تقارير

انطباعات The Legend of Zelda: Ocarina of Time: الأسطورة تعود من الباب الكبير!

زَادَ الحَبِيبُ عَلَى الكَمَالِ كَمَالَا … حَتَّى تَعَجَّبَ مَنْ رَآهُ وَقَالَا:

مَا الحُسْنُ إِلَّا بَعْضُ فَيْضِ بَهَائِهِ … وَالحُسْنُ مِنْهُ يَسْتَعِيرُ جَمَالَا

البيتان يختصران لي ما أحسست به عند تجربتي لأسطورة الأوكرينا في مقر نينتندو خلال رحلة سريعة الشهر الماضي عشت فيها ذكرياتٍ مضت منذ ثلاثة عقود في تجربة لم تزد عن الثلاثة ساعات ولو أتيحت لي الفرصة لأعدت نفس التجربة مراراً و تكراراً بالرغم من محدودية المناطق التي سُمح لنا بتجربتها إلا إنني رأيت ما يكفيني للتأكد بأن كمال ما عشته في السابق أصبح أجمل مما أمسينا القرن الماضي عليه. وجب التحذير، هذه المقالة  ستكون غزلًا في أحد أفضل، إن لم تكن أفضل ما قدمته صناعة الترفيه ككل في تاريخها، ماضيها، حاضرها ومستقبلها.

من خلال عرض الدايركت الخاص باللعبة تفاجأت من طريقة عرض نينتندو للعبة لأول مرة، بدون أي مقدمات أو عرض افتتاحي، ببساطة قدمت لنا “لينك” في وسط قرية الكوكيري، الصراحة صدمتي كانت من طريقة تقديم العرض “الأقل من المتوقعة” إلا بأنني كنت مندهشًا مما كنت أرى و لم أصدق بأن ما أراه في البث هو ما سوف أجربه عند صدور اللعبة، الكثير منا يتذكر كيف كانت Breath of The Wild في أول فيديو تشويقي لها في 2014 و كيف اختلفت تمامًا عند صدورها لاحقًا بعد 3 سنوات على الـ Wii U و من ثم على الجيل السابق من النينتندو سويتش ولكن بمجرد أن وطأت قدماي منزل “لينك” و خطوت الخطوة الأولى خارجه للقرية تصدمك ليس فقط الواقعية الملموسة لهذه النسخة بل حتى الذكريات تعود معها.

من الناحية التصميمية، نحن أمام إعادة بناء دقيقة بنسبة 1:1 للكلاسيكية الصادرة عام 1998، على الأقل هذا ما نعرفه حتى الآن، حيث إن أغلبية الإضافات الحديثة بالكامل تقريباً تحسينات لجودة الحياة (QOL) أثناء اللعب بدلاً من كونها تغييرات جذرية في صميم اللعبة. ومع ذلك، يقبع فوق هذا الهيكل الهندسي المألوف إصلاح رسومي يحبس الأنفاس؛ فالتكستشرز Textures تبدو غنية ونابضة بالحياة و الألوان، والضوء المحيط يتسلل بشكل طبيعي وساحر عبر جذوع الشجر و الأوراق المتساقطة في القرية. كما تمت إعادة بناء نماذج الشخصيات من الصفر تماماً دون أن تفقد من سحرها النوستالجي. حتى حركة الشخصية أصبحت سلسة بشكل ملحوظ، لتمحو تماماً ذلك التصلب المعهود من حقبة النينتندو 64، مع الحفاظ التام على جوهر شخصية “لينك”.

خلال التجربة فقدت الإدراك بأنني أتيت لتجربة لعبة جديدة، فبمجرد ما أتيحت لي الفرصة في التجول في قرية الكوكيري اتجهت مباشرة للحصول على السيف و الدرع لأتمكن من زيارة شجرة ديكو العظيمة حيث أحسست و كأنني عدت لمكان لا يمكنني نسيانه، إنها نفس القرية التي زرتها عشرات المرات في السابق، لكنني استوعبت سريعًا، مهلاً، لأتأمل حولي و أكحل عيناي بما تقدمه لي نينتندو، تقنيًا و رسوميًا أرى أوكرينا أوف تايم بمظهر أفضل مما تمنيت، اختيار نينتندو أسلوب الرسوم المستوحى من فن الـ Ningyōgeki التقليدي كان اختيار مثالي فقد أضاف لتصميم الشخصيات التي كنا نرى تفاصيلها عبارة عن مضلعات و زوايا روحًا و تفاصيل تعكس شخصيتها و جنسها و تلائم موقعها في عالم اللعبة مما يحسسك بشعور عوالم القصص الخيالية الكلاسيكية.

