوكب بلا حماية قد تسبب في تلك الكارثة
لكنه هنا اخيرا وقد اختار ليلة اكتمال القمر بالذات ليبدأ عملية دحر الغزاة ..






.






منتصف الليل .. القمر المكتمل يتوهج من خلف الغيوم ..
صوت خطوات البطل المتعرقلة يتردد صداه على سطح ناطحة سحاب .. يختلط بصوت دقات الساعة العملاقة المثبته أعلاها والمطلة على المدينة ..

بالكاد يستقر البطل على قمة الساعة ويتشبث بها .. تشتد الرياح يصر على اسنانه ويحاول بصعوبة موازنة نفسه ..
الثانية عشر .. ترتجف قدمه .. تدق الساعة .. يستعيد ذكرياته وقتما كان يققز فتهتز المدينة بأكملها ويتجمد اللصوص من الخوف ..
رياح عنيفة تصدمه فتخرجه من ذكرياته .. يتردد البطل ..
يشعر بالدوار كأنه لم يعتد قط على المرتفعات .. تعاود الرياح الهبوب .. تنزلق قدمه ..
يفشل في كتم صرخته .. ثم وبعنف يسقط الى الاسفل ..





.







في رواية شائعة لدى سكان الأزقة ان يوم تحرير الكوكب البنفسجي كادت عملية القمر المكتمل التي نفذها اتحاد البنفسجيين تفشل
والسبب ان موكب قيادات الكوكب الازرق غير طريقه مصادفة ليتفادى الفخ الذي نصبه البنفسجيون ..
وبعد قرر اتحاد انقاذ الكوكب تأجيل العملية حدثت جلبة عنيفة وانتشر خبر مقتل قائد جيوش الكوكب الازرق
مما اعطى اتحاد انقاذ البنفسجيين زمام المبادرة وبدأوا هجومهم المعاكس الذي انتهى بانقاذ كوكبهم وطرد الشعب الازرق ..

اما كيف انقلبت الموازين فالقصة كما يرويها المشردون ان بطلا خارقا قد صعد بشجاعة لقمة احدى ناطحات السحاب
ثم قفز كالسهم مهاجما قائد الزرق مضحيا بحياته ليقضي عليه وينقذ كوكبه ..

وليومنا هذا ينسب العامة على الكوكب الازرق فضل تحرير كوكبهم لذلك البطل المجهول ..
غير ان السجلات الرسمية للكوكب لم تذكره قط لا هو ولا اتحاد الإنقاذ ذاك ..






.





يروي احد المشردين وكان قد قرر يمضي ليلته ويبيت على سطح احدى المستشفيات
ان الساعة كانت قد تجاوزت الثالثة صباحا حينما استيقظ على صوت خطوات ثقيلة لفتاة بنفسجية تسير بصعوبة ..
تدفع جسدها لليمين ثم لليسار في محاولة شاقة لتجبر جسدها على الحركة ..
تسير بتثاقل .. تضحك بجنون كأنها ساحرة تتقدم لمحرقتها ..


هو عموما المشهد مسرحي اكثر من اللازم ولا يصلح لقصة قصيرة فالافضل اتجاوز الفقرة التي ستظل تثرثر فيها عن مصيرها البائس والموت والحياة ..
بعدها استوقفتني فقرة تكلمت فيها عن الأبطال وما نفعهم فحتى لو وجد البطل الذي سينقذ العالم ما فائدته لو لم ينقذها هي ..
ثم ضحكت اكثر واكثر .. تساءلت بسخرية ما فائدة العالم بدونها وهل يستحق ان يبقى من بعدها ..
ثم عاودت ضحكاتها المخيفة التي ارعبت المتشرد ..


استمرت بسيرها .. تقدمت خطوات تجاه الحافة ..

بدأت سماء الليل تصطبغ بلون احمر مخيف ..

صعدت الفتاة على الحافة وهي مستمرة بضحكاتها الجنونية ..
تشتد الرياح فيتطاير شعرها فارع الطول ويهتز كعباءة بطل خارق ..

تضحك اكثر واكثر وتزداد السماء احمرارا ..
تفرد زراعيها ..

كتلة من اللهب العملاق تشق السماء وتغطي الافق ..

صوت انفجار عظيم .. تضحك الفتاة اكثر .. تتناثر ملايين الكتل الحارقة وتهوي من السماء حولها ..
اصوات اختراقها الغلاف الجوي يحجب ضحكات الفتاة ..

تهتز مع الرياح .. تهوي من الاعلى وصدى ضحكاتها يخفت حتى يتلاشى ..






عموما ذكرت سجلات المشفى ان الفتاة البنفسجية ماتت على سريرها في ليلة كارثة اصطدام الكويكب بالغلاف الجوي ..






 
التعديل الأخير:
#2
ماكانت لي أدنى نية لإقتباس جزء من قصتي الجديدة، بس بما أني وجدت هذا الموضوع، فراح أعتبره كالموضوع الرسمي للتجارب الكتابية القصصية للأعضاء .. إذا سمحتو لي طبعاً

هذي جزئية بسيطة من قصتي الجديدة، أتمنى تعجبكم


كانت مشاعل وردة. هكذا كانت تلقّب، ليس لأنها تشبه الوردة في شيء، بل لأنها تلبس الوردة في شعرها عادةً.

إختلطت الأسماء، فبدلاً من تسميتها بمشاعل أصبح الكثير يلقّبها بالوردة، البعض يتكلّف ليسميها "وردة الحياة"، فإبتسامتها حياة، وبعنوانها وردة، تعتلي وقوفها ومجيئها.

ظلّت وردة، أو مشاعل، حيّة كحياة الأطفال، سعيدة كسعادة الجاهل بالظلام. لكن، يقولون: كل سعادة يشاركها الحزن في شيء، يأتيان معاً، ويذهبان معاً، كالأصدقاء.

في ليلة ظلماء، ساكنة، بسكون منزل مشاعل، التي ظلّت ترقد في مكانها حتّى لمحت مجيء أمها. إقتربت من مسمعها ثم قالت:"تصبحين على خير". مشاعل مثّلت النوم، مثّلت عدم السماع، ولهذا بقيت في ثباتها، تتنفس روح أمها الطيّب، لتلمحها تبتعد، ومعها يبتعد ظلّها.

أمسكت بوردتها، بخصلات شعرها، لترجو في نظراتها نحو الغرفة، نحو زواياها وظلامها الساكن. أغمضت عيناها، لتسرح بعيداً في أفكارها. الحياة جميلة، والأحوال جيّدة.

شعرت ببعض من الحرارة. بدأت كحرارة دافئة، لطيفة. سحبت غطائها أكثر لتزيد اللطف لطفاً على نفسها، لكن سرعان ما أصبح اللطف متعباً، مرهقاً، صعب التنفس.

بدأت بالتعرّق، قطرة بعد قطرة. أبعدت الغطاء، وبنظرات تائهة رأت المكان منيراً وساطعاً، وحارّاً في نفس الوقت. البيت يحترق.

نظرت إلى كرسيها الصغير، إلى مراياها وصورها الموضوعة على جنبات الجدران، وكأنهم يصرخون. بدت الإشتعالات وكأنها أياديهم هم، يرفعونها إلى السماء أملاً بأن يُسمع ندائهم.

ركضت، إلى الباب، لكنّه كان مغلقاً. بدأ بالإشتعال شيئاً فشيئاً لتهرب منه إلى الجهة الأخرى من الغرفة، بهلع، تضرب جدران المكان، وبإستسلام، تتساقط عيناها الصغيرة نحو الأرض، نحو الظلام الذي أبرز النار وكأنها وحش، وحش يلتهم كل شيء. تدخل إلى الحمام، الملاذ الأخير، نظراتها إلى النافذة التي إعتلت طول جسدها الصغير. تنظر إلى النار، وبيدين عاجزة، تدفع نفسها إلى الخلف، إلى الأمان، الذي لم يعد له أي وجود.

ماما! بابا!

لم يتحرّك شيء، لم يجيء أحد لأنقاذها بفعل هذه الكلمات، كانت وحيدة، وحيدة للغاية، وماقتل وحدتها الكاملة هي وردتها، التي سقطت على الأرض، بعيداً هناك، وظلّت بإحتراقها وكأنها تبكي، بدموع حارّة، مؤلمة.

فقدت وعيها في تلك اللحظة، لتعود إلى الحياة مجدداً بعد بضع ساعات.

كان القمر مبتسماً. لا .. لم يكن القمر، بل كان فتىً وسيم، بدى وكأنه القمر. يضع يديه على الأرض وينحني بإتجاهها، لتظهر عيناه ببروز أزرق غطّى ظلام الليل من على المكان. يقول:"أهلاً بك. الحمدلله على السلامة".

صحت من مكانها، لتجد نفسها خارج المنزل، خارج المنزل الذي لم يعد منزلاً، بل أصبح قمامة، قمامة كبيرة توسّطتها الفجوات والإنهيارات. تحسست نفسها، ثم بوعي متأخر، سألت:"أبي! أمي!".

"لاعليك لاعليك". يضع يده اليمنى على رأسها. تتحرّك يده اليسرى سريعاً ليخرج من جيبه علبة عصير، أو .. حليب، حليب الموز. برقّة، يضع المزّاز بداخل الحليب، ليقدّمه بهدوء إلى فم مشاعل، التي إجترّت المزّاز حتّى ذاقت طعم الحليب.

كانت عطشاء، عطشاء الروح. كان الحليب أشبه بالعشق، بالحب، الذي إنتشلها من حالها المظلمة إلى أعالي السماء. كانت عينيها معلّقة على العلبة، حتّى أعادت نظرها إليه، إلى نفسه التي كانت موجودة، ومحسوسة. لا .. أين هو؟

راحت في عينيها باحثةً عنه، يميناً وشمالاً، لكنّه لم يعد موجوداً، إختفى وكأنه لم يكن. جائت خطوات تائهة من بعيد، وتلتها خطوات أخرى باحثة. إقتربت أكثر، ثم بصوت صارخ، ينادي:"مشاعل حيّة! حمداً لله".

جاء الناس ملتفّون حولها، وفي عيونهم فرحة، ودموع. تكاثر الحضن، وتكاثرت الكلمات والتعليقات:"أتركوها! أتركوها تتنفس!". كانت النساء الأكثر قدوماً وقرباً منها، والأكثر كلاماً ورقّة في إهتمامهم، وسؤالاً عن علبة الحليب، التي لم تعد محط إهتمامهم عندما تم رميها على الأرض بعيداً، بينما الرجال ذهبو ليجلبو المساعدة.

كانت في أعينهم سعادة، لكنّها بدت .. مزيّفة، وكأنهم يأسفون على حياةً أخرى تهالكت، مثلما تهالك المنزل بفعل النار. سمعت مشاعل كلمات كثيرة، لكن من بين جميع تلك الكلمات، كانت هذه الكلمة الوحيدة الصادقة التي أدركتها:

"كيف سنخبرها بذلك؟".​
 
#3
أحب الكتابة، وإن كان البعض يرى أن كتابة الرواية عملية سهلة فأنا أرى العكس، يصعب عليّ كثيرًا كتابة قصة قصيرة في عددٍ محدود من الأسطر بالشكل الصحيح، قرأت جزءًا من قصة @Bianca وسأعود لاستكمالها في وقتٍ آخر بإذن الله وأترك رأيي.

ليس عندي قصة أكتبها، عندي أفكار عديدة، لكن كلها على ما يبدو ستتحول لرواية لول
قد أشارك جزءًا من روايتي التي أنهيت بداية هذه السنة.
 
بادئ الموضوع #4
ماكانت لي أدنى نية لإقتباس جزء من قصتي الجديدة، بس بما أني وجدت هذا الموضوع، فراح أعتبره كالموضوع الرسمي للتجارب الكتابية القصصية للأعضاء .. إذا سمحتو لي طبعاً
عادي تعتبره للتجارب حتى انا فتحته لان اريد اشارك اول تجربة لي @@
 
#5
هذي القصة بمثابة الجزء الماضي، والحاضر، والفاصلة بالمنتصف تمثّل الإنتقال

طبعاً القصة مبهمة الأحداث، لكنها تمثل تسلسل متقدم من أحداث القصة إجمالاً. أتمنى تعجبكم








"مالذي يجعلك مهتمّة؟". فارس، يسأل مشاعل، وعيناه متّصلة بكتاب يقرأه.

كان سؤاله حول قصص الرعب، أو بمعنى أدق، إعجابها الغريب بقصص الرعب. أخبرته بذلك فجأة، لكن كعادة فارس، الإجابات القصيرة لاتعني له شيء، فالحقيقة طويلة، مخصصة، مفصّلة، وليست عامّة، في نظره.

"أحب الأشياء المرعبة، أراها منفذاً لمعرفة أنفسنا قبل معرفة مايُخفى علينا". تجيب عليه وتحرّك يديها بنظرات متفاوته من على زوايا المكان، متفكّرة بكلماتها وعباراتها لإختيارها بدقّة.

"لمعرفة أنفسنا؟". بنظرة طارفة من أعلى النظارة، وبإبتسامة عاد فيها إلى قراءة كتابه:"وكيف يحصل ذلك مشاعل؟".

"اسأل نفسك: مالذي يجعل القصص مخيفة؟ اليست تلك إجابةً للسؤال نفسه؟".

يغلق الكتاب، ثم يضعه بهدوء. ثم ينظر، تجاه السؤال، وتجاه عينيها، بإهتمام بدئ متأخراً:"الخوف يجعلنا نعرف أنفسنا بشكل أكبر؟".

فارس لايهتم بقصص الرعب، ولا يراها بمنظور مشاعل، التي إهتوت هذا النوع من الحكايا لتجيء إليه راغبةً بأن تقنعه بالقراءة. فارس ملخبط البال، فهو من ناحية لايهتم بهذه القصص، لكنّه يهتم بمشاعل، والأولى إهتماماً في هذا الوضع هي مشاعل.

يقول:"أترغبين بأن تخبريني بأن العالم في حقيقته مليء بالرّعب والخوف؟ إذا كان الأمر كذلك فماذا عن اليوم؟ لقد صحوت من نومي وجئت لهذا المكان من دون خوف ولا رعب. كيف تصبح هذه المخاوف الغائبة مصدراً للحقيقة الدائمة؟".

"همممم، لربما .. لربما كانت الحياة قائمة على إيجاد المخاوف؟".

"كالقفز الجوّي وتسلّق الجبال الشاهقة؟ نعم، هنالك أناس محبون لهذه الحياة الخاصّة. لكنّها ليست لي مشاعل، حتّى عبر الكلمات".

كانت عيناه مرتكزة عليها في مرّه، وعلى جانب آخر يمرّ من ورائها في مرّه أخرى. يقول، بعدما أوضحت عيناه تشتته السابق:

"هل رأيتي ذلك الكتاب؟". يؤشر بإتجاه كتاب وُضِع على الرف العلوي من الجهة اليمنى من المكتبة. ظهر الكتاب خجولاً، محضوناً بين الكتب الأخرى.

ترد:"الكتاب الأحمر؟".

"نعم، مايزيد الطين بلّه أن لونه أحمر أيضاً. ذلك الكتاب اشتريته منذ سنوات طويلة، لكنّه بقي هناك معلّقاً على ذلك الرف. لماذا؟ لإنني خائف".

"خائف من الكتاب؟".

"خائف من التجربة، من التفكير الذي سيجري فيني أثناء قرائته. أنا لا أخاف من أي شيء، بقدر ما أخاف من نفسي. هذا هو خوفي الأكبر في الحياة، لطالما كان هذا خوفي الأكبر في الحياة".

يكمل:"كل شخص كتب كتابه ووضعه في هذا المكان يقصد إقناعي بشيء ما، وأنا بإرادة الشغف، أو حمّى الحياة، عشقت هذه الفوضى العارمة في الآراء والتوجهات. ذلك الكتاب .. ذلك الكتاب بالذات، آراءه مرعبة".

"لقد سألت بائع الكتاب، مالذي سأجنيه من قرائتي لمثل هذه الصفحات؟ قال لي: وهل الحياة محدودة على صفحاتك التي تعرفها فحسب يا أخي؟ إستمرّ في رحلاتك، إستمرّ في قرائاتك!".

ترد، وترفع يديها إلى السماء، ممثّلةً لتصوّرها لرد البائع عليه:"إذاً .. إستمرّ في رحلاتك، إستمرّ في قرائاتك!".

"ومن الذي سيرتمي على سريره وحيداً هذه الليلة؟".

،،

حملت مشاعل الكتاب الأحمر، وبتقلّب مرتبك قلّبت أوراق وآلام فارس، وكأن جسده صفحةً بيضاء منزوعة الصدر، تهتوي يداها في قلبه لتحرّكه على جنباته.

لم تكن الكلمات مفهومة، ولا الصيغة أيضاً. ظهر الكتاب محدّثاً نفسه بنفسه، مليئاً بالألغاز والعبارات الغير معبّرة. تبدأ بعض الكلمات بطريقة، ثم تنتهي عند طريقة أخرى، لتسرع في إنتقالها إلى مفهوم آخر مختلف عمّا سبق. في أول صفحة ظهرت كلمة "دم" هنا، ثم إنتقلت إلى كلمة "الهواء"، وبتعابير بسيطة وصفيّة عن الهواء إنتقل الفكر إلى الأعصاب، العقل وتأثره بذلك، بمفهوم علمي محكّم ومدروس، ثم إلى .. الأطفال.

كان الكتاب يحكي مجرى الحياة بألوان مختلفة، ليعرّف الأشياء بمنظوره الخاص. صرخات فارس ظلّت بنفس نغمتها التي جعلت مشاعل تقلّب الأوراق وتنظر إلى الكلمات بدون ترتيب، حتّى رأت عيناه، رأت الجنون الذي ينساق خلف هذه الصفحات تجاه روحة المتولّعة بما تفعله به.

