في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد النجاح الطاغي للعبة Elden Ring الذي جذب حشودا من اللاعبين الجدد إلى عالم “السولز”، حاولت الكثير من الاستوديوهات ركوب هذه الموجة، لكنها غالبا ما وقعت في فخ التقليد السطحي لأعمال FromSoftware. ظن هؤلاء أن السر يكمن فقط في “الصعوبة التعجيزية” وزعماء يتنمرون على اللاعب، متجاهلين الحقيقة الجوهرية بأن هذه الألعاب هي في الأساس تجارب RPG عميقة تعتمد على ميزان دقيق يتحدى فهم اللاعب لأنظمة اللعبة المعقدة.
من وسط هذا الزحام، برزت سلسلة Nioh كعنوان فهم اللعبة جيدا؛ فلم تكتفِ باتخاذ “السولز” كأساس، بل بنت فوقه أفكارها الخاصة لتقدم تجربة منفردة تماما لا يمكن وصفها بالتقليد الأعمى. والآن، بعد تجربتي لهذا الجزء الجديد، أستطيع أن أجزم بأنه العنوان الذي سيلفت أنظار الجميع للسلسلة.
هل أنت جدير بلقب الشوغون، سيد الساموراي؟

تأتي قصة Nioh 3 في أول الخط الزمني للأحداث، ما يعني أنها مناسبة جدا للاعبين الجدد، فليس عليك معرفة تاريخ الأجزاء الماضية لتنغمس في هذا العالم. تدور الأحداث في الحقبة الإقطاعية لليابان، حيث تلعب دور توكوغاوا تاكيتشيو، الوريث الشرعي لعرش الشوغون. في يوم تنصيبه الذي كان من المفترض أن يكون أعظم أيام حياته، يصدم بخيانة أخيه الذي أكلت الغيرة قلبه، ليحول اليوم التاريخي إلى جحيم باستدعاء جيش هائل من “اليوكاي” ناشراً الفوضى في بلاد الساموراي. هنا تجد نفسك الأمل الوحيد ليس فقط لاسترداد عرشك، بل لإنقاذ بلاد الشمس المشرقة قبل أن تغيب بسبب الظلام للأبد.
القصة هنا من أقوى جوانب اللعبة، حيث أنها المحرك الأساسي لك، فأنت لا تقاتل لمجرد القتال، بل تعلم تماما سبب مواجهتك لكل خصم، سواء كان ساموراي خائنا، أو قائدا باع روحه للشر، أو وحشا شيطانيا. ما يميز Nioh 3 هو أنك لست مجرد شخص عابر يحاول فهم ما حدث للعالم عبر قراءة أوصاف الأسلحة والعتاد، بل أنت بطل في قلب قصة مليئة بالتقلبات والشخصيات التي ستتعلق بها حتى لو كانت تقف في الطرف المعادي لك. زاد من روعة هذا الانغماس الأداء الصوتي الياباني المتقن والترجمة العربية التي تعتبر من الأفضل بين الألعاب المعربة ، فالحوارات مكتوبة بشكل يجعلك متحمسا لإنهاء كل فصل. لكن، ورغم قوة السرد، كنت أتمنى لو كان للبطل حضور أقوى يتناسب مع كونه وريث الشوغون، فبقاؤه شخصية صامتة لا تتكلم إلا في حالات نادرة كان يعكر جو القصة أحيانا، خاصة في اللحظات الدرامية التي تنتهي فيها الشخصيات من محاورتك وتنتظر منك ردا لا يأتي.
في وقت الأزمة، الشوغون الحقيقي لا يتراجع

Nioh 3 لعبة أكشن RPG تتبع توجه ألعاب السولز، تنتقل فيها من منطقة إلى أخرى حيث يتم معاقبتك على كل غلطة تقوم بها، تتخللها قتالات ضارية مع زعماء لا يرحمون. كما لاحظت، هذا ما ستجده في كل لعبة سولز في الساحة، فما الجديد في اللعبة؟ وما الذي يجعلها مختلفة عن منافسيها؟
السر يكمن في المزج العبقري بين فلسفة “السولز” العميقة وسرعة ألعاب “الهاك أند سلاش”، مدعومة بتصميم مراحل متقن وموازنة دقيقة للصعوبة. الميزة الأبرز هنا هي منحك القدرة على تقمص دور الساموراي والنينجا في آن واحد، مع إمكانية التحويل بينهما بضغطة زر واحدة أثناء القتال. لكل نمط منهما شجرة مهارات مستقلة ونقاط قوة وضعف تجبرك على التغيير بينهما في كل مواجهة. عند اختيارك لنمط الساموراي، ستحصل على قوة ضرر وقدرة تحمل عالية بالإضافة لميزة الصد، لكن ذلك يأتي على حساب السرعة، حيث تستهلك ضرباتك الطاقة سريعا ولن تكون قادرا على تفادي الضربات الممتالية السريعة. كما يوفر هذا النمط ثلاث وضعيات قتالية تمنحك تنوعا في أسلوب اللعب من خلال “ضربات الكي” ذات الضرر الأعلى. في المقابل، يمثل النينجا النقيض تماما، فهو يعتمد على السرعة الخاطفة في التفادي والضرب باستهلاك ضئيل للطاقة، لكنه يعاني من ضعف قوة التحمل وعدم القدرة على الصد، معوضا ذلك بالخفة و بفنون “النينجتسو” التي تتيح لك استخدام أدوات النينجا كالشوريكن والمتفجرات.