بعد حصولي على السيف و شرائي للدرع بـ 40 روبي، وهذا يعني أن خلال 30 عام لم تعانِ هايرول من أي تضخم في اقتصادها، مما قد يعني أن هناك ركود اقتصادي مخيف في هايرول، شكرًا جانون؟ عمومًا، اتجهت سريعً لمقابلة شجرة ديكو العظيمة و كانت أول لحظة سينمائية في تجربتي، تصوير شجرة ديكو العظيمة السينمائي و التحدث مع “نافي” و “لينك” بينما تتسلل خيوط أشعة الشمس بين أوراقها و يكسرها الغبار و أوراق الشجر المتطايرة من نسيم غابة الـ”ـكوروك”. الذاكرة لم تخنّي أبدًا عندما بدأت بالتجول في داخلها، كأنه أشبه بدخول منزل طفولتك حيث كبرت، فمهما مرت من السنين فقد يكون من المستحيل أن تنسى طريقك فيه. كما ذكرت في البداية، نحن أمام “ريميك” بنسبة 1:1 كما نعرف حتى الآن، فأفكار الألغاز الأساسية لا تزال كما هي دون مساس، مما سمح لعقود من الذاكرة العضلية بتوجيه كل حركة وتنقل بين كل منطقة ومنصة والحصول على المفاتيح للوصول إلى الغرفة التالية. ومع ذلك، تم تنشيط البيئية ودقة الأعداء بالكامل؛ العناكب لازالوا مزعجين في دورانهم و تحركاتهم المثيرة للقشعريرة، وحتى صناديق الكنوز الخشبية تبدو متهالكة. نعم تم اعادة بناء الألغاز كما كانت في السابق لكن التحسينات الرسومية و الحركية فيها ينقل اللعبة بشكل كبير ثمانية وعشرين عامًا إلى جيلنا الحاضر، حركة الأسطح و السلالم وغيرها من مناطق المرحلة ليست فقط أكثر واقعية بل أكثر منطقية أيضًا. للأسف كانت تجربة هذه المنطقة قصيرة نوعًا ما حيث انتهت التجربة بمجرد السقوط من خلال شبكة العنكبوت الكبيرة عند المدخل.

حانت لحظة الخروج من قرية الكوكيري و أخيرًا اللحظة التي انتظرتها كثيرًا منذ بداية الجلسة، تلك اللحظة التي تخرج فيها من كثافة الأشجار والظلال إلى ساحة هايرول الشاسعة، إلى مروج هايرول التي يقطعها نهر الزورا و يعتليها بركان “ديث ماونتن”، بعض محبي لعبتي Breath of The Wild و Tears of the Kingdom سيجدون مكانًا مألوفًا في هذا الحقل، بالطبع اللعبة لا تحتوي على ضخامة العالم مفتوح الذي اعتادوا عليه لكن بعد لحظات من التجول فيه سيبدو مقاربًا لهما نوعًا ما. شخصيًا أُفضل ما رأيته في حقل هايرول هذا عن لعبتا النينتندو سويتش، لم تبخل نينتندو في استخدام عتاد الجيل الثاني من السويتش فالمدى البصري يمتد لمسافات طويلة و شفرات الأعشاب تتمايل مع نسيم الهواء و الرياح و تتأثر بخطواتك أثناء الجري و التدحرج بينما أنت تتوجه إلى قلعة هايرول.