هذا ليس فارس، هذا ليس فارس. تردد الكلمات وهي تقلّب الأوراق.

أغلقت الكتاب، في حيرة، وعيناها المترددة تروح إلى فارس، وإلى الكتاب. تقف من مكانها، ثم تذهب لترمي الكتاب على أرض الحمّام، أملاً بأن يبتعد الكتاب عنه ليخف ألمه، لكنّه ظل يصرخ، كما هو.

أمسكت برأسها، ثم وضعته على الأرض، سجوداً. حل الظلام على هيئة الحياة، وعلى مسمعها، الذي إكتض بصراخ ليس له بداية ولا نهاية. دعت، بقلب مشحون، وراحت في أبعادها، الباكية، والدامعة.

فزّت، ثم أمسكت بالكتاب، وبيدين مرتجفة، وبعقل غاب عن اللحظة، قطّعت الورقة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة. إنتزعت الأوراق كمن ينزع ماضيه، بغضب.

"يكفي يكفي يكفي!". تنزع الأوراق، وينخفض صوت فارس الذي بدئ كالطفل، يراجع أحزانه شيئاً فشيئاً لتعود له الإبتسامة. تتبعثر الأوراق في المكان، مبللّةً بالماء مع بعض من الدماء.

أصابعها المجروحة تقطّرت دماً، وتقطّرت دموع فارس، الذي جلس وحيداً يشعر بغيابه عن الدنيا، لحظة بلحظة، حتّى تقطّعت الأوراق كلّها.

ليغيب، للأبد.
 
بادئ الموضوع #6


قصة 2 .. كوكب أصفر












كانت تحلم باليوم الاخير لكوكبها وجنون البشر قد بلغ منتهاه ..
الصراع على البقعة الاخيرة الصالحة للحياة قد حولها لاطلال .. اصوات الانفجارات لا تتوقف ..
تعتلي المسرح لتؤدي اعظم واخر عروضها .. عبرها ستتجسد مأساة الانسانية ..
قصف عشوائي يدمر المسرح .. الجمهور حولها تحول لجثث مشوهة .. الدماء تغطي نصف وجهها
ورغم رعبها كانت تأبى التوقف .. تأمل لو تتبقى على الاقل الة تصوير واحدة تستمر بتصويرها لحتى النهاية ..


يوما ما في مكان ما كانت واثقة ان .........



.





بعد اسابيع من ضياعي بين الملفات الغريبة للكوكب البنفسجي وأنا احاول اخرج منها بقصة مفهومة
وصلتني مجموعة اخرى كنت انوي اتخلص منها ثم انتبهت للاسم الفضائي العجيب الذي لن اكتبه
ان المرسل هو نفسه العالم البنفسجي الهارب , ثم بسبب فضولي الغبي وجدت نفسي غارقة بين مجموعة كبيرة من بقايا مذكرات لشخصيات مخبولة
محتمل كانت السبب في حرب انتهت بتدمير كوكبهم الاصفر
ثم هو كوكب أصفر بما ان الناس الموجودة فيه كلها ببشرة صفراء


عموما الرسالة المكتوبة بخط يد العالم البنفسجي يحاول فيها توضيح اهمية تلك الملفات
لانها حسب كلامه الاثر الاخير المتبقي من تاريخ دمرته حرب امتدت لمئات السنين
وعبر تلك السجلات بامكاني حسب كلامه اكتشف اسرار اندلاع حرب صنعت اكبر مأساة في تاريخ كل المخلوقات العاقلة في الكون ودمرت كوكب بكامله
اما كيف يخاطبني في الحاضر ويروي لي عن احداث شارك فيها قبل قرون
فكنت وقتها غبية جدا لاتخيله مجرد عالم يسافر في الزمن بعدما شهد مأساة الكواكب السبعة







.






في مركز ابحاث سري على الكوكب الاصفر مختص بتطوير الروبوتات حظي العالم البنفسجي بمكانة مميزة
سببها خبرته الكبيرة في تجاربه على عقول البشر , ثم لان سمعته كانت تسبقه بصفته العالم الوحيد المتبقي من مجموعة علماء تسببت بتدمير كوكبها
نال اهتمام جميع المنظمات الاجرامية في الكون , وبشكل سري قدموا له كل ما يحتاجه للبدء من جديد على الكوكب الاصفر
صحيح أن تجاربه ابدا لم تكن مهمة ولا حققت اي نتائج تستحق الا ان الاشاعات غالبا اقوى من الحقائق المحبطة
ثم بما انها قصة قصيرة احاول اختصر رسالته الطويلة التي يروي فيها دوره في مأساة الكوكب الاصفر



في بداية رسالته يستمر يتذمر من لون البشرة الصفراء ويتعجب كيف يمكن للناس تتحمل لا يكون لونها بنفسجي
ثم بعدها يتذمر من الطقس البارد للكوكب , ثم يتذمر من غباء فريق العلماء الذي يعمل معه
ثم بعد قليل يعترف ان عبئ شهرته اكبر من امكانياته , ثم هو قلق لانه لا يثق بالنوايا الحقيقية للجهة المجهولة التي يعمل لصالحها
ولا لماذا ينفقون بسخاء في مشروع هدفه صنع ارادة حرة للروبوتات


عموما استمر في حالة الضياع الى ان التقى بعالم غامض اسمه اكثر اسم فضائي معقد اقرأه بحياتي فالافضل اختصره بالعالم الاسود
بما ان كل ملابسه سوداء ويرتدي قبعة ونظارة وقفازات سوداء
يصف العالم البنفسجي ان لقاءه مع هذا الغامض قد بدل حالته المكتئبة واعاد اليه شغفه كعالم وشعر اخيرا ان ابحاثه تتقدم


ثم جاء اليوم الذي قرر فيه العالم الاسود ان الطريق لصنع ارادة حرة في الروبوتات
يبدأ من جعل الحفاظ على وجود الروبوتات الاولوية الاولى لكل روبوت


ثم فسر ان رغبة البقاء التي سيتم زراعتها في الروبوتات ستكون البداية لصنع ارادة خاصة بهم وتصل بذكائهم الى مستوى قريب من مستوى الانسان العادي
مما سيحسن بشكل كبير من نوعية الخدمات التي ستقدمها للبشر


ورغم حماسة العالم البنفسجي وقتها لتلك الخطوة وهو يتخيل كم المكاسب التي سيجنيها مع الجهة التي يعمل لحسابها
لم يكن يدري انهم على وشك صنع أمة من الروبوتات سيأتي يوم تعتبر فيه البشر خطر يهددها وان بقاءها مرهون بإبادة البشرية






.





ليست متأكدة متى بدأت احلامها الغريبة عن نهاية العالم , محتمل لازمتها منذ تركت دراستها لتتوجه الى المسرح
امضت الجزء الاكبر من طفولتها وهي تتخيل نفسها على المسرح وكل العيون مسلطة نحوها وقد اتسعت انبهارا بها


في ليلة اداءها الاول عجزت عن النوم , دموعها تتساقط بلا توقف , وذكريات معاناتها في التدريب تأبى ان تفارقها
عانت كثيرا لتصنع لنفسها اسلوبا يميزها اكثر من مجرد تميز كانت تطمح لسرقة انتباه واهتمام كل من يتابعها وقتما تريد
كان لديها من الجرأة ما سمح لها بالتلاعب في النصوص , تحذف كلمات , تستبدل فقرات , تخترع جمل من رأسها , لتتمكن في النهاية من تطويع النص في الاتجاه الذي تريده
واثقة من ان قوة الاداء ستجبر الجميع على التغاضي عن عبثها بالنصوص


وعندما بدأت في اداءها الاول كان تأثيرها اقوى مما حلمت به , كل الانظار تعلقت بها , الجميع مدح ادائها .. انبهر بسرعة بديهتها
كتب احد النقاد ان حسن تصرفها وقتما تخذلها الذاكرة مع النصوص هي ما يميزها
والحقيقة ان ما كان يبدوا انها تفعله بتلقائية كان خلفه معاناة مريرة وطويلة بين الكتب القديمة تبحث فيها عن عبارات قوية تستبدلها بأخرى تشعر انها ستقلل من اداءها
اما فخرها في تلك الفترة كان مديحا وصفت فيه بأن ما تستبدله بسرعة بديهتها من عبارات تنساها اجمل واقوى في تاثيره من النص الاصلي


ثم لاني لا اعرف كيف انطق اسمها الفضائي بسميها الفتاة الصفراء بما انه لا يوجد فتاة اخرى غيرها في الاحداث





.






بعد سنوات طويلة بدا ان مشروع الارادة الحرة للروبوتات قد وصل إلى نهايته
فكل التجارب فشلت في صناعة روبوت واحد يمكن وصفه بالذكاء , كلها روبوتات معوقة اذكاها من يعتقد ان الحركة واستهلاك الطاقة خطر على حياته
فكان يجمد نفسه حتى تنفذ الطاقة تلقائيا عندها يعتبر تجربة فاشلة بما انه فشل في الحفاظ على حياته ويرمى به في ساحة الخردة


في ذلك الوقت ظهر روبوت اغبى من المعتاد في كل امر يوجه له يقوم بتصرفات خرقاء وينفذ اوامر بعيدة كل البعد عما يطلب منه
يهدر طاقته بغباء كأنه يحاول الانتحار بدل الحفاظ على حياته , بعد ساعات قليلة من التجارب تم التخلي عنه على اعتباره من افشل النماذج التي ظهرت
لكن احدا لم ينتبه وقتها ان تصرفاته اقرب لشخص يتظاهر بالغباء من لو انه غبي فعلا


جمد الروبوت نفسه بين الخردة لفترة كان عقله خلالها يعمل بربع طاقته مما منحه شعورا بالاسترخاء والسلام يختلف بشكل كبير عن شعور التوتر والخوف حين كان عقله يعمل بكل طاقته ليحافظ على حياته من البشر
احس وقتها بكراهية كبيرة تجاه البشر فلولاهم لاستطاع الحياة للابد بلا قلق او خوف على حياته



ثم كان اول ما فكر فيه بعد فراره البحث عن بقعة خالية من البشر يحيا فيها بسلام
استقر مؤقتا في منطقة صحراوية بالقرب من المدينة التي صُنِعَ فيها
ثم بنى لنفسه بيتا صغيرا وأخذ يمضي حياته بلا قلق , وعندما تبدأ طاقة بطاريته بالانخفاض كان يتسلل الى المدينة ويبحث عن مصدر لشحن طاقته
ثم في احدى المرات انكشف امره وطاردته الشرطة على اعتباره روبوت مجهول يقوم باعمال تخريبية


عاد الروبوت لبيته بعد المطاردة وقد ادرك ان حياته مهددة بشكل كبير , افزعه ان احتمال موته بلغ في تلك المطاردة نسبة اكبر من نسبة نجاته
لحظات ثم اصابه الهلع وهو يتخيل مصادفات اكثر قادرة على انهاء حياته في لحظة
انهيار مبنى فوق رأسه , سقوطه في الماء , يحاصره حريق او أن تعثر عليه شرطة البشر ويحولونه لخردة


كانت رغبته المجنونة للحفاظ على حياته حفزت عقله للعمل بأضعاف طاقته الممكنة
ثم بدأ يدرك الحقيقة التي لا مفر منها , فمهما بذل جهده في الحفاظ على حياته في لحظة ما ستنتهي .. مئات الاعوام او مجرد ثواني فالنتيجة لن تتغير


عندها انتبه لمعنى اكبر واعمق للبقاء , فكما البشر رغم حياتهم القصيرة استمروا بالوجود اراد ان يتحول هو الاخر لامة لها وجودها
تتكاثر بمعدل يفوق معدل فناء افرادها , ارض خاصة بالروبوتات ومصانع لانتاج افرادها
ثم عندها لن يكون مهما نوع المصادفة التي ستنهي وجوده طالما ان وجوده سيستمر مع كل جيل يتم انتاجه من الروبوتات


بهذه النتيجة هدأ عقله وشعر لاول مرة بهدوء وراحة لم يجربها من قبل فاخيرا تعلم كيف يمكنه الحفاظ على وجوده للابد





.





من بعد عرضها الاول حظيت الفتاة الصفراء مع فرقتها ببعض الشهرة
ومن حين لآخر كان الصحفيون وبعض مراسلي المجلات الفنية يحضرون عروضهم التدريبية


كانت تكره التدريبات والمسرح شبه الخالي من الجمهور , تشعرها المقاعد الشاغرة بالاختناق
منذ طفولتها احبت مراقبة اوجه الناس , تتأمل أعينهم , تغير ملامحهم , التبدل في تعبيراتهم
ورغم صغر عمرها بدأت تدرك الثنائية في تعبيرات البشر تفرق بين الضحكة الحقيقية والمفتعلة , الغضب والتظاهر بالغضب , الطيبة التي تخفي الشر , والكره المختبئ خلف نظرة الحب المزيفة


ومع مرور الزمن يشتد غضب أمها وهي تنهاها عن تحديقها بالناس , اكثر من مجرد سلوك معيب كانت تكره فضول طفلتها
تعتبر سرعة اختلاطها بالناس اسرع طريقة لجلب المشكلات
بالنسبة للفتاة الصفراء كانت ترى مجمل افكار امها عن الحياة ان الفتاة الطبيعية اما تكون خجولة او تتظاهر بالخجل



كبرت اكثر وانصرف اهتمامها الى الافلام , احبتها وفي ذات الوقت كانت هوايتها مع التحديق في اوجه الناس تفسد عليها المتابعة
أعين الممثلين دائما تخرب اعظم المشاهد , ما ان تتأثر بمشهد حتى يختفي تأثرها وهي تنظر لعين المؤدي فتراها تفضحه وتظهر تصنعه


لو كانت وقتها اكبر لوصفتهم بعديمي الموهبة , لكنها خرجت بنتيجة ان التمثيل تافه
ثم حدث ان بدلت رأيها بعدما رأت فيلما استطاعت بطلته ان تسحرها باداءها
لحتى ان اداءها في احد مشاهده الكئيبة جعلها تبكي حتى جفت دموعها بمجرد النظر في أعين بطلته
يومها لامست سحر الفن فكان قرارها الذي عانت من تبعاته لفترة طويلة ان تركت دراستها وكرست حياتها للمسرح





.




كانت الفترة التي اشتهرت فيها الفتاة الصفراء واحدة من اسوأ فترات الكوكب على الاطلاق
كوارث طبيعية , مجاعات , امراض منتشرة في اغلب مدن الكوكب والناس في المدن الرئيسية حانقة وتعيش حالة من التوتر والقلق


في ذلك الوقت ظهر صحفي شاب ادعى انه يملك الحل لكل مشكلات الكوكب
وخلال سلسلة مقالات طويلة استمرت لعدة اشهر استطاع احداث ضجة كبيرة رغم السخرية التي واجهتها مقالاته في بدايتها
ثم جاءت الاوامر للصحيفة بوقف تلك المقالات بسبب ان الاوضاع على الكوكب لا تتحمل الاضطرابات التي تحدثها , بعدها انتهى الامر بالصحفي وقد تم نقله لقسم الفنون والازياء في الصحيفة


اما مجمل افكاره في تلك المقالات
ان البشر اما فاسدون او لديهم القابلية للفساد , والنتيجة ان الفساد دائما سينتصر
ثم يفسر لماذا لا يكون البشر صالحون ولديهم القابلية للصلاح , فالسبب ان الفساد يحقق مصلحة الفرد والصلاح يحقق مصلحة المجتمعات , والانسان بطبيعته يميل لمصلحته الخاصة , بعدها كان الحل الذي يطرحه يتلخص في ان البشر يجب يعهدوا بكل قوانينهم وتنظيماتهم ومبادئهم الى الروبوتات لتكون المسئولة عن تطبيقها ومحاسبة من يخالفها


كان يطالب بصنع منظومة شاملة من الروبوتات تدير وتنظم للبشر حياتهم , ولان الروبوتات لا تملك ارادة حرة كالبشر فهي غير قابلة للفساد و
بانشاء تلك المنظومة سيتحقق حلم البشر في مجتمع مثالي تنتهي فيه كل مشاكلهم


استمر الجدل حول اراءه لعدة اشهر ثم نسيها الناس وانشغل هو بعمله الجديد الممل

لاحقا ستقوم جهة ما مجهولة بجمع تلك المقالات في كتاب تحت عنوان العالم الجديد وتوزيعها سرا بين الناس وستكون الشرارة التي ستشعل سلسلة من الحروب التي لن تنتهي حتى تدمر الكوكب بكامله






.




في بقعة صحراوية شديدة الحرارة مهملة على الكوكب لا يعيرها البشر اي اهتمام اختار الروبوت جعلها نواة مجتمعه
ثم بجهد استمر لسنوات صنع ما يشبه محطة صغيرة تتكون من مصنع ومركز صيانة وبيوت صغيرة
اعتمد على الشمس لتأمين مصدر طاقة متجدد وانتج اول جيل روبوتات مكون من ستة روبوتات
ثلاثة منها مهمتها التعدين والثلاثة الاخرى تدير المصنع ومركز الصيانة


وخلال سنوات تحولت المحطة لقريه صغيرة كل ما فيها يدار بدقة ولقب نفسه بالروبوت الزعيم ومهمته وضع الخطط اليومية والروبوتات الاخرى تنفذها
والمهمة الاخرى نسخ خبراته للزعيم الذي سيحل محله اذا حدث وصادف ان فقد حياته باي طريقة
كانت من اولويات نظامه الدقيق هي ضمان وجود زعيم يملك كل خبرات الزعماء من قبله ليضمن تطور مجتمعه واستمراره من بعده


مرت سنوات أخرى ومجتمع الروبوتات يتطور , لكن الروبوت الزعيم كان لديه ما يقلقه
لاحظ ان معدل تطورهم في السنوات الاخيرة اقل من المعدل في السنوات الاولى رغم ان مواردهم اصبحت افضل وعددهم بازدياد
مع الوقت ادرك المشكلة فكلما تطور مجتمعهم شعرت الروبوتات بالاسترخاء اكثر وعملت بطاقة أقل


عاودته ذكرياته القديمة وكيف كان عقله يعمل بقوة وفاعلية حين كان يخشى البشر , وكيف تغيرت حاله بعدما اختبئ في ساحة الخردة
قلقه يزداد وهو يفكر ان مجتمعه المسالم يتآكل من داخله ويتقدم بثبات نحو فناءه
ادرك ان الامة التي صنعها تفتقد الى الحافز , لا تملك المبررات الكافية لوجودها وتراودها اسئلة بلا اجابة عن سبب وجودها والغاية من سعيها للبقاء
حتى هو لا يعرف اجابة ترضيه , ويحزنه ان يرى اثر تلك الاسئلة في كل روبوت نزع بطاريته وتخلى بارادته عن حياته


في ذلك الوقت عكف الروبوت الزعيم على تشغيل عقله بكل قوته لفترات طويلة رغم خطورة ذلك على حياته بحثا عن اجابة لتلك الاسئلة
لكنه سيتأخر كثيرا وسيأتي من يسلبه امته الوليدة ليغير بها مصير الكوكب الاصفر






.



مع كل عرض كانت الفتاة الصفراء تزداد شهرة , ومع تطور اداءها المستمر حظيت باهتمام كبير من النقاد
كانت عبر موهبتها في قراءة اوجه الحضور واكتشاف ما يريده تنجح دائما في اشعال حماسة جمهورها وإرضاءه


وفي احد ايام تدريباتها التقت بالصحفي الذي ستتحول حياتها بسببه الى مأساة
لفت انتباهها بنظرته الشاردة غير المهتمة بما حولها , لفافة التبغ في فمه والدخان الذي ينثره من حوله بدا لها الشيء الوحيد الذي يستمتع به
حتى هي شعرت باستمتاع وعينيها تتابع طريقته الساحرة في التدخين


رفع عينيه ببطئ نحوها احست بنظرته تسلبها ارادتها ومشاعر مبهمة تكتسحها
للحظة تمنت لو تتجاهل كل ما حولها وتقترب منه , فيما بعد وامام جثته المشوهة ونظرتها الاخيرة المودعة ستتسائل عن سر تلك المشاعر التي ولدت في لحظة لتدفعها الى نهاية العالم ولازالت تدفعها الى ما بعد النهاية حيث المأساة الاخيرة للكوكب










.



لو اتجاوز هنا الكثير من التفاصيل خصوصا ان القسم الاكبر من مذكرات الفتاة الصفراء تقع في عامين تحديدا فترة معرفتها بالصحفي
وقتها كانت يوميا وبنهاية تدريباتها تلتقيه في المسرح
وبعاداته التي لا تتغير يجلس شارد الذهن يدخن وبين فترة واخرى يدون ملاحظاته الغامضة في مفكرته


ذات يوم سألته عن سبب جلوسه لوقت متأخر بعد التدريبات لينتظرها سبب حضوره لتدريبات فرقتها بالذات
رد باختصار وببساطه ان تلك الدقائق يكلمها فيها تشعره بالسعادة
محتمل فكرت ان سبب سعادته هي انها الوحيدة ربما التي يمكنها تتحمل ثرثرته المملة عن الروبوتات وهوسه بها لكنها كانت مقتنعة وقتها وفخورة انها بهذه الاهمية بالنسبة له


في المرة الاولى التي صادفته فيها وحيدا في المسرح بعد التدريبات وبسبب فضولها قررت تلعب هي دور الصحفي
واستمرت تسأله عن سبب حضوره المنتظم رغم عدم اهتمامه الواضح بالمسرح
يومها اخبرها بقصته كصحفي واستمر يشرح لها نظريته عن الروبوتات التي دونها في مقالاته وكيف انتهى به الامر في قسم الفنون


كان لديها بعض الذكريات الضبابية عن ضجيج تلك الفترة والناس تتجادل بشأن صلاحية الروبوتات لقيادة البشرية
لكنها لاول مرة انتبهت ان كل هذا كان سببه فقط مقالات يكتبها شخص واحد


ومع انها كانت تنفر بشدة من فكرة ان روبوت غبي يوما ما قد يتحكم بمصيرها اخفت رأيها امامه
وكانت في كل مرة يحدثها عن الروبوتات تكتفي بتعليقات بلا معنى مثل الروبوتات لطيفة واحب الروبوتات الصغيرة






.




في تلك الفترة كان كتاب العالم الجديد قد انتشر بشكل مفاجئ في كل انحاء الكوكب
وظهرت الاف المجموعات في كل مكان تطالب بتسليم قيادة البشرية للروبوتات
صحيح ان الكتاب في اغلبه مكون من مقالات ذلك الصحفي الا ان الكتاب بنى عليها تصور اعقد واكثر تعصبا لشكل العالم الذي ستسوده الروبوتات



فمثلا في نهاية الكتاب فصل بعنوان مستقبل البشرية يتكلم عن السبيل الوحيد لنجاة البشرية من الانقراض
وفيه يحذر بأن الانسان في شكله الحالي الذي يعتمد فيه بقاؤه على الطعام والشراب سينتهي بفناءه
بنفس سرعة فناء مصادر الماء والغذاء على الكوكب التي وصلت بحسب وصف الكتاب الى معدل كارثي
يتنبأ بتسببه بحروب ستعجل بانقراض البشر اكثر واكثر


ثم يوضح ان الحل يكمن في تطور البشرية بتحويل انفسهم على الاقل في الفترة الحالية الى انصاف روبوتات تستغني عن الماء والغذاء
وتعتمد في بقاءها على مصادر الطاقة المتجددة مثل الروبوتات الحقيقية


ثم يبني نظرية عجيبة عن ان غذاء البشر في شكله التقليدي كان ضروريا الى حين تطور البشر
لكن البشر تكاسلوا واعتمدوا عليها بشكل دائم حتى كادت ان تفنى ويفنوا معها



وفي فصل اخر يحرض على الحرب بين انصار الروبوتات او مثل يسميهم الروبوتيون والبشر العاديون
ثم يضع نظرية قاسية مجملها ان البشر مصيرهم اما يتطوروا معا او يفنوا معا
لذا لا يهم لو تسببت تلك الحرب في موت اغلب البشر لان النصر فيها هو الطريقة الوحيدة لحماية الانسانية من الفناء



ثم في الاخير يقرر الكتاب كما مقالات الصحفي ان تطور البشر
مرهون بتسليم قيادتها لمنظومة من الروبوتات ستضع البشرية على الطريق الصحيح للتطور


وخلال اشهر فقط ظهرت العشرات من المؤسسات البحثية التي ادعت توصلها لنظام الادارة الروبوتي المثالي مما اشعل مزيدا من الخلافات
واندلعت سلسلة من الحروب الاهلية على امتداد الكوكب
حتى الروبوتيون انقسموا نتيجة لاختلاف انظمتهم الروبوتية التي تبنوها ودارت بينهم حروب اكثر شراسة من حربهم مع البشر العاديين


في تلك الاثناء قلة من الروبوتيين ادعت ان مدينة الروبوتات المثالية موجودة بالفعل والصفوة المختارة من البشر قد انتقلوا اليها
وهي الان تستعد لتسود الكوكب ثم بشهادات وصور لمغامرين ادعوا انهم وصلوا اليها
نشروا عشرات الشهادات عن اشخاص وصفوها بمدينة الاحلام
مرضى بلا امل في الشفاء وصلوا اليها وعادوا بكامل عافيتهم .. شيوخ استعادوا شبابهم .. فقراء رجعوا منها بجيوب مملوءة بالذهب
ومئات غيرهم قرروا الاستقرار بها والتخلي عن حياتهم بين البشر العاديين




في خضم تلك الصراعات انتبه الناس فجأة لذلك الصحفي ومقالاته حيث بدأ كل شيء
الشيطان الذي نشر الفوضى واشعل الحروب او البطل الذي حاول دفع البشرية لفجر جديد
ثم لم يعد للناس حديث الا عنه مئات الشائعات عن بطولاته ومئات اخرى عن خيانته للبشر
وانقلب العالم كله بحثا عنه لكنه كان قد اختفى وتلاشت معه كل اثاره






.





لايام استمرت الفتاة الصفراء تنتظره كعادتها لكنه كان قد اختفى
شعور كئيب تملكها ومع الهوس الذي اصاب العالم بكل ما يتعلق به وحمى البحث عنه التي انتشرت في كل مكان
كان رعبها من عدم رؤيته مجددا يزداد يوما بعد يوم
لامت نفسها على غباءها وهي تتخيل ان كل ما يدور حوله من شائعات سيتوقف بمجرد ان ينفي عن نفسه علاقته بذلك الكتاب وبكل تلك الاحداث التي رافقت انتشاره


ادركت الى اي مدى يمكن للعالم ان يكون قاسيا ليدفعنا بلا شفقة لمصير مظلم ويضعنا على حافة اليأس
احساس انها فقدته للابد كان يزلزلها في لحظة تقنع نفسها بعودته ولحظة اخرى يغرقها اليأس
متأخرة جدا ادركت انها وخلال عامين من معرفتهم جاهلة بكل ما يتعلق به لحتى لم يملكا قط وسيلة تواصل
غبية جدا لتعتقد ان تلك الدقائق التي تمضيها معه يوميا ستستمر للأبد
ومع شعورها بالضياع تساءلت ان كان وجوده مجرد وهم لحياة اخرى عاشتها في عالم اخر
شبح مر بها ثم تلاشى حلم تمنت الا تستيقظ منه تحول الى كابوس



في الايام التالية لاختفاءه ومع حالة الاكتئاب التي رافقتها اختارت لنفسها عطلة طويلة
احدث اعتزالها ضجة خصوصا وهي التي كانت خلال العامين الاخيرين قد وصلت باداءها الى ذروته وحققت اعظم نجاحاتها
حتى في هذا كانت تشعر انها مدينة له
فبسبب عدم الاهتمام الذي كان يبديه بذلت اقصى جهدها لتلفت انتباهه
لكنها مهما بذلت من جهد كان دائما تعليقه على اداءها مجرد مديح بارد بلا معنى


كانت تواسي نفسها على بروده بأنها هي الاخرى لا تستطيع ان تبدي اي اهتمام حقيقي بهوسه بالروبوتات وثرثرته المستمرة حولها
حاولت بجهد خلال الاشهر التالية ان تستعيد نفسها وتكمل حياتها كما اعتادت بلا جدوى
الفراغ الذي تشعر به في قلبها الإحساس بأن اغلى لحظات حياتها قد ضاعت الى الابد كان يمزقها


تذكرت احد احلام طفولتها وهي تعد حقيبتها وتهرب من البيت منطلقة في مغامرتها الخاصة
حلمها المستحيل كان الان على وشك يتحقق لكنها احتاجت الرجوع بذاكرتها بحثا عن طرف خيط تبدأ منه رحلتها في البحث عنه



على ان الاحداث كانت اسرع من ذاكرتها المشوشة
وهى على اي حال لم تكن لكلماته واحلامه حول الروبوتات لتعلق بذاكرتها ابدا


ففي ذلك الحين كانت الاحداث المأساوية للكوكب الاصفر قد بدأت عندما فوجئ الناس بواحدة من اكبر مدن الكوكب وقد احترقت وسويت بالارض
ثم في قلب الصحراء التي تحتل ثلثي الكوكب بسبب حالة التصحر التي يمر بها ظهرت مدينة الروبوتات
واعلنت عن نفسها عبر قائد بشري يرتدي قناع روبوت وعد بكل قسوة وبرود بتسوية الكوكب وتحويله الى صحراء
لان حسب كلامه هي الطريقة الوحيدة التي ستدفع البشر رغما عنهم للتطور وتحويل انفسهم لانصاف روبوتات ان ارادوا النجاة


عموما كان سهلا على الناس تخمين ان قائد الروبوتات هذا هو نفسه الصحفي
بالنسبة للفتاة الصفراء بعد حاولت لعشرات المرات اقناع نفسها انه ليس هو قررت في الاخير ان ترحل لمدينة الروبوتات مهما كان الثمن
فلو ليس هو فحتما ستجده هناك ولو كان هو فيجب ان تعرف ما الذي غيره







.






في الايام التي تلت اعلان قائد الروبوتات تدمير الكوكب انطلقت رحلات جماعية من كل انحاء الكوكب سعيا للوصول الى المدينة الروبوتية املا في النجاة
بينما قرر البشر العاديون جمع كل قوتهم لشن معركة فاصلة مع مدينة الروبوتات خصوصا ان ما حدث كان قد وحد البشر
وحتى مجموعات الروبوتات اختار اغلبها الاتحاد مع البشر


وتسارعت الاحداث لتنتقل الى نقطة مفصلية في تاريخ الكوكب بدأت فيه احد اعظم واعنف الحروب في تاريخ كل المخلوقات العاقلة في الكون
والتي ستمدد اثارها لغيرها من الكواكب القريبة منها





.






الاحداث التالية دونتها الراوية في مرحلة متأخرة من حياتها ..


مع انقطاع مذكرات الفتاة الصفراء بيوم بدء رحلتها ومع عشوائية الحرب التي دمرت كل ما يوثق لتلك الفترة
لم تكن امامي الا شهادات مبتورة للمجموعة التي رافقت الفتاة الصفراء في رحلتها
مع بعض وثائق ليوميات الحرب التي دونتها جيوش البشر العاديين في الفترة الاولى للحرب
والتي انتهت بموت قائد الروبوتات الاول ومنها خرجت بتصور للاحداث شعرت وقتها انه يعبر عن تلك المأساة


الا ان رحلتي الكئيبة للكوكب الازرق ولقائي بالمجنونة التي اعادت اشعال الحرب بعدما كانت قد انطفأت بموت قائد الروبوتات
اشعرتني ان من واجبي اعادة تدوين تلك الاحداث رغم قراري الذي لن اتراجع عنه بالامتناع عن ذكر ما مررت به في تلك التجربة
ولا عن كل ما يخص بقية الكواكب السبعة



لو احاول اوضح في اختصار كيف سارت احداث الحرب الاولى
فهي بدأت من رحلة الفتاة الصفراء ومجموعتها بحثا عن المدينة الروبوتية لتنتهي رحلتهم نهاية بشعة بموت اغلب افراد المجموعة بعد ضياعهم في الصحراء


بعدها تلتقي الفتاة الصفراء بروبوت منعزل يرفض مساعدتها
الى ان ينتبه من ثرثرتها انها على معرفة بالصحفي فيقرر يساعدها لسبب مجهول


بعدها تكتشف الفتاة الصفراء انه اصل كل الروبوتات
ثم يروي لها كيف وصل الصحفي لمدينتهم التي كان قد بذل كل ما بجعته من حيل ليخفيها عن اعين البشر
وكيف استطاع الصحفي خلال فترة وجيزة ان يكتشف نقطة ضعف الروبوتات التي استغرقت من الروبوت الزعيم سنوات ليكتشفها
وسنوات من التفكير دون جدوى ليجد لها حلا استطاع الصحفي حلها بتحويل الروبوتات لمجتمع محارب
اتخذ من افناء البشر وسيلة للحفاظ على وجوده


وخلال اشهر تم اعتبار الصحفي الزعيم الحقيقي للمدينة الروبوتية وطُرِد الروبوت الزعيم على اعتبار ان استمرار زعامته ستقود الروبوتات لفناءها
ولان الروبوت الزعيم كان يدرك حقيقة عدم صلاحيته للزعامة رضخ لرغبتهم وانعزل في الصحراء



بعدها تكتشف الفتاة الصفراء كم الحقد الذي يحمله الروبوت الزعيم تجاه الصحفي
وتتفاجئ بتعاونه مع جيوش البشر للقضاء على زعيم المدينة الروبوتية


تقرر الفتاة الصفراء اكمال رحلتها وحيدة لتحذير الصحفي من خيانة الروبوت الزعيم
لكنها تصل متأخرة ليصعقها منظر مدينة الروبوتات المدمرة وفي قلب المدينة كانت جثة الصحفي المعلقة هي الدليل على انتصار البشر العاديين



بتدمير مدينة الروبوتات ومقتل قائدها اشتعلت رغبة ثأثر للصحفي لم تنطفئ قط في قلب الفتاة الصفراء
ليجيرها حقدها على البشر للتعاون مع الروبوت الزعيم على احياء المدينة الروبوتية
ومع الدمار الذي حل بالروبوتات لم يستطع الروبوت الزعيم مقاومة رغبته في التخلص من كل البشر
غير ان الفتاة الصفراء في مرحلة لاحقة استطاعت القضاء عليه بنصب كمين حيث اسقطته في بركة ماء ثم نزعت بطاريته واحرقتها
ثم احرقت بقية اجزاؤه بعدها سيطرت على المدينة الروبوتية الجديدة
لتبدأ الفصل التالي من انتقامها بشن حرب جديدة على البشر وهي الحرب التي ستستمر لحتى فناء الكوكب
والتي لم ادرك تفاصيلها الكاملة ولا نتائجها الرهيبة الا برحلتي المجنونة للكوكب الازرق








.




كان الوقت عصرا وقد دنى الامساء والمطر يهطل بغزارة
وعلى شرفة احد البيوت تجلس عجوزة تحتسي الشاي وطفل مزعج على الاغلب حفيدها يحمل مسدس مائي ومستمر يصوب على المطر


والجدة مثل كل الجدات العصبيات تمسك بيدها مروحة خشبية وتحركها بعصبية وهي تشتم الطفل كل دقيقة ليجلس بهدوء

فجأة يصرخ الطفل بسعادة وهو يشاهد قوس المطر ليخبرها ببلاهة انه شاهده في كتابه المدرسي
ثم يقرر فجأة انه طفل ذكي رغم غباءه الواضح ويشرح لها انه يظهر بسبب انكسار الضوء
لكن الجدة العصبية تضربه بالمروحة على رأسه لتسكته
ثم تشتمه وتشتم كتابه المدرسي تقول شيئا عن الاشياء الغبية التي يعلموها للاطفال في مدارس هذه الايام


تنظر لقوس المطر لحظات وتتساقط دموعها
يصيح الطفل بغباء جدتي انت تبكين
تمسح دموعها وتضربه مجددا على رأسه ليصمت .. تعاود النظر لقوس المطر فتعاودها ذكريات مبهمة عن سبعة كواكب ..


ذكريات بذلت كل ما تملك من جهد خلال سنوات حياتها لتنساها ..
تعاود ضرب الطفل على رأسه بمروحتها من دون سبب هذه المرة
او محتمل انها ارادت تحذيره .. محتمل شعرت انه قد يكبر ذات يوم ليكتشف ما اخفته وما قررت ان تحمله معها الى قبرها ..










 
التعديل الأخير:
#7
أنا يلقبوني بمسافر الأزمان، الإنسان المستحيل.

أظن ذلك؟ لا أعرف، فظنون الناس وأفكارهم تختلف عبر مرّ السنين، لكن ما أعرفه، وما أنا متأكد منه، بأن حياتي مستحيلة، أسطورية، خرافة، ضربً من الجنون!.

لا أعرف لماذا أكتب هذه الكلمات ..

لا أعرف لماذا إرتاح خاطري تجاه القلم، وتجاه هذه الكتابة. عدت بالزمن إلى الوراء، إلى الألفية الأولى، لكي أمسك بهذا القلم، لكي أريح أعصابي، ونفسي، تجاه هذه الورقة، الحنونة، بمنظرها الأبيض الذي لايدل على أي شيء ..

لكن، ماذا أكتب؟ وماذا أقول؟

في تارة، أريد أن أكتب عن الأيام، عن لحظاتها السعيدة، والحزينة، لكن .. ما أكثر هذه الأيام، وما أكثر هذه اللحظات. وفي تارة، أجدني مسحوراً في ذكريات الحب، والعشق، والنساء، وقصص الغرام، التي إنتهت قبل أن أكتفي منها. وفي تارة، أريد أن أكتب عن الموت، عن رغبتي الحقيقية، بالموت.

فمالذي سأكتبه، ومالذي سيجنيه الناس من قرائتهم لي؟

لا أعرف ..

،،

أتذكر، في مرة، في ذكرى، من ذكريات الحياة، وجدت إنساناً عاد إلى الحياة، من بعد موته.

كنت مواجهاً لفتاة صغيرة بجانب أخوها الصغير، بعمر خمس سنوات، ينظرون إلى أعلى جدارهم المظلم ويحكون من خلاله، بخيالهم الفسيح المتلذذ بتعقيد الأمور، قال الطفل:"دعينا نغني الأغنية بهدوء، سيخرج الوحوش الآن! أنظري!".

بدأت أغنيتهم، وبدئ الخوف يسيطر على أناملهم، الصغيرة، المرتجفة. في أيديهم الكثير من الورقات، الملونة، والمكتوب عليها عبارات كثيرة إنطوى عليها حس الرمزية، والإستدعاء. كانت قلوبهم سعيدة بما يحدث، سعيدة بما يجاري كذبهم، وتزييفهم. إرتعب الطفل مما رأى، أو ترائى، ثم صرخ، وذهب بعيداً عن أخته، التي جمدت بمكانها وهي تتسائل:"أين هي الوحوش؟ لم أرى شيئاً!". كانت الفتاة .. هي العاقلة.

إنتقلت بعدها إلى زمنٍ آخر، إلى ذلك السرير، إلى ذلك الإنسان الراقد على فراشه، بثبات وسلام ينتظر موته، الذي سيصل إليه بعد ثلاث سنوات من الآن.

بجانبه غرفة منيرة، فيها ثلاث من الأشخاص الملتمين على أنوارٍ أخرى أضافت على الغرفة طابع الإيمان، والسكينة. يتمتمون بكلماتهم، وصلواتهم، العابدة، المستنيرة، بطريق الآخرة.

لم أكن مستوعباً لما يجري، لكنني أدركت، بعد أزمانٍ أخرى من هذا الزمن، بأن صلواتهم تابوتية، الديانة التي آمنت بإيجاد الروح، وإيقاضها، بعد ممات الإنسان. لم أكن مهتمّاً في لحظتها، لأنني أدري، وأؤمن، بأن الله واحد، ولا شريك غيره.

نظرت إلى تعابير وجوههم، إلى رغباتهم، التي إنطوت على إيمانهم القويم. ينظرون إلى النور، وكأن النور هو الحاكم، هو المسيطر، على قوانين الحياة، والممات. تمتمتهم مغنّاة، وصاحبهم، الميّت، بقي راقداً على فراشه، ينتظر بزوغ روحه، وعودتها، كإستحالة بزوغ عيناه، مرةً أخرى.

سمعت أحاديث، من هناك. كنت متخفيّاً، بطبيعة مسافر الأزمان، أنظر، وأستمع، قبل أن أحضر بنفسي .. ما إذا أردت ذلك. قال أحدهم:"هل ستعود الروح قريباً؟"، رد الآخر، السمين، الذي بدئ على وجهه علامات الإمتعاض من هذه الصلوات البائسة:"أرجو ذلك".

"روحه هناك، في جسده. ماهو المغزى من عودة الروح ما إذا لم يكن ميّتاً أصلاً؟". قال الرجل الواقف، المطالع. رد الشخص النحيف، الجالس، الذي سأل سؤاله الأول، بعينين، آملة:"سكتة دماغية، هو في عداد الأموات الآن".
 
#8
قرأت قصتك منذ فترة ونسيت أن أعلق. ما انتبهت له هو أنكِ كثيرًا ما تتجاوزين ذكر بعض الأحداث لسبب أنها طويلة أو أمور من هذا القبيل، أفضل لو تجاوزتِ ذلك من الأساس بدل ذكره بشكلٍ صريح للقارئ، إن لم تكن لكِ نية في الحديث عنه، فلما تذكرينه؟ لأنه غالبًا يولد الكثير من الفضول، لكن ذلك جميل أيضًا، يُظهر أنه حتى والقصة قصيرة لديكِ فكرة عن خلفية الشخصيات وبناء العالم وما إلى ذلك.

القصة نفسها قد تكون مثيرة لمحبي الخيال العلمي، وأظنه من أصعب الأنواع، لا يوجد كتاب عرب في هذا المجال إلّا قلة قليلة، سواء في الرواية أو القصة، لذا هنيئا لك. آمل حقًا أن تطوري مهاراتك، أعتقد أنكِ قادرة عل الوصول لنتيجة جميلة.

كل التوفيق :)
 
بادئ الموضوع #9
قرأت قصتك منذ فترة ونسيت أن أعلق. ما انتبهت له هو أنكِ كثيرًا ما تتجاوزين ذكر بعض الأحداث لسبب أنها طويلة أو أمور من هذا القبيل، أفضل لو تجاوزتِ ذلك من الأساس بدل ذكره بشكلٍ صريح للقارئ، إن لم تكن لكِ نية في الحديث عنه، فلما تذكرينه؟
شكرا ان كتبت رأيك
في نقطة هي بتضح مع بقية القصص بس بوضحها
ان يوجد فارق بيني وبين الراوية لان راوية الاحداث نفسها جزء من القصة في القصة الاولى هي تروي الاحداث باستهتار لانها بنسبة كبيرة لا تصدقها فتشوفها تحاول تختصر اوتتجاوز الاحداث في القصة الثانية تشوفها اكثر جدية ومن البداية لمحت انها جزء من الاحداث هو بشكل عام هي 7 قصص قصيرة كلهم يتكلموا عن 7 كواكب تعرضت للدمار لاسباب مختلفة بس يوجد رابط بجمع القصص هو في الاخير بتضح الجزئية اللي تجاوزتها في القصة الاولى بس هنا انا كنت احتاج اتجاوزها لحتى لا احرق شيء مهم في القصة اريده يستمر في السبع قصص
 
#10
ما أجمل القصص القصيرة. وما أصعب الطويلة الي تحتاج قوة ذهنية خارقة عشان تعرف تربط القصص القصيرة ببعض فيها.
 
#11
كان أخوها، فارس، يعاني من التوحّد.

كانت الدنيا تركض، وتلهو، وتلعب، وتتراقص، بحسٍ يداعبه في كل لحظة. كانت الأرض متقلبة، غير ثابتة، في نظره، يمشي، على خطىً هادئة، خوفاً من السقوط.

مرضى التوحّد ينظرون إلى العالم، بتقلّب. تحضنهم الدنيا على كف الهوى، واللعب، لتصبح الأراضي متبدّلة، متبسمّة، بحس متغيّر، ومتحرّك، لايتوقف أبداً. الشمس، كانت الوحيدة الثابتة في نظره، ولهذا .. كان يرفع يديه إليها، تأمّلاً، ورغبة.

كانت الشمس عنوانه الثابت، والآخرون، بكل مافيهم من أشياء، متحرّكون. بدأت الحياة في عينيه كالحلم، الصاخب، المليء بالمرايا، والأوجه المتعددة.

في حين الحيرة، والقلق، وإصطعاب الأمور، يرفع رأسه إلى السماء، مطالعاً للشمس، لإبتسامتها، فائقة الوضوح، التي تنظر فيه، وتحضنه، بثبات حالم، يطغى على رغباته كلّها.

كانت دنياه سعيدة، متحرّكة، وكان الآخرون، الطبيعيون، محبطون، في حياةٍ ثقيلة، لم تتحرّك إلا بسنواتها، التي إن تقدّمت، أزعجت ماضيهم، وإن تأخرت، أزعجت حاضرهم.

،،
 
بادئ الموضوع #12
عدلت الرد وأضفتها كاملة
اسفة ان تأخرت بس بسبب ان عملت فاصل بين الجزئين انشغلت فترة ان اعدل في نصفها الثاني





قصة 2 .. كوكب أصفر












كانت تحلم باليوم الاخير لكوكبها وجنون البشر قد بلغ منتهاه ..
الصراع على البقعة الاخيرة الصالحة للحياة قد حولها لاطلال .. اصوات الانفجارات لا تتوقف ..
تعتلي المسرح لتؤدي اعظم واخر عروضها .. عبرها ستتجسد مأساة الانسانية ..
قصف عشوائي يدمر المسرح .. الجمهور حولها تحول لجثث مشوهة .. الدماء تغطي نصف وجهها
ورغم رعبها كانت تأبى التوقف .. تأمل لو تتبقى على الاقل الة تصوير واحدة تستمر بتصويرها لحتى النهاية ..


يوما ما في مكان ما كانت واثقة ان .........



.





بعد اسابيع من ضياعي بين الملفات الغريبة للكوكب البنفسجي وأنا احاول اخرج منها بقصة مفهومة
وصلتني مجموعة اخرى كنت انوي اتخلص منها ثم انتبهت للاسم الفضائي العجيب الذي لن اكتبه
ان المرسل هو نفسه العالم البنفسجي الهارب , ثم بسبب فضولي الغبي وجدت نفسي غارقة بين مجموعة كبيرة من بقايا مذكرات لشخصيات مخبولة
محتمل كانت السبب في حرب انتهت بتدمير كوكبهم الاصفر
ثم هو كوكب أصفر بما ان الناس الموجودة فيه كلها ببشرة صفراء


عموما الرسالة المكتوبة بخط يد العالم البنفسجي يحاول فيها توضيح اهمية تلك الملفات
لانها حسب كلامه الاثر الاخير المتبقي من تاريخ دمرته حرب امتدت لمئات السنين
وعبر تلك السجلات بامكاني حسب كلامه اكتشف اسرار اندلاع حرب صنعت اكبر مأساة في تاريخ كل المخلوقات العاقلة في الكون ودمرت كوكب بكامله
اما كيف يخاطبني في الحاضر ويروي لي عن احداث شارك فيها قبل قرون
فكنت وقتها غبية جدا لاتخيله مجرد عالم يسافر في الزمن بعدما شهد مأساة الكواكب السبعة







.






في مركز ابحاث سري على الكوكب الاصفر مختص بتطوير الروبوتات حظي العالم البنفسجي بمكانة مميزة
سببها خبرته الكبيرة في تجاربه على عقول البشر , ثم لان سمعته كانت تسبقه بصفته العالم الوحيد المتبقي من مجموعة علماء تسببت بتدمير كوكبها
نال اهتمام جميع المنظمات الاجرامية في الكون , وبشكل سري قدموا له كل ما يحتاجه للبدء من جديد على الكوكب الاصفر
صحيح أن تجاربه ابدا لم تكن مهمة ولا حققت اي نتائج تستحق الا ان الاشاعات غالبا اقوى من الحقائق المحبطة
ثم بما انها قصة قصيرة احاول اختصر رسالته الطويلة التي يروي فيها دوره في مأساة الكوكب الاصفر



في بداية رسالته يستمر يتذمر من لون البشرة الصفراء ويتعجب كيف يمكن للناس تتحمل لا يكون لونها بنفسجي
ثم بعدها يتذمر من الطقس البارد للكوكب , ثم يتذمر من غباء فريق العلماء الذي يعمل معه
ثم بعد قليل يعترف ان عبئ شهرته اكبر من امكانياته , ثم هو قلق لانه لا يثق بالنوايا الحقيقية للجهة المجهولة التي يعمل لصالحها
ولا لماذا ينفقون بسخاء في مشروع هدفه صنع ارادة حرة للروبوتات


عموما استمر في حالة الضياع الى ان التقى بعالم غامض اسمه اكثر اسم فضائي معقد اقرأه بحياتي فالافضل اختصره بالعالم الاسود
بما ان كل ملابسه سوداء ويرتدي قبعة ونظارة وقفازات سوداء
يصف العالم البنفسجي ان لقاءه مع هذا الغامض قد بدل حالته المكتئبة واعاد اليه شغفه كعالم وشعر اخيرا ان ابحاثه تتقدم


ثم جاء اليوم الذي قرر فيه العالم الاسود ان الطريق لصنع ارادة حرة في الروبوتات
يبدأ من جعل الحفاظ على وجود الروبوتات الاولوية الاولى لكل روبوت


ثم فسر ان رغبة البقاء التي سيتم زراعتها في الروبوتات ستكون البداية لصنع ارادة خاصة بهم وتصل بذكائهم الى مستوى قريب من مستوى الانسان العادي
مما سيحسن بشكل كبير من نوعية الخدمات التي ستقدمها للبشر


ورغم حماسة العالم البنفسجي وقتها لتلك الخطوة وهو يتخيل كم المكاسب التي سيجنيها مع الجهة التي يعمل لحسابها
لم يكن يدري انهم على وشك صنع أمة من الروبوتات سيأتي يوم تعتبر فيه البشر خطر يهددها وان بقاءها مرهون بإبادة البشرية






.





ليست متأكدة متى بدأت احلامها الغريبة عن نهاية العالم , محتمل لازمتها منذ تركت دراستها لتتوجه الى المسرح
امضت الجزء الاكبر من طفولتها وهي تتخيل نفسها على المسرح وكل العيون مسلطة نحوها وقد اتسعت انبهارا بها


في ليلة اداءها الاول عجزت عن النوم , دموعها تتساقط بلا توقف , وذكريات معاناتها في التدريب تأبى ان تفارقها
عانت كثيرا لتصنع لنفسها اسلوبا يميزها اكثر من مجرد تميز كانت تطمح لسرقة انتباه واهتمام كل من يتابعها وقتما تريد
كان لديها من الجرأة ما سمح لها بالتلاعب في النصوص , تحذف كلمات , تستبدل فقرات , تخترع جمل من رأسها , لتتمكن في النهاية من تطويع النص في الاتجاه الذي تريده
واثقة من ان قوة الاداء ستجبر الجميع على التغاضي عن عبثها بالنصوص


وعندما بدأت في اداءها الاول كان تأثيرها اقوى مما حلمت به , كل الانظار تعلقت بها , الجميع مدح ادائها .. انبهر بسرعة بديهتها
كتب احد النقاد ان حسن تصرفها وقتما تخذلها الذاكرة مع النصوص هي ما يميزها
والحقيقة ان ما كان يبدوا انها تفعله بتلقائية كان خلفه معاناة مريرة وطويلة بين الكتب القديمة تبحث فيها عن عبارات قوية تستبدلها بأخرى تشعر انها ستقلل من اداءها
اما فخرها في تلك الفترة كان مديحا وصفت فيه بأن ما تستبدله بسرعة بديهتها من عبارات تنساها اجمل واقوى في تاثيره من النص الاصلي


ثم لاني لا اعرف كيف انطق اسمها الفضائي بسميها الفتاة الصفراء بما انه لا يوجد فتاة اخرى غيرها في الاحداث





.






بعد سنوات طويلة بدا ان مشروع الارادة الحرة للروبوتات قد وصل إلى نهايته
فكل التجارب فشلت في صناعة روبوت واحد يمكن وصفه بالذكاء , كلها روبوتات معوقة اذكاها من يعتقد ان الحركة واستهلاك الطاقة خطر على حياته
فكان يجمد نفسه حتى تنفذ الطاقة تلقائيا عندها يعتبر تجربة فاشلة بما انه فشل في الحفاظ على حياته ويرمى به في ساحة الخردة


في ذلك الوقت ظهر روبوت اغبى من المعتاد في كل امر يوجه له يقوم بتصرفات خرقاء وينفذ اوامر بعيدة كل البعد عما يطلب منه
يهدر طاقته بغباء كأنه يحاول الانتحار بدل الحفاظ على حياته , بعد ساعات قليلة من التجارب تم التخلي عنه على اعتباره من افشل النماذج التي ظهرت
لكن احدا لم ينتبه وقتها ان تصرفاته اقرب لشخص يتظاهر بالغباء من لو انه غبي فعلا


جمد الروبوت نفسه بين الخردة لفترة كان عقله خلالها يعمل بربع طاقته مما منحه شعورا بالاسترخاء والسلام يختلف بشكل كبير عن شعور التوتر والخوف حين كان عقله يعمل بكل طاقته ليحافظ على حياته من البشر
احس وقتها بكراهية كبيرة تجاه البشر فلولاهم لاستطاع الحياة للابد بلا قلق او خوف على حياته



ثم كان اول ما فكر فيه بعد فراره البحث عن بقعة خالية من البشر يحيا فيها بسلام
استقر مؤقتا في منطقة صحراوية بالقرب من المدينة التي صُنِعَ فيها
ثم بنى لنفسه بيتا صغيرا وأخذ يمضي حياته بلا قلق , وعندما تبدأ طاقة بطاريته بالانخفاض كان يتسلل الى المدينة ويبحث عن مصدر لشحن طاقته
ثم في احدى المرات انكشف امره وطاردته الشرطة على اعتباره روبوت مجهول يقوم باعمال تخريبية


عاد الروبوت لبيته بعد المطاردة وقد ادرك ان حياته مهددة بشكل كبير , افزعه ان احتمال موته بلغ في تلك المطاردة نسبة اكبر من نسبة نجاته
لحظات ثم اصابه الهلع وهو يتخيل مصادفات اكثر قادرة على انهاء حياته في لحظة
انهيار مبنى فوق رأسه , سقوطه في الماء , يحاصره حريق او أن تعثر عليه شرطة البشر ويحولونه لخردة


كانت رغبته المجنونة للحفاظ على حياته حفزت عقله للعمل بأضعاف طاقته الممكنة
ثم بدأ يدرك الحقيقة التي لا مفر منها , فمهما بذل جهده في الحفاظ على حياته في لحظة ما ستنتهي .. مئات الاعوام او مجرد ثواني فالنتيجة لن تتغير


عندها انتبه لمعنى اكبر واعمق للبقاء , فكما البشر رغم حياتهم القصيرة استمروا بالوجود اراد ان يتحول هو الاخر لامة لها وجودها
تتكاثر بمعدل يفوق معدل فناء افرادها , ارض خاصة بالروبوتات ومصانع لانتاج افرادها
ثم عندها لن يكون مهما نوع المصادفة التي ستنهي وجوده طالما ان وجوده سيستمر مع كل جيل يتم انتاجه من الروبوتات


بهذه النتيجة هدأ عقله وشعر لاول مرة بهدوء وراحة لم يجربها من قبل فاخيرا تعلم كيف يمكنه الحفاظ على وجوده للابد





.





من بعد عرضها الاول حظيت الفتاة الصفراء مع فرقتها ببعض الشهرة
ومن حين لآخر كان الصحفيون وبعض مراسلي المجلات الفنية يحضرون عروضهم التدريبية


كانت تكره التدريبات والمسرح شبه الخالي من الجمهور , تشعرها المقاعد الشاغرة بالاختناق
منذ طفولتها احبت مراقبة اوجه الناس , تتأمل أعينهم , تغير ملامحهم , التبدل في تعبيراتهم
ورغم صغر عمرها بدأت تدرك الثنائية في تعبيرات البشر تفرق بين الضحكة الحقيقية والمفتعلة , الغضب والتظاهر بالغضب , الطيبة التي تخفي الشر , والكره المختبئ خلف نظرة الحب المزيفة


ومع مرور الزمن يشتد غضب أمها وهي تنهاها عن تحديقها بالناس , اكثر من مجرد سلوك معيب كانت تكره فضول طفلتها
تعتبر سرعة اختلاطها بالناس اسرع طريقة لجلب المشكلات
بالنسبة للفتاة الصفراء كانت ترى مجمل افكار امها عن الحياة ان الفتاة الطبيعية اما تكون خجولة او تتظاهر بالخجل



كبرت اكثر وانصرف اهتمامها الى الافلام , احبتها وفي ذات الوقت كانت هوايتها مع التحديق في اوجه الناس تفسد عليها المتابعة
أعين الممثلين دائما تخرب اعظم المشاهد , ما ان تتأثر بمشهد حتى يختفي تأثرها وهي تنظر لعين المؤدي فتراها تفضحه وتظهر تصنعه


لو كانت وقتها اكبر لوصفتهم بعديمي الموهبة , لكنها خرجت بنتيجة ان التمثيل تافه
ثم حدث ان بدلت رأيها بعدما رأت فيلما استطاعت بطلته ان تسحرها باداءها
لحتى ان اداءها في احد مشاهده الكئيبة جعلها تبكي حتى جفت دموعها بمجرد النظر في أعين بطلته
يومها لامست سحر الفن فكان قرارها الذي عانت من تبعاته لفترة طويلة ان تركت دراستها وكرست حياتها للمسرح





.




كانت الفترة التي اشتهرت فيها الفتاة الصفراء واحدة من اسوأ فترات الكوكب على الاطلاق
كوارث طبيعية , مجاعات , امراض منتشرة في اغلب مدن الكوكب والناس في المدن الرئيسية حانقة وتعيش حالة من التوتر والقلق


في ذلك الوقت ظهر صحفي شاب ادعى انه يملك الحل لكل مشكلات الكوكب
وخلال سلسلة مقالات طويلة استمرت لعدة اشهر استطاع احداث ضجة كبيرة رغم السخرية التي واجهتها مقالاته في بدايتها
ثم جاءت الاوامر للصحيفة بوقف تلك المقالات بسبب ان الاوضاع على الكوكب لا تتحمل الاضطرابات التي تحدثها , بعدها انتهى الامر بالصحفي وقد تم نقله لقسم الفنون والازياء في الصحيفة


اما مجمل افكاره في تلك المقالات
ان البشر اما فاسدون او لديهم القابلية للفساد , والنتيجة ان الفساد دائما سينتصر
ثم يفسر لماذا لا يكون البشر صالحون ولديهم القابلية للصلاح , فالسبب ان الفساد يحقق مصلحة الفرد والصلاح يحقق مصلحة المجتمعات , والانسان بطبيعته يميل لمصلحته الخاصة , بعدها كان الحل الذي يطرحه يتلخص في ان البشر يجب يعهدوا بكل قوانينهم وتنظيماتهم ومبادئهم الى الروبوتات لتكون المسئولة عن تطبيقها ومحاسبة من يخالفها


كان يطالب بصنع منظومة شاملة من الروبوتات تدير وتنظم للبشر حياتهم , ولان الروبوتات لا تملك ارادة حرة كالبشر فهي غير قابلة للفساد و
بانشاء تلك المنظومة سيتحقق حلم البشر في مجتمع مثالي تنتهي فيه كل مشاكلهم


استمر الجدل حول اراءه لعدة اشهر ثم نسيها الناس وانشغل هو بعمله الجديد الممل

لاحقا ستقوم جهة ما مجهولة بجمع تلك المقالات في كتاب تحت عنوان العالم الجديد وتوزيعها سرا بين الناس وستكون الشرارة التي ستشعل سلسلة من الحروب التي لن تنتهي حتى تدمر الكوكب بكامله






.




في بقعة صحراوية شديدة الحرارة مهملة على الكوكب لا يعيرها البشر اي اهتمام اختار الروبوت جعلها نواة مجتمعه
ثم بجهد استمر لسنوات صنع ما يشبه محطة صغيرة تتكون من مصنع ومركز صيانة وبيوت صغيرة
اعتمد على الشمس لتأمين مصدر طاقة متجدد وانتج اول جيل روبوتات مكون من ستة روبوتات
ثلاثة منها مهمتها التعدين والثلاثة الاخرى تدير المصنع ومركز الصيانة


وخلال سنوات تحولت المحطة لقريه صغيرة كل ما فيها يدار بدقة ولقب نفسه بالروبوت الزعيم ومهمته وضع الخطط اليومية والروبوتات الاخرى تنفذها
والمهمة الاخرى نسخ خبراته للزعيم الذي سيحل محله اذا حدث وصادف ان فقد حياته باي طريقة
كانت من اولويات نظامه الدقيق هي ضمان وجود زعيم يملك كل خبرات الزعماء من قبله ليضمن تطور مجتمعه واستمراره من بعده


مرت سنوات أخرى ومجتمع الروبوتات يتطور , لكن الروبوت الزعيم كان لديه ما يقلقه
لاحظ ان معدل تطورهم في السنوات الاخيرة اقل من المعدل في السنوات الاولى رغم ان مواردهم اصبحت افضل وعددهم بازدياد
مع الوقت ادرك المشكلة فكلما تطور مجتمعهم شعرت الروبوتات بالاسترخاء اكثر وعملت بطاقة أقل


عاودته ذكرياته القديمة وكيف كان عقله يعمل بقوة وفاعلية حين كان يخشى البشر , وكيف تغيرت حاله بعدما اختبئ في ساحة الخردة
قلقه يزداد وهو يفكر ان مجتمعه المسالم يتآكل من داخله ويتقدم بثبات نحو فناءه
ادرك ان الامة التي صنعها تفتقد الى الحافز , لا تملك المبررات الكافية لوجودها وتراودها اسئلة بلا اجابة عن سبب وجودها والغاية من سعيها للبقاء
حتى هو لا يعرف اجابة ترضيه , ويحزنه ان يرى اثر تلك الاسئلة في كل روبوت نزع بطاريته وتخلى بارادته عن حياته


في ذلك الوقت عكف الروبوت الزعيم على تشغيل عقله بكل قوته لفترات طويلة رغم خطورة ذلك على حياته بحثا عن اجابة لتلك الاسئلة
لكنه سيتأخر كثيرا وسيأتي من يسلبه امته الوليدة ليغير بها مصير الكوكب الاصفر






.



مع كل عرض كانت الفتاة الصفراء تزداد شهرة , ومع تطور اداءها المستمر حظيت باهتمام كبير من النقاد
كانت عبر موهبتها في قراءة اوجه الحضور واكتشاف ما يريده تنجح دائما في اشعال حماسة جمهورها وإرضاءه


وفي احد ايام تدريباتها التقت بالصحفي الذي ستتحول حياتها بسببه الى مأساة
لفت انتباهها بنظرته الشاردة غير المهتمة بما حولها , لفافة التبغ في فمه والدخان الذي ينثره من حوله بدا لها الشيء الوحيد الذي يستمتع به
حتى هي شعرت باستمتاع وعينيها تتابع طريقته الساحرة في التدخين


رفع عينيه ببطئ نحوها احست بنظرته تسلبها ارادتها ومشاعر مبهمة تكتسحها
للحظة تمنت لو تتجاهل كل ما حولها وتقترب منه , فيما بعد وامام جثته المشوهة ونظرتها الاخيرة المودعة ستتسائل عن سر تلك المشاعر التي ولدت في لحظة لتدفعها الى نهاية العالم ولازالت تدفعها الى ما بعد النهاية حيث المأساة الاخيرة للكوكب










.



لو اتجاوز هنا الكثير من التفاصيل خصوصا ان القسم الاكبر من مذكرات الفتاة الصفراء تقع في عامين تحديدا فترة معرفتها بالصحفي
وقتها كانت يوميا وبنهاية تدريباتها تلتقيه في المسرح
وبعاداته التي لا تتغير يجلس شارد الذهن يدخن وبين فترة واخرى يدون ملاحظاته الغامضة في مفكرته


ذات يوم سألته عن سبب جلوسه لوقت متأخر بعد التدريبات لينتظرها سبب حضوره لتدريبات فرقتها بالذات
رد باختصار وببساطه ان تلك الدقائق يكلمها فيها تشعره بالسعادة
محتمل فكرت ان سبب سعادته هي انها الوحيدة ربما التي يمكنها تتحمل ثرثرته المملة عن الروبوتات وهوسه بها لكنها كانت مقتنعة وقتها وفخورة انها بهذه الاهمية بالنسبة له


في المرة الاولى التي صادفته فيها وحيدا في المسرح بعد التدريبات وبسبب فضولها قررت تلعب هي دور الصحفي
واستمرت تسأله عن سبب حضوره المنتظم رغم عدم اهتمامه الواضح بالمسرح
يومها اخبرها بقصته كصحفي واستمر يشرح لها نظريته عن الروبوتات التي دونها في مقالاته وكيف انتهى به الامر في قسم الفنون


كان لديها بعض الذكريات الضبابية عن ضجيج تلك الفترة والناس تتجادل بشأن صلاحية الروبوتات لقيادة البشرية
لكنها لاول مرة انتبهت ان كل هذا كان سببه فقط مقالات يكتبها شخص واحد


ومع انها كانت تنفر بشدة من فكرة ان روبوت غبي يوما ما قد يتحكم بمصيرها اخفت رأيها امامه
وكانت في كل مرة يحدثها عن الروبوتات تكتفي بتعليقات بلا معنى مثل الروبوتات لطيفة واحب الروبوتات الصغيرة






.




في تلك الفترة كان كتاب العالم الجديد قد انتشر بشكل مفاجئ في كل انحاء الكوكب
وظهرت الاف المجموعات في كل مكان تطالب بتسليم قيادة البشرية للروبوتات
صحيح ان الكتاب في اغلبه مكون من مقالات ذلك الصحفي الا ان الكتاب بنى عليها تصور اعقد واكثر تعصبا لشكل العالم الذي ستسوده الروبوتات



فمثلا في نهاية الكتاب فصل بعنوان مستقبل البشرية يتكلم عن السبيل الوحيد لنجاة البشرية من الانقراض
وفيه يحذر بأن الانسان في شكله الحالي الذي يعتمد فيه بقاؤه على الطعام والشراب سينتهي بفناءه
بنفس سرعة فناء مصادر الماء والغذاء على الكوكب التي وصلت بحسب وصف الكتاب الى معدل كارثي
يتنبأ بتسببه بحروب ستعجل بانقراض البشر اكثر واكثر


ثم يوضح ان الحل يكمن في تطور البشرية بتحويل انفسهم على الاقل في الفترة الحالية الى انصاف روبوتات تستغني عن الماء والغذاء
وتعتمد في بقاءها على مصادر الطاقة المتجددة مثل الروبوتات الحقيقية


ثم يبني نظرية عجيبة عن ان غذاء البشر في شكله التقليدي كان ضروريا الى حين تطور البشر
لكن البشر تكاسلوا واعتمدوا عليها بشكل دائم حتى كادت ان تفنى ويفنوا معها



وفي فصل اخر يحرض على الحرب بين انصار الروبوتات او مثل يسميهم الروبوتيون والبشر العاديون
ثم يضع نظرية قاسية مجملها ان البشر مصيرهم اما يتطوروا معا او يفنوا معا
لذا لا يهم لو تسببت تلك الحرب في موت اغلب البشر لان النصر فيها هو الطريقة الوحيدة لحماية الانسانية من الفناء



ثم في الاخير يقرر الكتاب كما مقالات الصحفي ان تطور البشر
مرهون بتسليم قيادتها لمنظومة من الروبوتات ستضع البشرية على الطريق الصحيح للتطور


وخلال اشهر فقط ظهرت العشرات من المؤسسات البحثية التي ادعت توصلها لنظام الادارة الروبوتي المثالي مما اشعل مزيدا من الخلافات
واندلعت سلسلة من الحروب الاهلية على امتداد الكوكب
حتى الروبوتيون انقسموا نتيجة لاختلاف انظمتهم الروبوتية التي تبنوها ودارت بينهم حروب اكثر شراسة من حربهم مع البشر العاديين


في تلك الاثناء قلة من الروبوتيين ادعت ان مدينة الروبوتات المثالية موجودة بالفعل والصفوة المختارة من البشر قد انتقلوا اليها
وهي الان تستعد لتسود الكوكب ثم بشهادات وصور لمغامرين ادعوا انهم وصلوا اليها
نشروا عشرات الشهادات عن اشخاص وصفوها بمدينة الاحلام
مرضى بلا امل في الشفاء وصلوا اليها وعادوا بكامل عافيتهم .. شيوخ استعادوا شبابهم .. فقراء رجعوا منها بجيوب مملوءة بالذهب
ومئات غيرهم قرروا الاستقرار بها والتخلي عن حياتهم بين البشر العاديين




في خضم تلك الصراعات انتبه الناس فجأة لذلك الصحفي ومقالاته حيث بدأ كل شيء
الشيطان الذي نشر الفوضى واشعل الحروب او البطل الذي حاول دفع البشرية لفجر جديد
ثم لم يعد للناس حديث الا عنه مئات الشائعات عن بطولاته ومئات اخرى عن خيانته للبشر
وانقلب العالم كله بحثا عنه لكنه كان قد اختفى وتلاشت معه كل اثاره






.





لايام استمرت الفتاة الصفراء تنتظره كعادتها لكنه كان قد اختفى
شعور كئيب تملكها ومع الهوس الذي اصاب العالم بكل ما يتعلق به وحمى البحث عنه التي انتشرت في كل مكان
كان رعبها من عدم رؤيته مجددا يزداد يوما بعد يوم
لامت نفسها على غباءها وهي تتخيل ان كل ما يدور حوله من شائعات سيتوقف بمجرد ان ينفي عن نفسه علاقته بذلك الكتاب وبكل تلك الاحداث التي رافقت انتشاره


ادركت الى اي مدى يمكن للعالم ان يكون قاسيا ليدفعنا بلا شفقة لمصير مظلم ويضعنا على حافة اليأس
احساس انها فقدته للابد كان يزلزلها في لحظة تقنع نفسها بعودته ولحظة اخرى يغرقها اليأس
متأخرة جدا ادركت انها وخلال عامين من معرفتهم جاهلة بكل ما يتعلق به لحتى لم يملكا قط وسيلة تواصل
غبية جدا لتعتقد ان تلك الدقائق التي تمضيها معه يوميا ستستمر للأبد
ومع شعورها بالضياع تساءلت ان كان وجوده مجرد وهم لحياة اخرى عاشتها في عالم اخر
شبح مر بها ثم تلاشى حلم تمنت الا تستيقظ منه تحول الى كابوس



في الايام التالية لاختفاءه ومع حالة الاكتئاب التي رافقتها اختارت لنفسها عطلة طويلة
احدث اعتزالها ضجة خصوصا وهي التي كانت خلال العامين الاخيرين قد وصلت باداءها الى ذروته وحققت اعظم نجاحاتها
حتى في هذا كانت تشعر انها مدينة له
فبسبب عدم الاهتمام الذي كان يبديه بذلت اقصى جهدها لتلفت انتباهه
لكنها مهما بذلت من جهد كان دائما تعليقه على اداءها مجرد مديح بارد بلا معنى


كانت تواسي نفسها على بروده بأنها هي الاخرى لا تستطيع ان تبدي اي اهتمام حقيقي بهوسه بالروبوتات وثرثرته المستمرة حولها
حاولت بجهد خلال الاشهر التالية ان تستعيد نفسها وتكمل حياتها كما اعتادت بلا جدوى
الفراغ الذي تشعر به في قلبها الإحساس بأن اغلى لحظات حياتها قد ضاعت الى الابد كان يمزقها


تذكرت احد احلام طفولتها وهي تعد حقيبتها وتهرب من البيت منطلقة في مغامرتها الخاصة
حلمها المستحيل كان الان على وشك يتحقق لكنها احتاجت الرجوع بذاكرتها بحثا عن طرف خيط تبدأ منه رحلتها في البحث عنه



على ان الاحداث كانت اسرع من ذاكرتها المشوشة
وهى على اي حال لم تكن لكلماته واحلامه حول الروبوتات لتعلق بذاكرتها ابدا


ففي ذلك الحين كانت الاحداث المأساوية للكوكب الاصفر قد بدأت عندما فوجئ الناس بواحدة من اكبر مدن الكوكب وقد احترقت وسويت بالارض
ثم في قلب الصحراء التي تحتل ثلثي الكوكب بسبب حالة التصحر التي يمر بها ظهرت مدينة الروبوتات
واعلنت عن نفسها عبر قائد بشري يرتدي قناع روبوت وعد بكل قسوة وبرود بتسوية الكوكب وتحويله الى صحراء
لان حسب كلامه هي الطريقة الوحيدة التي ستدفع البشر رغما عنهم للتطور وتحويل انفسهم لانصاف روبوتات ان ارادوا النجاة


عموما كان سهلا على الناس تخمين ان قائد الروبوتات هذا هو نفسه الصحفي
بالنسبة للفتاة الصفراء بعد حاولت لعشرات المرات اقناع نفسها انه ليس هو قررت في الاخير ان ترحل لمدينة الروبوتات مهما كان الثمن
فلو ليس هو فحتما ستجده هناك ولو كان هو فيجب ان تعرف ما الذي غيره







.






في الايام التي تلت اعلان قائد الروبوتات تدمير الكوكب انطلقت رحلات جماعية من كل انحاء الكوكب سعيا للوصول الى المدينة الروبوتية املا في النجاة
بينما قرر البشر العاديون جمع كل قوتهم لشن معركة فاصلة مع مدينة الروبوتات خصوصا ان ما حدث كان قد وحد البشر
وحتى مجموعات الروبوتات اختار اغلبها الاتحاد مع البشر


وتسارعت الاحداث لتنتقل الى نقطة مفصلية في تاريخ الكوكب بدأت فيه احد اعظم واعنف الحروب في تاريخ كل المخلوقات العاقلة في الكون
والتي ستمدد اثارها لغيرها من الكواكب القريبة منها





.






الاحداث التالية دونتها الراوية في مرحلة متأخرة من حياتها ..


مع انقطاع مذكرات الفتاة الصفراء بيوم بدء رحلتها ومع عشوائية الحرب التي دمرت كل ما يوثق لتلك الفترة
لم تكن امامي الا شهادات مبتورة للمجموعة التي رافقت الفتاة الصفراء في رحلتها
مع بعض وثائق ليوميات الحرب التي دونتها جيوش البشر العاديين في الفترة الاولى للحرب
والتي انتهت بموت قائد الروبوتات الاول ومنها خرجت بتصور للاحداث شعرت وقتها انه يعبر عن تلك المأساة


الا ان رحلتي الكئيبة للكوكب الازرق ولقائي بالمجنونة التي اعادت اشعال الحرب بعدما كانت قد انطفأت بموت قائد الروبوتات
اشعرتني ان من واجبي اعادة تدوين تلك الاحداث رغم قراري الذي لن اتراجع عنه بالامتناع عن ذكر ما مررت به في تلك التجربة
ولا عن كل ما يخص بقية الكواكب السبعة



لو احاول اوضح في اختصار كيف سارت احداث الحرب الاولى
فهي بدأت من رحلة الفتاة الصفراء ومجموعتها بحثا عن المدينة الروبوتية لتنتهي رحلتهم نهاية بشعة بموت اغلب افراد المجموعة بعد ضياعهم في الصحراء


بعدها تلتقي الفتاة الصفراء بروبوت منعزل يرفض مساعدتها
الى ان ينتبه من ثرثرتها انها على معرفة بالصحفي فيقرر يساعدها لسبب مجهول


بعدها تكتشف الفتاة الصفراء انه اصل كل الروبوتات
ثم يروي لها كيف وصل الصحفي لمدينتهم التي كان قد بذل كل ما بجعته من حيل ليخفيها عن اعين البشر
وكيف استطاع الصحفي خلال فترة وجيزة ان يكتشف نقطة ضعف الروبوتات التي استغرقت من الروبوت الزعيم سنوات ليكتشفها
وسنوات من التفكير دون جدوى ليجد لها حلا استطاع الصحفي حلها بتحويل الروبوتات لمجتمع محارب
اتخذ من افناء البشر وسيلة للحفاظ على وجوده


وخلال اشهر تم اعتبار الصحفي الزعيم الحقيقي للمدينة الروبوتية وطُرِد الروبوت الزعيم على اعتبار ان استمرار زعامته ستقود الروبوتات لفناءها
ولان الروبوت الزعيم كان يدرك حقيقة عدم صلاحيته للزعامة رضخ لرغبتهم وانعزل في الصحراء



بعدها تكتشف الفتاة الصفراء كم الحقد الذي يحمله الروبوت الزعيم تجاه الصحفي
وتتفاجئ بتعاونه مع جيوش البشر للقضاء على زعيم المدينة الروبوتية


تقرر الفتاة الصفراء اكمال رحلتها وحيدة لتحذير الصحفي من خيانة الروبوت الزعيم
لكنها تصل متأخرة ليصعقها منظر مدينة الروبوتات المدمرة وفي قلب المدينة كانت جثة الصحفي المعلقة هي الدليل على انتصار البشر العاديين



بتدمير مدينة الروبوتات ومقتل قائدها اشتعلت رغبة ثأثر للصحفي لم تنطفئ قط في قلب الفتاة الصفراء
ليجيرها حقدها على البشر للتعاون مع الروبوت الزعيم على احياء المدينة الروبوتية
ومع الدمار الذي حل بالروبوتات لم يستطع الروبوت الزعيم مقاومة رغبته في التخلص من كل البشر
غير ان الفتاة الصفراء في مرحلة لاحقة استطاعت القضاء عليه بنصب كمين حيث اسقطته في بركة ماء ثم نزعت بطاريته واحرقتها
ثم احرقت بقية اجزاؤه بعدها سيطرت على المدينة الروبوتية الجديدة
لتبدأ الفصل التالي من انتقامها بشن حرب جديدة على البشر وهي الحرب التي ستستمر لحتى فناء الكوكب
والتي لم ادرك تفاصيلها الكاملة ولا نتائجها الرهيبة الا برحلتي المجنونة للكوكب الازرق








.




كان الوقت عصرا وقد دنى الامساء والمطر يهطل بغزارة
وعلى شرفة احد البيوت تجلس عجوزة تحتسي الشاي وطفل مزعج على الاغلب حفيدها يحمل مسدس مائي ومستمر يصوب على المطر


والجدة مثل كل الجدات العصبيات تمسك بيدها مروحة خشبية وتحركها بعصبية وهي تشتم الطفل كل دقيقة ليجلس بهدوء

فجأة يصرخ الطفل بسعادة وهو يشاهد قوس المطر ليخبرها ببلاهة انه شاهده في كتابه المدرسي
ثم يقرر فجأة انه طفل ذكي رغم غباءه الواضح ويشرح لها انه يظهر بسبب انكسار الضوء
لكن الجدة العصبية تضربه بالمروحة على رأسه لتسكته
ثم تشتمه وتشتم كتابه المدرسي تقول شيئا عن الاشياء الغبية التي يعلموها للاطفال في مدارس هذه الايام


تنظر لقوس المطر لحظات وتتساقط دموعها
يصيح الطفل بغباء جدتي انت تبكين
تمسح دموعها وتضربه مجددا على رأسه ليصمت .. تعاود النظر لقوس المطر فتعاودها ذكريات مبهمة عن سبعة كواكب ..


ذكريات بذلت كل ما تملك من جهد خلال سنوات حياتها لتنساها ..
تعاود ضرب الطفل على رأسه بمروحتها من دون سبب هذه المرة
او محتمل انها ارادت تحذيره .. محتمل شعرت انه قد يكبر ذات يوم ليكتشف ما اخفته وما قررت ان تحمله معها الى قبرها ..










 
التعديل الأخير:
#13
الكاتب: ...

نموذج مقتطع من قصة لازلت أكتبها












بقي مختار، في وحدته المظلمة، بين خشبتين عريضتين حدّت من تحرّكاته وأفكاره المبعثرة.

الجوّ رطب. عرقه يتقطّر على جبهته المحمرّة بفعل الإحتقان، والخوف. ينظر إلى وسط الظلمة، وظهره، المحتك بالجدار الخلفي، يتصبب دماً، ليملئ قميصه الأبيض بمياه أخرى تحرق جسده. أقدامه تؤلمه، تشتعل ناراً على ضفاف الأرض الجافّة، والقاسية.

"توقّف"، يقولها في نفسه، كمن ينادي بلا إستطاعة أو قدرة على النداء.

بين أطراف عينيه الضائعة في السواد، هنالك إنارة زرقاء، مطلّة على ذلك المنزل المتوحّد من أسفل تلك الزرقة. تملّك ذلك المنزل كلّ الإنارة، الضعيفة، عن بقيّة المنازل، ومن أعلاها يقف شبحاً، طويل اليدين والقدمين. يقف على علوّ المنزل وينظر بعينين حمراوتين، بسكون وهدوء.

وجهه طويل، يمتد إلى صدره .. الذي لم يكن صدراً بالمعنى الحقيقي بالنسبة لمختار. بدئ كالخط، الممتد، الذي لم يتوقّف إلا من أسفل بطنه، نحو ساقيه الطويلتان، وإلى قدميه، التي إفترشتا على ظهر المنزل كإفتراش النائم على سريره. حضوره أسود، كلّه أسود. ماجعل الأمر مشاهداً بالنسبة لمختار هي تلك الإنارة البخيلة، الزرقاء، التي لمّعت بعضاً مما ظهر منه، ومن عينيه الحمراء، خصوصاً.

عرق .. هنالك عرق كثير ومتمايل على جبهة مختار. مسح جبهته بظهر يده اليمنى، ثم أعاد نظراته، المشتتة، إلى ظلال ذلك الشبح، بدون صوت، أو كلام مسموع.

"توقّف"، ينادي .. بصوت خافت، ظهر من أنفاسه المتعبة.

تحرّك الشبح. فرد قدميه المفروشتان على المنزل، ثم خطى على الجوّ، وكأنما يسير على الأرض. تحمله نسمات الهواء، والدنيا، بعواصف صغيرة، تتناثر مع كل خطوة. خطواته موسيقيّة، أشبه بالموسيقى الناعمة. تبعثر مختار في مكانه، فوقف، ثم هرب، جاعلاً تلك الإنارة من خلفه، والظلام، كل الظلام، من أمامه.

ألم ظهره يتزايد، فيشعر بكل خطوة وكأنما كانت في قلبه. وخزة، تلو الأخرى، خطوة، تلو الأخرى. تشققت أضلاعه وأنفاسه لكي يصل إلى الأمان. تذكّر تلك العبارة التي أدّت إلى كل هذا:

"أرجوك .. أنقذ إبنتي الصغيرة من ألم العذاب، والفراق".

كانت هذه همساته، عندما نادى بأعلى صوته ليستدعي علاج إبنته الرضيعة، القريبة من الموت. علاج الحياة، وعلاج البقاء الأوحد.

كان يجلس على الأرض الخشبية في منزله، وبجانبه إبنته الصغيرة، التي إحتضنتها ساعات النوم إلى الهدوء. جلس بقربها، ثم ناظر في ملامحها التي تشابه كثيراً ملامح زوجته المتوفّية. تركته وحيداً، عابثاً في لحظاتها الأخيرة، أملاً بأن ينقذها من مآل النهاية.

أصابعها اليمنى على صدرها، واليسرى على فمها. تتنفّس بسكينة حملت نفس مختار إلى غرائب الذات، والأسئلة. تبعثرت دموعه على وجهه، كمثل كل مرّة، ثم وقف، وتحرّك بضع تحرّكات من على جوانب الغرفة، أملاً بأن ينسى.

"سأفعلها .. سأفعلها".

متردد، وتائه. تختلط تعابير وجهه بلمحات الإصرار، ولمحات التراجع. يرفع يديه، إلى ذقنه، ثم يحكّ رأسه:"إبنتي ستموت .. لامفرّ من ذلك. سأفعلها".

،،

كان في مقعده المجاور لباب غرفة الدكتور. يستمع إلى رنّات النداء عبر زوايا الأمراض والحالات، إلى الأسماء والتعابير المختلفة التي تغوص في أطياف المستشفيات. الأطباء يسيرون بسرعة، وببطئ، أحياناً. كل خطوة تدل على أهمّية الحالة، ووقعها. يفكّر مختار.

الرائحة طبّية، بكل ماتحمله الطبّية من معنى. هنالك نظافة مشعّة على جوانب المكان، وإبتسامات متبادلة. فُتح الباب، فجاء الدكتور حاملاً أوراقه، بذات الإبتسامة التي حملها البقية على وجوههم. وقف مختار، يرد الإبتسامة بإبتسامة أخرى.

الدكتور شبه وسيم. بخدّين نحيلين، وعيون زرقاء، وشعر أشقر يغطّي نصف جبهته، فيبدو وكأنه بلا جبهة. يقول:"أهلاً سيّد مختار".

"مالمشكلة؟". يسأل مختار.

"أرجوك .. تعال إلى داخل الغرفة".

كان أسلوبه لطيفاً، وإبتسامته ألطف. دخل مختار للغرفة، فأقفل الباب، وجلس الدكتور، بأنفاس ثقيلة، تثاقلت عن طبعها الخفيف الماضي، قبل لحظات. جلس مختار، على ملمس الكرسي الأسود الناعم. يناظر في إبتسامة الدكتور، وإبتسامة الممرضة، التي ظلّت في وقوفها عند الباب.

"كيف حالك؟".

"بخير ..". يجاوب مختار.

لم يكف الناس عن هذه الأسئلة، منذ وفاة زوجته. يسألون كيف حالك، بجرعة زائدة، وواضحة، وكأنما سيزيد هذا الإهتمام معالجة الجرح. في الحقيقة .. لم يكن جرحاً، بل وخزة. يفكّر مختار. لم تكن علاقة مختار، بزوجته، في وضعيتها المثالية. المشاكل تدوم، عادةً، والصراخ يطول، ولهذا كانت وفاتها، في وقت حدوثها، فاجعة، بكل تأكيد، لكن هذه الفاجعة لم تدم طويلاً، بل أصبحت .. مريحة بعض الشيء.

مختار خائف من هذا الإحساس، والشعور، وكابتاً له. لم يرغب بأن يوضّح مدى سعادته بهذه الراحة، بل كان غائباً في صمته وردّه على الآخرين بإيماء الرأس. ينظر إلى عيني الدكتور، وإلى ملامح الممرضة، فيقول:"مالذي يجري؟ كل شيء على مايرام؟".

"بالتأكيد .. بالتأكيد. أريدك أن تسمعني، وأن تتفهّم ..".

"حسناً". البدايات الغير مبشّرة.

بدأ الدكتور شرحه، وإستفاضته، في الحديث عن حالة زوجته، ووفاتها، بسبب فقر الدم، في أثناء الولادة. النزيف الحاد، وماصاحبها من ظروف، آنذاك. سمع الكلام، لمرّة أخرى، بعدما سمع الشرح مسبقاً أصلاً. كانت هذه الكلمات عبارة عن مقدّمات لكلام أهم آخر. يعرف مختار هذا الشيء.

إنتهى من حديثه وتلخيصه، ثم إنتقل إلى إبنته، فقال:"أعرف أن مامرّ عليك لم يكن سهلاً، ولن يكون سهلاً على أي إنسان، لكن .. يجب أن أخبرك بالحقيقة فما نواجهه ليس له طريقٌ آخر. إبنتك مصابة بنزيف في المخ".

توقّف مختار في نظراته نحو الدكتور، في لحظة، ثم إلى الممرضة، في لحظة أخرى. لم يعبّر بشيء.

أكمل الدكتور كلامه:"قلّة الوزن كانت السبب الرئيسي لحدوث هذه الإصابة".

بقي مختار مناظراً، في حيرته المتألمة حول ماسمع، وكأنما إنقلبت الدنيا على رأسه، بثقلها، كلّها. أمسك الدكتور بيديه الإثنتين. إقترب منه، ثم قال:"أنت مؤمن، وعاقل ياسيّد مختار. سنفعل كل مابوسعنا لكي ننقذها .. لاتخف. أردت أن أخبرك بأنها تحت الملاحظة الآن".

إنتهت الكلمات على ذلك الوقع، وذلك الصوت. خرج مختار من المكان، بعدما لاقى أحاديثاً إيجابيّة لم يسمعها، أو يعرف معانيها. كان كالضائع، بين جبال المستشفى. لم يبكي، أو يحترق قلبه، بل بقي واقفاً، هائماً.

ذهب إلى الحمّام، ليغسل يديه، ووجهه. ناظر في ملامحه، الحمراء، في المرايا الأمامية، وإلى صدى الحمّامات الفارغة التي أحاطت به من الخلف. المكان خالي، وكأنما تركه الناس جميعاً ليعيش في عذابه. الوحدة .. عذاب.

بدأت دموعه تنهال، قطرة بعد قطرة. يصرخ:"يا إلهي!". تمسّك بوجهه، جسده، ليكتم صوته الصارخ بما فيه. أصبح بكاءه كالنار المهشّم، يجري على خدّيه، ثم على حلقه، ليصل إلى صدره المكتوم. جلس، على أرض الحمّام، ليواصل نشيجه، وإنغلاقه.

"أهلاً".

سمع صوتاً خافتاً، جاء من مكانٍ قريب. لربما كان شخصاً مارّاً، سائلاً عن مايجري له، ليطمئن عليه. مسح عينيه، ثم سمع هذه الكلمات:

"إبنتك مريضة .. إذاً؟".

لكنته مكتومة، ومشتدّة، وكأنما تحدّث من داخل مكانٍ مغلق. بدئ الصوت خارجاً من إحدى الحمّامات المجاورة، لكن لسرعة الكلام، ولخفّته، لم ينتبه مختار لمكان قدومه بدقّة. رد مختار:"من أنت؟". ظن أنّه الدكتور، مع أن السؤال بدئ غريباً على سمع مختار.

"أنا الوحيد الذي يستطيع أن يعالجها وينقذها من حالها. إبنتك ستلاقي الموت قريباً، لكن لدي الحل".

وقف مختار من مكانه، مرتعباً من هذا الحديث المفصّل، والواعد. من هو هذا الرجل؟ وماهذه الخزعبلات؟

"من أنت؟!".

"إن أردت المساعدة، فقابلني في آخر جنوب الدّار. ستتعدد المنازل إلى سبعة منازل منفصلة عن بعضها، وأنا سأكون متواجداً في المنزل الثالث. ابدأ العد من المنزل الأيمن. لاتستدعي أحداً، وإلا .. سينتهي الدواء على يديك، بفعلتك هذه".

الدّار، القرية الجنوبيّة التي لايحتويها إلا عشر منازل فقط. قرية متروكة، منذ زمنٍ بعيد، وساكنيها رحلو عنها بعدما أغلقت عليها كل الوسائل الممكنة للمعيشة. الخدمات أقفلت، المياه جفّت. أصبحت قرية الدّار من طيّ النسيان، وأصبح رمزها الماضي عبارة عن عشر منازل فارغة، لايسكنها أحد.

إقترب مختار من مصدر الصوت، فضرب الباب بقدمه، ويديه، بقوّة:"إفتح الباب!".

تغيّر مصدر الصوت، من الحمّام المقصود، إلى حمّام آخر مجاور، على الجانب الأيمن:

"لن تستطيع أن تجدني إلا في ذلك المكان. لاتجهد نفسك".

ذهب إلى ذلك الباب، كالمجنون، فضرب بكلتا يديه، وقدميه. الباب مقفل، والصرخات توالت من مختار، الذي بدئ وحيداً في كل وقته الماضي. لم يدخل، أو ينتبه أحد، لما يجري في داخل الحمّامات .. أبداً.

"إفعلها. أستطيع أن أخرجها من المستشفى إلى منزلي، سريعاً. فقط قل .. موافق، وسيتحقق لك ماتريد".

لم يعد يعرف مختار كيف يتعامل مع هذه المصيبة. وقف في مكانه، كالمستسلم، وبقي في نظراته تجاه الباب الأخير الذي صدر منه الصوت السابق. قال، محاولاً أن يسيطر على ذاته:"كيف تنقذها؟ أخبرني".

"هل تهم الكيفية؟ المهم النتيجة. دع الكيفية علي، وعليك السعادة والرضاء. أعدك .. بأن إبنتك ستبقى على قيد الحياة. النزيف سيصبح جزءاً ماضياً، مختفياً، وكأنه لم يوجد من الأساس".

لقد ذكر نقطة النزيف، بالفعل .. مالذي يجري؟ أصبح مختار جاهلاً، وعائماً، في طيّ الغربة. يناظر في جنبات المكان، قبل أن يسأل أسئلته الأخرى. في عينيه بعضاً من السعادة، والأمل، حول مايقال من ذلك المخلوق، لكن في قلبه بعض من الرعب والخوف، حول خرافة مايحدث.

"ماهي إجابتك؟". يسأل المخلوق.

"لقد ذكرت بأنك تستطيع إخراجها من المستشفى. كيف ستفعل ذلك؟".

"عدنا إلى الكيفية مجدداً؟ لقد أجبتك .. لاعليك. أنت قل هذه الكلمة، وستجد مرادك. ليس لدي وقت .. سأرحل الآن. ماهي إجابتك؟". بدئ حديثه مشتدّاً، صارخاً، ومتسارعاً، وكأنما كان بالفعل .. يعني كلامه.

".. موافق". قالها مختار، بلوعة الأمل الوحيدة.

"حسناً. تعال إلي هناك، سأنتظرك".

إختفى الصوت، وفُتحت الأبواب، التي أقفلت جميعاً في الدقائق الماضية. فتح مختار الأبواب، كلّها، لكنّه لم يجد شيئاً. ظلّ في أفكاره، ووحدته في الحمّامات، يصرخ:"أين ذهبت؟!". دخل أحدهم إلى الحمّام، ليسأل:"هل تريد مساعدةً ما؟". كان يسأل بإستغراب.

"لا .. لا شيء". يجاوب مختار.

خرج مختار من الحمّامات، بقلق، وبنظرات توالت على زوايا جدران المستشفى. لربما سيعود المخلوق مرةً أخرى إلى وجوده المخفي، ولربما .. لن يعود أبداً. لربما كان هذا حلماً مفزعاً، تخيّلات .. لحظات منسيّة. لقد وافقت، لكن لم يحدث شيء .. أظنّها من آثار الصدمة، وعدّت هذه الآثار بسلام، يفكّر مختار، ويبتسم، في ظل أفكاره.

"دكتور ..".

جاءت إحدى الممرضات، تركض من طرف البوابة اليمنى إلى البوابة اليسرى. تنادي بأعلى صوتها. نظر إليها الدكتور، الذي مرّ من أمامها بالصدفة. يلبس نظاراته، ويسأل:"ماذا؟". رغبت منه المجيء. كان حديثهم متمتماً، لكن نظراتهم صرخت بشيء آخر. أعطى الدكتور أوراقه لمرافقته الممرضة، فذهب معها، بخطوات سريعة، ومضطربة.

القسم .. كلّه، أصبح مضطرباً. بدأت الأصوات تتعالى، والتنبيهات تزداد، والتكتيم، والتمتمة، تتزايد بينهم جميعاً. مختار بقي في مكانه، يناظر في حالة الجموع، كالغائص في بحر المجهول. نظراتهم تتطرّف إليه، ثم تعود إلى أعمالهم، ومسيرتهم السريعة.

سمع كلمة ضائعة .. لايعرف من أين جائت تلك الكلمة، لكنّها ترددت على إذنه قبل لحظات. ضائعة .. ضائعة .. ضائعة.

"مختار؟". يسأله أحد الممرضين.

"نعم".

"هنالك حالة خطيرة. أرجوك .. تعال معي".

،،

صحت، وجلست سلمى من على سريرها، والظلام يغطّي كل شيء. تقلّبت عيناها في جنبات السرير بحثاً عن جهازها الجوّال، الذي لم ينفك عن الرنين. كان موضوعاً تحت المخدّة المجاورة لها. رفعت الجوّال، أجابت:"أهلاً".

"حالة ضياع في المستشفى". أجابها الرجل، بلكنة رسمية:"رضيعة".

"رضيعة؟".

أغلقت جهازها الجوّال، ثم وقفت، بعيون متعبة. فتحت الإنارة، فبرزت أوضاعها المتقلّبة. عدّة ملابس مرميّة على الجنب، الأيمن والأيسر، وفي المنتصف سريرها الأبيض الكبير، الذي لم يحتويها إلا هي وحدها. برزت تلك الصورة، الموضوعة من على الطاولة المجاورة للسرير. رجلٌ مشعّ بإبتسامته المطلّة.

ذهبت إلى الحمّام، ثم عادت إلى الغرفة، فأخرجت ملابس الشرطة المرتّبة في الدولاب، الموضوع على الزاوية. لبست، ثم جلست على السرير لعدّة لحظات، تناظر في جمع الملابس المرميّة، وفي صورته المطلّة.

شعره أسود، وقصير. وجهه الواسع تحدّه الكثير من الخدوش على خدّيه، وعلى جبهته المشتدّة. عينيه عسلية، كعيون النحل .. تفكّر سلمى. يطلّ بإبتسامة بيضاء، في أقصى بياضها. يمد ذراعه إلى نهاية الصورة، نهاية الصورة المقطوعة من قبل شخصٍ ما، والتي قطع ذراعه فيها أيضاً.

كانت هناك، في طرف الصورة. يضع كفّه على كتفها مستعدّاً لأخذ صورة الزواج المثلى. كان هناك، بجانبها، لكنّه رحل .. فإنتزعت نفسها من الصورة، مجاراةً للحقيقة.

ذهبت إلى المستشفى.




"حصلت الحادثة عند الساعة الثانية عشر وست دقائق ليلاً ..".

كان مختار يسمع لشرح رجال الشرطة، الذين جاورو تلك الشرطية الواقفة في المنتصف. لكن .. من ناحية أخرى، كان تائهاً في تذكّر كلمات ذلك المخلوق، وفي أحلام نومه، التي صحى للتوّ منها. حسناً .. تعال إلي هناك. سأنتظرك.

نام على إحدى الكراسي. أصابته أحلامٌ كثيرة لم يعد يفرّق بينها، وبين الحقيقة. إبنتك مختطفة .. تم إغلاق المستشفى بالكامل. سنجدها، لاتخف. يتذكّر كلمات الممرّضين، وجمع الأطبّاء، الذين إلتقو على عينيه بعباراتهم ووعودهم، وبنظراتهم الهالعة مما يجري، ويتذكّر نفسه، الصامت، الفارغ، والمصدوم، بين تلك الأجساد التي لم تعد تمثّل الحقيقة.

جلس على الكرسي، مرهقاً، متعباً، مما حصل في هذا اليوم الثقيل. عيناه، المجروحة، تنتفض من أشواك الدنيا وآلامها. أغلق عيناه، فراح في سبات.

رأى نفسه يركض، هارباً، من وحشٍ لم يلحظ شكله، أو هيئته. كان في الظلام، وفي أطراف ذلك الظلام خلوّ، ومساحة. ينظر إلى ظهره، فيرى الدماء تسيل، والجروح تتزايد، ويرى تلك الفتاة البعيدة، التي ألقت بصراخها عليه. شعر بأنها تنادي، لكنّه لم يعرف مالذي قالته بالتحديد.

يسأل:"ماذا؟". لكنّها لم تجب عليه. كانت تظهر في صورة الظلّ، ذو الشعر القصير. إختفت، فإختفى الظلام معها. ظهر النور، وظهرت إبنته في المنتصف، شيماء.

كانت تبتسم، وتنظر في عينيه، بنفس حجمها الصغير. تطير في منتصف الفراغ الأبيض. تحوّلت ملامحها إلى الحزن .. بكاء، قطرات دموع، تسيل من جنبها العاري كإنجراف الشلالات. مسحت عينيها فصرخت في وجهه:"قاتل!".

سالت الدموع منها، ببطئ. تمسك بجانبها الأيمن، فالأيسر، أملاً بأن تحافظ على ماتبقّى منها. تواصل هذا المشهد، بصرخات مختار، حتّى إنتهى .. إنتهى الحلم.

"متأسفة على ماحدث. المفتّشة سلمى". مدّت يدها للمصافحة.

قابلته المفتّشة، فقاطعت أفكاره. صاحبة الشعر الأشقر، والعيون الزرقاء، بإبتسامة لطيفة. من الواضح على عينيها حس التعب، والإرهاق، لكن .. ملامحها متفتّحة، ومنيرة، وكما أن جمالها أزاح كل مافيها من مصاعب. وضعت قبّعتها على شعرها الأشقر، الكثيف، الذي إنحدرت منه بعض الخصلات على أذنيها. تلتمس طرف خصلاتها في كل لحظة، لتزيّن تثبيته.

لم يرد مختار، بل بقي صامتاً ومشاهداً لما يحدث، بين الحقيقة، وبين ذلك الحلم الغائب، الحاضر في ذهنه. قالت:"ستكون الأمور على مايرام. البحث لايزال جاري. أريد أن أطرح عليك بعضاً من الأسئلة ..".

لم تكن أسئلتها دقيقة. سألت عن ماحدث في الساعات الأخيرة. أخبرها بأن الدكتور إتصل عليه وأخبره بموضوع مهمّ يحتاج إلى قدومه. جاء إلى هنا فحدّثه عن نزيف إبنته، فذهب إلى الحمّام، وخرج، على الفاجعة. كان يفكّر بإخبارها عن الشبح، أو المخلوق، الذي وعده بالإنقاذ. لكن الوعد تم، وهو .. أن يخرجها من المستشفى، ومن أهم قوانين الوعد بأن لايخبر أحداً، وإلا .. سينتهي الدواء على يديك.

"حسناً .. تم أغلاق المستشفى بجميع أبوابه".

على عكس بقيّة الأطبّاء، لم تعده بشيءٍ ما. لاحظ مختار، أصابعها اليمنى المرتجفة، التي بدت وكأنها منفصلة عن بقيّة جسدها. ترتعش، وتنتفض، بينما أصابع يدها اليسرى بقيت ثابتة:"هل يمكنني الذهاب؟".

إستغربت من السؤال. أجابت:"الذهاب؟ إلى أين؟".

إنتبه مختار، متأخراً، بأن سؤاله مباغت، ومفاجئ، في ظل الحالة الحالية:"لم أعد أطيق التواجد هنا .. أريد أن أبحث عنها بالخارج".

"لاتخف". وضعت يدها اليمنى، المرتعشة، على كتفه الأيسر:"أعرف أن أثر الصدمة ثقيلٌ عليك، لكن .. لن يستطيع أي شخص أن يهرب من المستشفى بهذه السهولة. الأبواب أغلقت سريعاً، والمستشفى مجهّز بكامل التقنيات لتصوير حالة الخطف".

ماذا إذا كان شبحاً، لا إنسان؟ بالطبع، لم يذكر السؤال. قابلها بإيماء الرأس، الشبيه بإيماء رأسه المعتاد، عند وفاة زوجته. قابلته بإبتسامتها، ثم ذهبت إلى الجانب الآخر.






"ماذا عن الأب؟". يسأل رجل الشرطة.

ذهبت إلى الجوار الموازي لمكان جلوس مختار، عند جهاز القهوة. وضعت ظهرها على الجدار، في وقوفها، وزميلها في العمل، الرجل الشرطي، يجلس على الكرسي من أمامها. طلب منها الجلوس، مسبقاً، لكنّها رفضت.

"خائف، مرتعب مما حدث. عينيه وضّحت كل مايجري في أنفاسه. كثير التعرّق". أجابت المفتّشة سلمى، وعلى يدها اليمنى كأس القهوة، الذي يرتجف بعض الشيء:"لم يذكر شيء مهم حول الحادثة .. بالمناسبة، هل تعرف بأن زوجته توفّيت قبل أربع أيام؟".

"نعم، أخبرني أحد الأطبّاء. نزيف حاد عند الولادة".

"ياللقسوة". ترد، ونظراتها تعود مجدداً لملامح مختار، الجالس على الكرسي. بعيد عن الإستماع:"رأيت الكثير من الحظّ السيء، لكن مثل هذا الحظّ؟ قسوة مفرطة".

"قرأت، في إحدى المواقع". يقولها الرجل الشرطي:" .. أن الحظ لعبة تناغمية، بمعنى .. أن الحظ يجيء لمن يرغب بالإيجابية، والحياة، عملية جاذبية".

"وأنا أقول لك، كمفتّشة، بأن كل هذه الخزعبلات عبارة عن هراء". تنظر إليه، ثم تقول:"توقّف عن قراءة تلك المواقع، فهي مضرّة لك".

"أنظري، أنا مبتسم الآن، سأدعوك بعمليتي الجاذبية لأن تبتسمي". يفتح فمه بإبتسامة واسعة، وتبقى نظراته في نظرات سلمى، التي ظلّت في ملامحها الفارغة، لثواني.

سكت، الرجل الشرطي، ثم تحدّث، وكأنما نسي الإبتسامة، والموضوع السابق:"ليس لديه عداوة مع أحد؟ ماضي؟ مشكلة مالية ربما؟".

أخذت كأس القهوة الثاني من الجهاز:"وضعه النفسي متدهور. لا أريد أن أضغط عليه فإجاباته المتلعثمة والمقطّعة حول إتصال الدكتور توضّح جلّ مافيه. سأسئله عندما يهدئ قليلاً".

"ماهذه المشكلة التي ستدفع أحدهم إلى إختطاف إبنته الرضيعة؟".

"نفس المشكلة التي دفعت أحدهم لقتل أبويه قبل شهر .. الإنسان لغز محيّر".