التغيير بين النينجا والساموراي يتيح لك مجالا واسعا لتختبر فيه حركات وأسلحة كثيرة، ما يعطيك القدرة على دمج أسلوبين مختلفين تماما في آن واحد وبناء شخصية هجينة لا تلتزم بقالب واحد. فبينما يعتمد نمط الساموراي على نظام الوضعيات الثلاث (العالية، والمتوسطة، والمنخفضة) مع ميكانيكية استعادة الطاقة والصد المباشر، ينقلك نمط النينجا إلى تجربة مغايرة تماما تعتمد على السرعة المطلقة وقدرة فائقة على المناورة والاختفاء القصير لتفادي الضربات. هذا التبديل ليس مجرد تغيير في المظهر، بل هو اداة ممتازة في يد اللعب للتعامل مع مختلف مراحل القتال أولا، و الاستمتاع بعدد كبير من الحركات التي يمكن الخلط بينها، ما يمنحك شعورا بأنك تملك ترسانتين كاملتين من المهارات والأسلحة تحت تصرفك في كل ثانية من المعركة. تغيير الأسلوب بين النينجا و الساموراي أو العكس، يمكنك أيضا استعماله كحركة صد لإندفاع الأعداء، و هي تقنية لصد الحركات القاتلة عندما يتوهج الخصوم باللون الأحمر. ففي اللحظة التي يشن فيها العدو هجومه الغاشم، يتيح لك التبديل السريع تنفيذ رد فعل مضاد يكسر زخم الهجوم ويفتح ثغرة قاتلة في دفاعاته. هذا التحول اللحظي يمنحك أفضلية مذهلة، حيث يجمع بين صلابة درع الساموراي في الصد وخفة حركة النينجا في الالتفاف، مما يحول هجوم الخصم الأكثر خطورة إلى فرصة مثالية لك لتسديد ضربة حاسمة قد تنهي المعركة لصالحك.
تنوع الأسلحة هنا كبير وعميق جداً، فأنت أمام 14 نوعا مختلفا من الأسلحة، ولكل سلاح منها نسخ عديدة تختلف من ناحية التصميم والضرر بطبيعة الحال، بالإضافة إلى اختلاف تأثيراتها. هذا التنوع الضخم يضمن لك تجربة قتالية متجددة باستمرار؛ فكل سلاح يمتلك أسلوب حركة خاصا به يتفاعل بشكل فريد مع نمطي الساموراي والنينجا. سواء اخترت السيوف المزدوجة السريعة، أو الفؤوس الثقيلة، أو الرماح ذات المدى البعيد، ستجد أن كل نسخة من السلاح تفرض عليك استراتيجية مختلفة، مما يجعل عملية البحث عن العتاد وتطويره جزءا لا يتجزأ من متعة اللعب و تطوير شخصيتك لتلائم أسلوب لعبك. أما فيما يخص العتاد، فالدروع تتبع نفس النهج من العمق والتنوع، فهي تنقسم إلى أجزاء منفصلة تشمل الرأس، والجزء العلوي، والسفلي، بالإضافة إلى حاميات اليدين والساقين. لكل جزء تصميمه الفريد الذي يعكس جمال اللباس الياباني، لكن الاختلاف لا يتوقف عند المظهر فقط، بل يمتد ليشمل أوزان الدروع وتأثيراتها الجانبية وقوة دفاعها. هذا النظام يجبرك على الموازنة الدقيقة؛ فارتداء الدروع الثقيلة يمنحك دفاعا صلبا كساموراي ولكنه يثقل حركتك ويستنزف طاقتك، بينما الدروع الخفيفة تمنحك السرعة والمناورة المطلوبة أسلوب النينجا، مما يجعل اختيار كل قطعة درع قرارا استراتيجيا يؤثر بشكل مباشر على أدائك في ساحة القتال.

لا يتوقف عمق القتال عند الأسلحة والأنماط فحسب، بل يمتد ليشمل القوى الخارقة. فمن خلال ميكانيكية “الأثر الحي”، يمكنك تفعيل قوتك القصوى واتخاذ هيئة الروح الحارسة واستغلال قوتها. فخلال تفعيل هذا الأثر، تصبح منيع ضد هجمات العدو ما يتيح لك استخدام كل هجماتهك القوية بعنصر طبيعة الروح الحارسة كالنار أو الرياح. هذه القوى هي بمثابة سلاحك السري الذي تستخدمه في اللحظة المثالية لإنهاء القتال، وتحديدا ضد الزعماء عندما تقترب من هزيمتهم وتحتاج إلى زخم هجومي كاسح يضمن لك النصر.
تعتبر عملية بناء الشخصية في اللعبة هي الجوهر الذي يربط كل هذه الأنظمة معا، فهي تمنحك الحرية الكاملة لتصميم المحارب الذي يناسب أسلوبك الخاص. لا يقتصر الأمر على مجرد رفع المستويات، بل يمتد ليشمل توزيع نقاط المهارة بدقة عبر شجرات تطوير ضخمة ومتشعبة؛ حيث يمكنك الاستثمار في مهارات الساموراي لتعزيز القوة البدنية والصلابة، أو التخصص في فنون النينجا لزيادة مهارات التسلل واستخدام الأدوات القاتلة. المميز هنا هو أنك تستطيع تطوير كلا النمطين على حدة وبشكل مستقل تماما، حيث لا يؤثر تطورك في نمط الساموراي سلباً على قدرات النينجا لديك، مما يمنحك شخصية متكاملة القوى. التأثير الوحيد الذي قد يطرأ يظهر فقط في حال وجود اختلاف كبير في الأسلحة المستعملة في كل نمط، حيث يتطلب كل سلاح سمات معينة لاستخراج أقصى قوته، مما يضعك أمام تحدي إيجاد التوليفة الجيدة لكلا النمطين.
على الرغم من العمق الشديد، إلا أن تعقيد واجهة المستخدم الخاصة بأنظمة الـ RPG قد يشكل عائقا حقيقيا أمام اللاعبين الجدد، فواجهات القوائم مليئة وشجرات المهارات الضخمة تجعل الأمر مربكا في البداية. هذا التصميم المزدحم يتطلب الكثير من الصبر لاستيعاب البيانات والأيقونات، مما قد يجعل وتيرة اللعب تبدو ثقيلة لمن يبحث عن تجربة أكشن مباشرة وأكثر بساطة.

تتميز Nioh 3 بتنوع أعداء وتصميم زعماء يتمشى تماما مع عمق أسلوب القتال، حيث يضعك نظام اللعبة في مواجهة تحديات موزونة بدقة بين العالم الحقيقي وبعد الجحيم. في هذا البعد، يزداد الأعداء شراسة وقوة بشكل ملحوظ، لكن اللعبة تكافئك بكميات أكبر من “الأمريتا” (XP) مقابل هذه المخاطرة العالية. ولتسهيل الاستكشاف وتجنب القتالات الجماعية المنهكة، أضافت اللعبة نمط التسلل الذي يمنحك خيار القتل بصمت أو المناورة وتجاوز الحشود عندما لا ترغب في المواجهة المباشرة، مع العلم أن البيئة نفسها قد أيضا ضدك في الكثير من الأحيان. ورغم إضافة ميزة التسلل كخيار جديد لتسهيل الاستكشاف، إلا أنني لم أشعر بأن تصميم المراحل يخدم هذا التوجه بشكل جيد، فالمسارات أحيانا تكون مصممة بشكل يجعل التسلل مملا، مما يشعرك بوجود فجوة بين ميكانيكية التسلل المضافة وبين طبيعة تصميم الخرائط التي لا تزال تميل بوضوح نحو القتال المفتوح.
أما الزعماء، فهم أقوى جانب في الللعبة وهم الاختبار الحقيقي لمدى اتقانك كل أنظمة القتال في اللعبة، بعيدا عن تصميمهم الفني الرائع الذي دائما يعطيهم هيبتهم، الزعماء صمموا بشكل ممتاز يجمع بين السهولة إن أتقنت ما في جعبتك من حركات و تأتيراث و بين عد الرحمة ان اتخدت قرارا خاطئا. هذا التوازن الدقيق هو ما يجعل كل مواجهة مع زعيم في Nioh 3 قتالا ممتعا لن تحس فيه أنك قد ضلمت. حيث تكافئك اللعبة بالسيطرة الكاملة إذا أحسنت استخدام “الكومبوهات” وتبديل الأنماط بين الساموراي والنينجا، ولكنها في الوقت ذاته لا تتردد في معاقبتك بأقسى الطرق عند أدنى هفوة. الزعماء هنا لا يعتمدون على أنماط ثابتة، بل يغيرون استراتيجياتهم باستمرار، مما يفرض عليك استخدام كل ما في جعبتك من مهارات الأرواح الحارسة إلى فنون النينجتسو لكسر صمودهم وضمان البقاء في معارك دائما ما تكون ضارية و مهيبة.
اللعبة تشجعك بذكاء على ترك المسار الرئيسي وتجربة الطرق الجانبية، حيث ستجد دائما شيئا يجزيك على فضولك، سواء كان عتادا نادرا أو موارد تطوير. هذا العالم ليس مجرد ممرات للقتال، بل هو بيئة غنية بالتفاصيل تدعم حرية الحركة وتجعلك تشعر أن لكل زاوية قيمة استراتيجية، خاصة مع وجود “بعد الجحيم” الذي يضيف طبقة من التعقيد والمخاطرة العالية. علاوة على ذلك، تتميز البيئة بكونها سلاحا ذو حدين، فهي ليست مجرد خلفية بصرية، بل عنصر تفاعلي قد يستخدمه المطورون لقتلك أو الإيقاع بك في فخاخ مفاجئة. هذا الترابط بين جمال التصميم وقسوة البيئة، مع وجود الترجمة العربية المتقنة التي تشرح لك تفاصيل كل شيء تجده، يجعل من استكشاف عالم Nioh 3 تجربة غامرة رغم قسوتها، حيث تظل اللعبة وفية لمبدأ “الصعوبة الممتعة” في كل شبر من خرائطها.
للأسف لم أقدر على تجربة الطور التعاوني في اللعبة، لأنه كما تعلم عزيزي القارئ قد جربت اللعبة قبل صدورها.
عالم يريد إنهائك، لكنه جميل

يعتبر الجزء الثالث قفزة جيدة جدا من ناحية الرسوميات والتوجه الفني، فالتحدي الحقيقي هنا لم يكن فقط في جعل لعبة تتخذ من اليابان عالما لها تبدو جميلة، فاليابان جميلة بحد ذاتها ومن الصعب جعلها تبدو سيئة في أي عمل فني، بل يكمن التحدي في كيفية إبراز الإبداع الخاص لجعل هذا الجمال فريدا. لقد نجح المطورون في وضع بصمتهم الإبداعية عبر التباين البصري المذهل بين سحر الطبيعة اليابانية وبين كآبة ودمار “بعد الجحيم”، فالتنوع البيئي جعل لكل منطقة هويتها الخاصة، حيث تشعر بتفاصيل العالم في كل زاوية؛ من انعكاسات الضوء على دروع الساموراي وسط الثلوج المتساقطة، وصولا إلى التصاميم المرعبة والمبتكرة لوحوش اليوكاي في أظلم البقاع. هذا الإتقان لم يجعل الاستكشاف مجزيا من الناحية التقنية فحسب، بل حوله إلى تجربة بصرية غامرة ومتجددة، تحفزك دائما على التوقف وتأمل المناظر وتنوع تضاريسها قبل العودة لصراع البقاء
أما الجانب الصوتي فقد كان له نصيب من الإتقان أيضا، حيث تتميز الموسيقى بقدرتها المذهلة على مساعدة اللاعب للإنغماس مع الأجواء، فبينما ترافقك ألحان يابانية كلاسيكية هادئة أثناء استكشاف الطبيعة الساحرة، تنقلب الموسيقى إلى إيقاعات طبول Taiko حماسية وصاخبة بمجرد دخولك “بعد الجحيم” أو مواجهة الزعماء. هذه الانتقالات الموسيقية تعزز من شعور “التباين البصري” الذي ذكرته عند حديثي عن الرسوميات، الشيء الذي عزز حبي لفكرة العالمين.
لحسن الحظ أن الجحيم و ووحوشه، لم يخربوا أداء اللعبة و استقرارها التقني واكتفوا فقط باليابان. فللعبة تعمل بمعدل إطارات تابت نادرا ما ينزل عن الـ60 إطار في نسخى الـPlaytaion 5. و هذا شيء يحسب للإستديو الذي أعطى الجانب التقني نفس الأهمية التي أعطاها للجوانب التصميمية و الفنية في اللعبة