خلف أسوار القلعة تقع بلدة صغيرة تعج بالحياة في أسواقها و رقصات المحبين و الدجاج الهارب في كل مكان، بفضل حرية حركة الكاميرا في هذه النسخة أصبح بإمكان اللاعب النظر في كل زاوية، بعكس ما كانت عليه اللعبة الأصلية حيث كانت الكاميرا ثابتة بين الأزقة والأسواق، كما أن الوقت أصبح يمضي بينما أنت تتجول داخل البلدة فستلاحظ تغير لون السماء بينما تغيب الشمس، للأسف كانت هذه اللحظة التي طلب مني الانتقال للجزء الثالث والأخير من جلسة التجربة.

بعد ذلك، أخذ الديمو قفزة دراماتيكية هائلة للأمام، مسلماً إياي زمام الأمور للعب بنسخة لينك البالغ (Adult Link) خارج معبد الغابة. لكن قبل هذا كانت لحظة عاطفية لأن تجربة انتقال الديمو بشكل مباشر من “لينك” البريء إلى هذا المحارب البالغ المتمرس “عريض المنكعين” تذكرني ببعض أحداث لعبة Twilight Princess ومعرفة المحن الثقيلة والتضحيات والأهوال التي تنتظره تضفي على تصميمه الأكبر سناً جاذبية سردية عميقة. أنت لم تعد تتحكم ببطل وحسب؛ أنت تحمل على عاتقك عبء سقوط هيرول بأكمله.
و لكن بما أنني ألعب الأن بـ “لينك” البالغ فهذا يعني انني أمتلك السيف الأشهر في عالم الألعاب، الماستر سورد وطبعًا لا ننسى الدرع الأشهر، درع هايرول. الان لدي كل ما أحتاجه الآن لخوض المغامرة الأولى بعد البلوغ و المحطة الأولى هي معبد الغابة أو الـ Forest Temple.

مباشرة بعد عتبة المدخل، يُستقبل “لينك” بزوج من ذئاب الـ Wolfos الشرسة. هذا اللقاء يعمل كاختبار حقيقي لطريقة قتال لينك البالغ. على عكس المناوشات السهلة نسبيًا التي كان يقوم بها لينك الذي يصغر عن البالغ 7 سنوات، تتطلب هذه الوحوش توقيتاً متعمداً، وتمركزاً صحيحاً للدرع، و تلويحات دقيقة بالسيف. قد يكونون مجرد وحوش صغار لكن قتالهم ينبه اللاعب أن قتال البالغين يحمل وزناً ميكانيكياً مختلفًا عن السابق، الصعوبة زادت بعضًا من الشيء لكن مع الحفاظ على التوازن التي تعرف به السلسلة والذي يعطي الأولوية للاستكشاف (المكاني و الزماني) والتنقل بين القرى و المعابد بدلاً من العقاب المستمر التي تعرف به بعض الأنواع الأخرى من الألعاب.

بعد التخلص من الذئاب و الحصول على المفتاح ستدخل إلى القاعة الرئيسية للمعبد و ستتعرف على شقيقات Poe الأربع التي سيتوجب عليك العثور عليهم و قتالهم لإعادة تفعيل المصعد الرئيسي للمعبد. سوف تتنقل في ممرات الملتوية، و تدخل في متاهات مختلفة عبر غرف متعددة المستويات ستستمتع بتصميم الـ”ـدنجن” الأصلي حتى تحصل على القوس و السهام، الحليف الأهم لك في هذا المعبد، فمن دونه لن تستطيع اصطياد أي من الشقيقات حتى تصل إلى المواجهة الأخيرة و التي أزعجتني بعض الشيء فقد نفذت سهامي تمامًا و أصبحت أفكر ماذا عساي أن أفعل حتى تذكرت أنني أمتلك خطاف الصيد (Hookshot)، قمت باستخدامه سريعًا لإنهاء المهمة.