أكملت شرب القهوة، ثم ذهبت إلى الأقسام المختلفة للمستشفى، لتواكب مجريات التحقيقات والمعلومات الجديدة. الحماية، كما هي متوقّعة، قوية، وحادّة، على قسم المواليد. على كل رضيع حماية خاصّة، وفي كل غرفة الكثير من الممرضات والممرضين، المهتمّين بحالتهم على الدوام. كيف سيتم الإختطاف في هكذا موقف؟ تفكّر.

لم يجهز تسجيل الفيديو، على حسب حديث الموظّف، قائد الأمن، العامل في المستشفى. ألقت كثير من الأسئلة على مختلف الأطبّاء. وجّهت رجال، ونساء الشرطة، للعمل، كلٌّ في مكانه، وزاويته الخاصّة.

أرادت الحمّام، فذهبت. أخرجت السيجارة. يا إلهي .. نشوة السيجارة الأولى لها لذتها الخالدة. ناظرت في المرايا، وفي نفسها، في وجهها العبوس الذي يذكّرها بزوجها الراحل. تذكّرت ضحكاته، وإنطلاقاته في الكلام الكثير عن شوقه للسفر، والرحلات الدائمة. لم تنفك هذه الذكريات، ولم ترحل. مع كل ذكرى تزيد إنتفاضة أصابعها، فيصبح حالها أشد، وأقسى.

أدخلت يدها في جيبها الأيمن، فأخرجت حبّة الدواء الوحيدة هناك. مكتوبٌ عليها بعض من الرموز الغير مفهومة. قللّي من شرب الكحول، والتدخين. كل مافيك يدل على مبالغتك وإفراطك لهذا الإستهلاك. الإجهاد، والقلق المتزايد، لن يخف وقعه إلا بالتقليل، أو الإقلاع التام. كانت هذه كلمات الطبيب، طبيبها الخاص.

إبتلعت الحبّة، وشربت من ماء الصنبور. أخذت تمسح في جوانب وجهها، وعينيها، التي بدت تحترق، بفعل لهيب أفكارها وذكرياتها الجامحة. كانت قريبة من البكاء، والدموع، لكنّها إستوت، وناظرت في المرايا، في قبّعتها التي ترمز لتلك المسؤولية الكبيرة، لتعود وضعيّة المفتّشة، سريعاً.
 

Ria

Ashen Chevalier
#14
مثير للأهتمام بما أن الموضوع راح يكون ساحة لرؤية كتابات الأعضاء حول القصص القصيرة/الروايات راح أشارك بفصل كتبته من فترة طويلة لروايتي الحالية. ^^

"الثالث عشر من شهر أكتوبر, الثانية بعد الظهر.

جلست في أحد مطاعم القرية التي وصلت إليها بالأمس في إطار بحثي عن المكتبة من الأساطير. جعلت أتأمل أحوال أهل القرية في حين أتناول وجبتي بهدوء: كيف لقرية نائية كهذه, قرية تتوسط صحراء قاحلة وبالكاد يصلها شيء من الخارج, أن تكون بهذه الحيوية؟ فمِن صاحبة النزل الذي بت فيه الأمس حتى الأطفال الذين يلعبون امامي الآن في الطريق, مظاهر السعادة والرضى كانت بادية على الجميع, بالرغم من بؤس الحال. وما كان يشغلني أكثر من ذلك حتى هو أن من أين لهم الغذاء والماء في المقام الأول؟ فلا التربة هنا صالحة للزراعة, ولا الأرض رطبة, ولا أحد يعلم عن وجود القرية حتى في العالم الخارجي.

"كيف وصل الرجل العجوز لهذه القرية؟" قلتها لنفسي وأنا أقلب الخريطة التي قادتني لهذه القرية, فلم أكن لأصدق أن هنالك حياة في هذا المكان القاحل لو لم أر الأمر بنفسي. بالإضافة لذلك، أهل القرية كانوا يتصرفون بودية غريبة, فلم كانوا بهذا الاحتفاء بالرغم من عدم اعتيادهم على وجود زوار؟ والأهم من هذا, لم قد توجد مطاعم ونُزل في مكان لا يزوره أحد؟ ثم هنالك أمر مع هذه القرية. لكن للأسف, لا امتلك القدر الكافي من الفضول الذي قد يدفعني لركن وجهتي جانباً وتقصي أحوالها,لذا، ماإن أنهيت وجبتي حتى باشرت طريقي إلى وجهتي القادمة التي تشير إليها الخريطة, إلى المعبد المسمى بضريح البومة.

وصلت أخيراً إلى المعبد بعد ساعات من المضي تحت حرارة الشمس الحارقة. جعلت أتأمل جماله المعماري لدقائق, التربة البرونزية المستخدمى في تشييده تعود للعصر الكولهيري؟ إن صح ذلك, فإن عمر هذا المعبد قد يتجاوز ال 6 آلاف سنة, لكن تراص الحجارة يلمح إلى كونه قد أعيد بناءه مؤخراً, تقريباً خلال الألفية الماضية, هو حتماً يسبق الإيريبونية في جميع الأحوال.

أمام بوابة المبنى العظيمة انتصب تمثال رمادي ضخم لبومة. إن صحت الأساطير, فإن التمثال يرمز لما كان يسمى ببومة البنفسج في وثنيات الباندادوليين, وجوده هنا يخبر شيئاً عن طبيعة الذين سكنوا هذا الأنحاء في العصر الكولهيري. الباندادوليون, الشعب الذي شيد الحضارة العظيمة التي امتدت لآلاف السنين, لا تزال تفاصيل اندثار حضارتهم تشكل غموضاً للباحثين حتى اليوم. لكن لم قد ينزح الباندادوليون أو جزء منهم لمكانٍ ناءٍ كهذا؟ هذا بدأ يصبح مثيراً, فحتى لو لم يحو المعبد معلوماتٍ عن المكتبة, هو بلا شك سيخبرني شيئاً عن لغز باندادوليا. لكن إن كان هذا التمثال هو حقاً يرمز لبومة البنفسج, فإنها كما تقول بقايا الأساطير, تستطيع الوصول إلى وعي قاصدي ما تحرسه, فتبحث في نواياهم لتمنع الراغبين بالسوء من الوصول وتسمح للبقية. "هذا قد يكون مخيفاً, لكن لحسن الحظ...أظن بأني من أصحاب النوايا النقية..صحيح؟" قلتها لنفسي في حين شعرت بهالة مرعبة تنبعث من التمثال, كما لو كان يعطيني نظرةً فاحصة. "أتمنى أن يحوي المعبد شيئاً يتعلق بالمكتبة" قلتها وأنا أتوجه نحو الباب الذي ما إن اقتربت منه حتى انفتح ببطء, ومن تلقاء نفسه.

جعلت أجول جنبات المعبد, كان المدخل يقود لممر طويل تنبثق من جوانبه ممرات فرعية عديدة, تفصل بينها أعمدة رخامية عتيقة. كان السقف مرتفعاً للغاية ومحشو بجواهر الكرالت المنيرة, طرازٌ مكلف من البناء لم تعد تقدر عليه معابد اليوم "الزهيدة" كما يصفها الأسقف كواخت لانماركين من العاصمة. كنت أقطع هذا الممر في حين أفكر في المكتبة, مكتبة الآلهة التي كنت أبحث عنها لدهر. المكتبة من الأساطير, هي ذلك البحر الذي تستقى منه كل المعارف, الوسط الذي يحوي جميع الأفكار التي قد حواها وعي في الماضي, وكل التي سيحويها وسط في المستقبل, هي البرزخ الذي يحوي جميع الأوقات والأماكن, هي الجنة التي توجد فيها الإجابة النهائية على جميع الأسئلة, المكان الذي بنيت باستخدام حكمته تلك الحضارة المجهولة التي فصلت بين الباندادولية والإيريبونية, وقت نطلق عليه "الفترة المنزوعة من التاريخ".

دخلت الحجرة الدائرية التي ينتهي إليها الممر من بابها الذهبي, لأتفاجئ بكون الأعمدة المصفوفة بشكل دائري والتي تحيط بها من كل جانب منهدة بشكل تام. الحجرة كانت منهارة من الداخل, كما لو أن زلزالاً حل بها, بالنيران المشتعلة التي لم تبق وثيقة واحدة على الأرفف الحجرية التي تتوسط الحجرة إلا وأكلتها, الآنية الذهبية ملقاة على الأرض, والمكان في حالٍ يرثى لها. "هنالك من كان هنا مؤخراً", قلت لنفسي وأنا أنظر لآثار النار التي لم تنطفئ بعد, "وأيما كان, فهو لم يكن ذا مقصد طيب".

خرجت من المعبد, بعد ساعات من تفتيشه, أجر أذيال الخيبة; فلم يكن هنالك أي أثرٍ يقود إلى المكتبة أو يخبرني شيئاً عن باندادوليا, ومحدث الخراب لم يكن موجوداً في أي مكان. نظرت إلى تمثال البومة الذي بدا وكأنه يحدق بي بنظراتٍ غاضبة, فصرخت عليه:"لست أنا, كذلك..لم لم تمنعيهم أصلاً من الدخول؟" قبل أن أدرك مدى سخافة فعلي, فكيف لتمثال محض أن يمنع أو يسمح؟"الثالث عشر من شهر أكتوبر, نية بعد الظهر.

جلست في أحد مطاعم القرية التي وصلت إليها بالأمس في إطار بحثي عن المكتبة من الأساطير. جعلت أتأمل أحوال أهل القرية في حين أتناول وجبتي بهدوء: كيف لقرية نائية كهذه, قرية تتوسط صحراء قاحلة وبالكاد يصلها شيء من الخارج, أن تكون بهذه الحيوية؟ فمِن صاحبة النزل الذي بت فيه الأمس حتى الأطفال الذين يلعبون امامي الآن في الطريق, مظاهر السعادة والرضى كانت بادية على الجميع, بالرغم من بؤس الحال. وما كان يشغلني أكثر من ذلك حتى هو أن من أين لهم الغذاء والماء في المقام الأول؟ فلا التربة هنا صالحة للزراعة, ولا الأرض رطبة, ولا أحد يعلم عن وجود القرية حتى في العالم الخارجي.

"كيف وصل الرجل العجوز لهذه القرية؟" قلتها لنفسي وأنا أقلب الخريطة التي قادتني لهذه القرية, فلم أكن لأصدق أن هنالك حياة في هذا المكان القاحل لو لم أر الأمر بنفسي. بالإضافة لذلك، أهل القرية كانوا يتصرفون بودية غريبة, فلم كانوا بهذا الاحتفاء بالرغم من عدم اعتيادهم على وجود زوار؟ والأهم من هذا, لم قد توجد مطاعم ونُزل في مكان لا يزوره أحد؟ ثم هنالك أمر مع هذه القرية. لكن للأسف, لا امتلك القدر الكافي من الفضول الذي قد يدفعني لركن وجهتي جانباً وتقصي أحوالها,لذا، ماإن أنهيت وجبتي حتى باشرت طريقي إلى وجهتي القادمة التي تشير إليها الخريطة, إلى المعبد المسمى بضريح البومة.

وصلت أخيراً إلى المعبد بعد ساعات من المضي تحت حرارة الشمس الحارقة. جعلت أتأمل جماله المعماري لدقائق, التربة البرونزية المستخدمى في تشييده تعود للعصر الكولهيري؟ إن صح ذلك, فإن عمر هذا المعبد قد يتجاوز ال 6 آلاف سنة, لكن تراص الحجارة يلمح إلى كونه قد أعيد بناءه مؤخراً, تقريباً خلال الألفية الماضية, هو حتماً يسبق الإيريبونية في جميع الأحوال.

أمام بوابة المبنى العظيمة انتصب تمثال رمادي ضخم لبومة. إن صحت الأساطير, فإن التمثال يرمز لما كان يسمى ببومة البنفسج في وثنيات الباندادوليين, وجوده هنا يخبر شيئاً عن طبيعة الذين سكنوا هذا الأنحاء في العصر الكولهيري. الباندادوليون, الشعب الذي شيد الحضارة العظيمة التي امتدت لآلاف السنين, لا تزال تفاصيل اندثار حضارتهم تشكل غموضاً للباحثين حتى اليوم. لكن لم قد ينزح الباندادوليون أو جزء منهم لمكانٍ ناءٍ كهذا؟ هذا بدأ يصبح مثيراً, فحتى لو لم يحو المعبد معلوماتٍ عن المكتبة, هو بلا شك سيخبرني شيئاً عن لغز باندادوليا. لكن إن كان هذا التمثال هو حقاً يرمز لبومة البنفسج, فإنها كما تقول بقايا الأساطير, تستطيع الوصول إلى وعي قاصدي ما تحرسه, فتبحث في نواياهم لتمنع الراغبين بالسوء من الوصول وتسمح للبقية. "هذا قد يكون مخيفاً, لكن لحسن الحظ...أظن بأني من أصحاب النوايا النقية..صحيح؟" قلتها لنفسي في حين شعرت بهالة مرعبة تنبعث من التمثال, كما لو كان يعطيني نظرةً فاحصة. "أتمنى أن يحوي المعبد شيئاً يتعلق بالمكتبة" قلتها وأنا أتوجه نحو الباب الذي ما إن اقتربت منه حتى انفتح ببطء, ومن تلقاء نفسه.

جعلت أجول جنبات المعبد, كان المدخل يقود لممر طويل تنبثق من جوانبه ممرات فرعية عديدة, تفصل بينها أعمدة رخامية عتيقة. كان السقف مرتفعاً للغاية ومحشو بجواهر الكرالت المنيرة, طرازٌ مكلف من البناء لم تعد تقدر عليه معابد اليوم "الزهيدة" كما يصفها الأسقف كواخت لانماركين من العاصمة. كنت أقطع هذا الممر في حين أفكر في المكتبة, مكتبة الآلهة التي كنت أبحث عنها لدهر. المكتبة من الأساطير, هي ذلك البحر الذي تستقى منه كل المعارف, الوسط الذي يحوي جميع الأفكار التي قد حواها وعي في الماضي, وكل التي سيحويها وسط في المستقبل, هي البرزخ الذي يحوي جميع الأوقات والأماكن, هي الجنة التي توجد فيها الإجابة النهائية على جميع الأسئلة, المكان الذي بنيت باستخدام حكمته تلك الحضارة المجهولة التي فصلت بين الباندادولية والإيريبونية, وقت نطلق عليه "الفترة المنزوعة من التاريخ".

دخلت الحجرة الدائرية التي ينتهي إليها الممر من بابها الذهبي, لأتفاجئ بكون الأعمدة المصفوفة بشكل دائري والتي تحيط بها من كل جانب منهدة بشكل تام. الحجرة كانت منهارة من الداخل, كما لو أن زلزالاً حل بها, بالنيران المشتعلة التي لم تبق وثيقة واحدة على الأرفف الحجرية التي تتوسط الحجرة إلا وأكلتها, الآنية الذهبية ملقاة على الأرض, والمكان في حالٍ يرثى لها. "هنالك من كان هنا مؤخراً", قلت لنفسي وأنا أنظر لآثار النار التي لم تنطفئ بعد, "وأيما كان, فهو لم يكن ذا مقصد طيب".

خرجت من المعبد, بعد ساعات من تفتيشه, أجر أذيال الخيبة; فلم يكن هنالك أي أثرٍ يقود إلى المكتبة أو يخبرني شيئاً عن باندادوليا, ومحدث الخراب لم يكن موجوداً في أي مكان. نظرت إلى تمثال البومة الذي بدا وكأنه يحدق بي بنظراتٍ غاضبة, فصرخت عليه:"لست أنا, كذلك..لم لم تمنعيهم أصلاً من الدخول؟" قبل أن أدرك مدى سخافة فعلي, فكيف لتمثال محض أن يمنع أو يسمح؟ أتجهت بخطاي المنهارة نحو القرية وأنا محبط, فقد كانت الأشهر ثلاث الماضية التي قضيتها وأنا أبحث عن هذه القرية ومعبدها قد ضاعت هباءاً، كانت الرحلة محض مضيعة للجهد والوقت، ليتني فقط بقيت على مخططي الأساسي واستقصيت أمر ليبرل كما نصحني معلمي, "غداً سأغادر القرية, ولن أعود لهذا المكان أبداً ما حييت!"

لكن ظل سؤال واحد يجول في وعيي: من كان الذي قام بتحطيم المعبد؟ ولم قام بذلك؟ فلو كان لصاً لقام بسرقة المجوهرات التي تملؤه ولما اكترث بالوثائق في تلك الحجرة. جعلت أتساءل حتى بان لي نور القرية من بعيد.

لكن مع اقترابي, أدركت بأن النور لم يكن من مصابيح القرية, وإنما من نارٍ عملاقة كانت تأكلها, فاتجهت مسرعاً نحو القرية تملؤني الصدمة, فهل الشخص وراء حادثة المعبد هو ذاته وراء هذا؟ ما الذي يحصل هنا؟"



The Lost Library Arc.
 
#15
أحب الكتابة، وإن كان البعض يرى أن كتابة الرواية عملية سهلة فأنا أرى العكس، يصعب عليّ كثيرًا كتابة قصة قصيرة في عددٍ محدود من الأسطر بالشكل الصحيح، قرأت جزءًا من قصة @Bianca وسأعود لاستكمالها في وقتٍ آخر بإذن الله وأترك رأيي.

ليس عندي قصة أكتبها، عندي أفكار عديدة، لكن كلها على ما يبدو ستتحول لرواية لول
قد أشارك جزءًا من روايتي التي أنهيت بداية هذه السنة.
اتفق معاك ، انا احاول اكتب رواية من مدة ، تقريبا استغرقت عدة ايام حته اكتب اول ٥ صفحات ( الجابتر ١) الوصف يحتاج جهد مو طبيعي حته لو كان شي بسيط.