أخيرًا بعد عودة المصعد و بعض الألغاز البسيطة استطعت الوصول إلى الباب الرئيسي في المعبد و الذي يصلني إلى غرفة اللوحات المخيفة لمواجهة الزعيم Phantom Ganon. في السابق كنت أنزعج من طريقة قتاله، خصوصًا أول مرة لعبت فيها اللعبة، طيف مرعب ومدرع يقفز من لوحة لأخرى و يتوجب علي رميه بالسهام و معرفة أيهم الطيف و أيهم الحقيقي. عند مواجهته اليوم، تحول خوف الطفولة هذا إلى رهبة خالصة وإعجاب. تصميمه الجديد و الجواد الذي يمتطيه، وسحره المتوهج يفرض سيطرته على الغرفة بأناقة مرعبة. انطلقت المعركة مع لعبة ‘Dead Man’s Volley’ أو “الرمية الملتهبة” التي يبدو بأن جانون يستمتع بها و يتوجب عليك صد كرات الطاقة ذهاباً وإياباً بالسيف. الانتصار في هذه المبارزة هي آخرة لحظات فترة التجربة و فور انتهائها أحسست بالحنين لتجربتها مرة أخرى و بالفعل سمح لي الفريق بإعادة لعب المعبد مجددًا حيث انني انتهيت من التجربة الاولى بسرعة قبل الآخرين حولي، لا أعتقد أحدًا من الموجودين أراد أن يضع يد التحكم جانبًا.

قبل أن أختم هذا الأستعراض الغزلي، يجب أن أذكر الآلة الموسيقية الأشهر في عالم الألعاب والتي تحمل اللعبة اسمها، الأوكارينا. سحر نغمها وايقاعها تداعب الأحاسيس و تنقلك أنت أيها اللاعب إلى عالم يقف فيه الزمن بينما تنصت إلى ألحان الأغاني المختلفة، إلى ألحان الملحن الأسطوري كوجي كوندو الاسم خلف العديد من ألحان نينتندو التي خلدت نوتاتها الموسيقية ألعابها كـ سوبر ماريو بروس، زيلدا، ستارفوكس وغيرها الكثير. أغنية الزمن أو الـ Song of Time في هذه النسخة تأتي بدقة صوتية واضحة و غنية تخطف الأنفاس لتذكر اللاعب بأن الموسيقى هنا ليست مجرد لمسة جمالية، بل هي النبض الحقيقي للمغامرة.

عالجت نينتندو أيضاً واحدة من أكثر النقاط إزعاجاً في اللعبة الأصلية: إدارة الأغاني. بالضغط على زر الأسهم الأيسر، يمكن للاعبين استدعاء كتاب الأغاني على الفور. هذه الشاشة تعرض بوضوح جميع النوتات الموسيقية المكتسبة أثناء اللعب، مما يسمح لك بالرجوع إلى الأغاني والعزف بحرية دون الحاجة لإيقاف اللعبة أو البحث في القوائم.

ما صنعته نينتندو هنا لا يقل عن كونه استثنائياً. من خلال الحفاظ ليس فقط على جوهر اللعبة بل حتى مع اعادة البناء أو الريميك، ظاهريًا قد تبدوا بأن اللعبة لم تختلف كثيرًا عن النسخة الأصلية، هي نفسها الأسطورة التي لا تزال تتربع على عرش ألعاب الفيديو، هي نفسها التي قدمت أحد أكبر القفزات في عالم الترفيه، هي نفسها كلاسيكية 1998.هذه النسخة لا تقدم فقط رسوميات جديدة بل تسد الفجوات بين الأجيال دون أي عناء. بالرغم بأن اللعبة عبارة عن إعادة بناء صارمة بنسبة 1:1 كما ذكرت، فإن جزءاً مني يأمل في خيار صعوبة Master Quest أو إضافته كـ DLC مستقبلًا لدفع اللاعبين الذين يتوقون لتجربة أصعب إلى أقصى حدودهم.

في النهاية، هذا الريميك هو هدية نينتندو بعد كل هذه السنين لمحبي زيلدا القدامى و الجدد منهم، من استمتع بـ Skyward Sword أو من بدأ رحلته مع نسمة البرية Breath of the Wild، هذه فرصة مثالية لهم لتجربة العنوان الأفضل في السلسلة بالنسبة للعديد من عشاقها و فرصة ذهبية لمن لم تتح له الفرصة بتجربة لعبة زيلدا من قبل.

أحمد المصطفى

إداري شبكات تروجيمنج و إلكتروني.


أﺣﺪث اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎت