لهذه الحكاية أركانٌ متعددة، تمتد جذورها لتتصل للعديد من المواضيع الشائكة من قلب الولايات المتحدة في ختام القرن التاسع عشر، الأراضي التي وصفت كونها ملجئ الحرية، الأراضي التي اتخذت من "العم سام" شعارًا ورمزًا لها.
من بعد أن عاشت العصابات عصرها الذهبي في الولايات، استخدمت وكالة "البينكرتون" جل طرقها لأنهاء ذلك العصر، وبدأ عصر جديد حيث يكون للحكومة السلطة العليا في كل شيء، بين هذا وبين أقطار التجار البشعون، الذين يستخدمون كل طرقهم لإرضاء شهواتهم وملء جيوبهم بالمال الذي يستحقونه، والذي لا يستحقونه، مستخدمين أدسس الطرق وأكثرها وعرًا…
ترتبط هذه الجذور أيضا بحكايا أخرى، تلك العوائل النبيلة التي نزحت من القارة العجوز باغية امتداد أملاكها في ذلك النطاق الجديد، إلى أهل الأراضي الأصليين الذي محق الرجال البيض أراضيهم، واغتصبوها وسفكوا دمائهم وخدوعهم حتى أصبحوا بلا حولٍ ولا قوة…
هذه الجذور هي الجذور التي غذت تلك الشخصية المحورية في هذه اللعبة، الذي يصنف نفسه قائدًا ومعلمًا وشهمًا شجاعًا، ويصف نفسه بكل شموخ بقوله "أنا ساعٍ"، ليلهم الشجعان أخرون لينضموا تحت لوائه، بالولاء المطلق له ولرؤيته، واثقين تمام الثقة بكونه سيحقق وعوده لهم، بإيجاد وطنٍ لهم، وتحقيق السلام لهم.
صلابة الكتابة في هذه الحكاية تُدرس، وجودتها العالية مفاجئة، فلم أعهد يومًا قصة من (روكستار) بجودة الحوارات ودقة التفاصيل وتنوع أساليب السرد بشكل ذكي، ويزيد على هذا جودة الأداء والتمثيل الصوتي، وأدق وصف له هو أنه "مناسب" لأجواء اللعبة وشخصياتها البشرية ذات الأحاد الواضحة، "دان هاوسر" تمكن من كتابة القصة الأكثر مثالية لخلفية العالم الممتازة، قصةٌ مثل هذه مكانها أن تحترم كتحفة فنية من تحف عالم الألعاب.
تبدأ هذه القصة بداية باردة نوعًا ما، مليئة بالثلوج، والضباب المتكدس حولها، ثم شيئًا فشيئًا ستعرفك اللعبة أكثر على قصصها، شخوصها، عالمها، حتى يذوب الثلج وينكسر الحاجز بينك وبينها، المقدمة كانت طويلة ومملة نوعًا ما، ولكنها بنفس الوقت أدّت المطلوب منها في إدخال اللاعب في جو هذا العالم.
تذهب اللعبة بعد ذلك في ربيعها الخلاب، ربيع العالم البهي، وربيع قصتها واللعب مع انفتاح العالم لك، مع تعرفتها لك لـ[أرثر مورجان] الشخص الذي ستنظر إلى هذه القصة بمنظوره، وستتفاعل معها بتصرفاته وأفعاله، ستتعرف كذلك على شخوصها والتوسّع فيهم، وستدرك قوة اللعبة مع نظام المخيم المبهر، أي فعلة قصصية تفعلها من بعد المهمة ستجد زملائك في المخيم يتحدثون عن الأمر ويزيدون أو ينقصون، كأنهم فعلًا يعيشون معك الذي تعيشه في القصة!
خلال هذه الفترة شعرت كون اللعبة تقدم [داتش فاندير ليند] تقديمًا باردًا نوعًا ما، وستتعرف عليه أكثر من حديث الأخرين عنه، المعلم، الملهم، القائد... يفتخرون بكونهم تحت قيادة شخص مثل هذا ومختلف عن بقية قادة العصابات، ومع ثقة [أرثر مورجان] العمياء تجاهه، قبل أن تتعرف عليها أكثر في المستقبل.
ستتعرف أكثر على أعضاء العصابة، كل فردٍ منهم تقريبًا ستذهب معه في مهمة وكما تتعرف على العالم ومكنون المهمة ستتعرف على رفيقك أكثر وستدرك أبعاده وأحاده ونمطه، وأحيانا ستنقذ بعض الرفاق المأسورين، أو من تعرضوا لخطر مثل [جون مارستون] و [شون ماكغواير]، أحدى المهمات *المتعلقة بـ[مايكا بيل]* كانت ذكية في ترسيخ خطر هذه الشخصية في داخلك، أينما حلت معك فستحل كارثة ومجزرة!
ينتهي الثلث الأول من اللعبة بعد أن غمسك في عالمها وعرفك تعريفًا كافيًا للشخصيات وتمكن من بناء علاقة بينك وبينهم، وكذلك بالأخطار الممكنة مثل عصابة الـ[أو'دريسكو] بتعريفك بأشد الأخطار خطرًا وشرًا، بوكالة "البينكرتون" وجديتهم في استئصال نظام العصابات عن بكرة أبيه، بدءًا بتعريف أرثر بمطلوبية على رأسه تقدر بـ5000$!
تتجه اللعبة في ثلثها الثاني إلى جدية أكثر في سردها وعرض المشاكل المتعلقة بهذا العالم بصورة أكبر، وخطر وتأثير تواجدهم فيه، ستتجه اللعبة نحو تعريفك أكثر بمن يكون [داتش] وماهي طموحاته وأفكاره وهذه المرة من تفاعلٌ مباشر بينك وبينه، بشكل أكبر من المهمات السابقة.
تتجلى في بعض المهمات قوة [داتش] في الألسنة والتلاعب في الحديث مثل ما حدث مع [العمدة جراي] وطريقة توطيده للعلاقات معه، وكذلك خبرة [هوسيا ماثيوز] في دبلوماسيته وطريقة في تعامل الأمور، مع وعود [داتش] العديدة للسلام، والطمأنينة، والراحة في هذا العالم...
ثم ستتضح لك بعد ذلك مدى "حقارة" [داتش] وتناقضاته في سرقته وتخريبه للعائلتين، إحراق حقولهم، سرقة أغلى ما يملكون، وقتل أعتى رجالهم، من أجل "حفنة" غير مؤكد نفعها من المال، والأدهى من ذلك هو تنفيذ أعضاء العصابة لهذا من دون "شك" أو "تردد"، هكذا هو [داتش]، مفوّه ومتناقض، يتحدث بالكذب، غروره تسبب في فقدان الطفل [جاك] ابن [جون] و[أيبجيل]، تسبب في فخ [الشريف جراي] في مدينة "روديس" والمجزرة التي حدثت هناك، فقدان [شون] بطريقة مؤسفة… حربٌ موحشة كانت ثمنًا قاسيًا توجب على [داتش] ورفاقه دفعه.
بعد تلك الحادثة اضطروا للنزوح إلى أكبر المدن في أمريكا وقتها وأكثرها تطورها "سان دونس" حتى ينقذوا [جاك] الصغير من براثن [أنجيلو برونتي] ليتعرفوا هناك على العديد من الوجوه المختلفة ذات الثقل في أمريكا حينها، منهم [راينز فول] الممثل للسكان الأصليين "الهنود الحمر".
ومن مناوشة لمناوشة أكبر مع مباغتة عصابة الـ[أو'دريسكو] للمخيم في مشهد دموي بتمثيلهم لجثة [كيران] بصورة بشعة، هذه الهجمة المفاجئة أدت لجنون [داتش] وخروجه عن المنطق بصورة أكثر تمردًا من العادة، فلقد قرر اختطاف [برونتي] وسرقة بنك أكبر المدن في أمريكا!
من بعد أن نجحت العصابة بالكاد من اختطاف [برونتي] نتفاجئ بقتل [داتش] له بصورة مذلّة، إن كان سيقتله لم أمر باختطافه منذ البداية إذا؟ ثم تتجه القوافل نحو اقتحام البنك بواحدة من أكبر مهمات العصابة، لتحصل أكبر مباغتة في اللعبة بقتل [هوسيا] بطريقة محزنة، قتل [ليني]، القبض على [جون]، تشتت أعضاء العصابة مجددًا، والفرار نحو البحر، سرقة تلك الباخرة، أملهم الأخير بالنجاة... لتنفجر في وسط المحيط وتغرق!
أحداث الثلث الأخير من اللعبة خطية نوعًا ما، وتركز على سرد القصة بطريقة أحادية وحل العقد وإنهاء الملابسات، أعتقد أن أكثر مشاعر ترتبط بها هو "الحزن" الذي سيصاحبك في أحداثها.
نجاة، ولكن أي نجاة تلك في قلب جزيرة مهجورة ولكن مأهولة، ليجد الحفنة الباقون أنفسهم في وسط مشهد عنيف من الظلم والطغيان في وسط جزيرة "غوارما" الكوبية، حيث يستعبد فيها أقوامًا بغيّة عملهم القصري في استخلاص السكر، أحد الجوانب التي يفرض فيها التجار سيطرتهم وجوانبهم الخبيثة، من بعد أحداث فوضوية وموترة في الجزيرة يتمكن الأفراد من الهرب من تلك الجزيرة... ليقرر [داتش] عودتهم مجددًا إلى [أمريكا] لإنهاء أمور لم يتمكن من إنهائها.
تلك العودة أزاحت الكثير من الضباب حول [داتش فاندير ليند] الذي تحول لطاغية مستبد، يجمل أفعاله بالكلام اللين والمرصّع ويستفيد من كل قطعة في ملعبه حتى ينفذ أهدافه، والتي لا تتجاوز زيادة حفن المال على التي يمتلكها...
تبدأ تلك العودة باكتشاف [أرثر مورغان]، البطل البشري الي مثّل تصرفات اللاعب وتفاعلاته في العالم طوال اللعبة، الشخصية التي فرضت وجودها في هذا العالم وفي هذه العصابة وشكلّت بينها وبينك العديد من الروابط، باكتشافه بإصابته بمرض "السل" وأنه لا يمتلك سوى أيامٌ معدودات لمعيشته...
شخصية [داتش] تمثل الرأسمالية الأمريكية بكل تفاعلاتها، اللهث وراء المال، القتل والنهب بغير الحق، استغلال الشخصيات المنفعلة والشخصيات المتأثرة ليحقق أهدافه، ثم تلميع كوارثه في لحن القول وتزيين أفعاله بكونه لا يريد إلا الخير وإيجاد موطن لهم في "تاهيتي" أو "أستراليا" وكل هذا مجرد كذب ملفق.
[أرثر مورغان] و [جون مارستون] قد ذاقا ذرعا من تصرفات [داتش]، خصوصًا هذ الأول من بعد أن أسودّت الحياة أمامه أصبح لا يرى شيئًا، أستغل [داتش] وحشية وعصبية [Eagle Flies] في مسعاه وفخره في تحرير وطن أجداده وابائه، بينما أتجه [أرثر] إلى مساعدة ومواساة أبيه [راينز فول] الذي لا يسعى لشيء سوى للسلام.
تلك الأحداث التي جمعت [أرثر] و [راينز] كانت من أجمل الأحداث، بعيدًا عن بشاعة العصابات والحروب الدامية التي حدثت وتحدث، كانت عن قيمة الحياة ومفهومها، عن السلام، تحدث فيها [أرثر] وصرّح عن حياته مع معرفته بقروب اجله الذي لا مناص عنه، تحدث عن الفتاة التي تزوجها والأبن الذي أنجبه منها وكيف تم قتلهم من قبل عصبة لصوص، تحدث عن هوية والده وعن إنقاذ [داتش] له، ولأول مرة صرّح بشكل واضح عن اهتزاز صورة [داتش] وأنه أصبح لا يرى فيه إلا مفوّها خبيثًا يستغل مشاعر الناس لمصالحه...
مع بدء إرهاصات الختام، رسّخ [أرثر] فكرة هروب [جون] و[أيبجيل] وأبنهما من العصابة بعد أن أضحت مكانًا ملوثًا، مع طغيان الأفعى الخبيثة [مايكا بيل] على أفكارها وزرع خلاياه المتسخة داخلها غصبًا وكرهًا، لتنقشع غمامة "الأخوّة والولاء" عن [داتش]، فترك [أرثر] لمصرعه في محطة النفط تارة، قبل أن يضحي [إيجل] بحياته لينقذه، وتارة أخرى في سرقة القطار الأخير تخلى عن [جون] ليموت من دون سبب يذكر!
لتعود العصابة لمقرها وتكتشف اختطاف [أيبجيل] وتدس الأفعى سمها في أفكار [داتش] الخبيثة بأصلها ليقوما بالتخلي عنها بحجة "مجرد فتاة"، لكن حميّة [أرثر] وأخوته مع [جون] قادته لإنقاذ زوجة صديقه مع المخلصة [سادي آدلر] من براثن "البينكرتون"، وهناك تحدث الصدمة، باكتشاف [أرثر] من متحدث البينكرتون نفسه، أن الجاسوس الخبيث والفأر الذي سرب لهم المعلومات والمواقع منذ البداية لم يكن إلا [مايكا بيل]، وكأن خبثه وبغضه وأفعاله المشينة ليست أسبابًا كافية لكراهيته!
يعود [أرثر] للعصابة في طريق وعر، مع إدراكه لكون أجله أزف له، تلك الرحلة مع الحصان المملوءة بالأحاسيس، تلك الشخصية التي عاشت كصياد وكضحية، من قاتلٍ بارد إلى ساعٍ للسلام، ليصل إلى مقر العصابة وهناك يحدث التفرق الأخير بين أعضائها، بين من يصدق [أرثر] الذي لم ينطق إلا بالحق وبين من يصدق "الولاء" لـ[داتش] و[مايكا] معه، عودة [جون] الذي أعتقد أنه ميت ثم هجوم البينكرتون الأخير لمحو العصابة، هاهنا كانت أخر اللحظات...
أستمر [أرثر] بالهروب مع [جون]، وأستمر بالتأكيد على أهمية عائلته وحفاظه عليهم، على تربية [جاك] والاهتمام بـ[أيبجيل]، في لحظة تملؤها الكثير من المشاعر الإنسانية، ينفصلان عن بعضهما بمقولة جين له "أنت أخي يا [أرثر]"... ثم يذهب [أرثر] مع أنفاسه الأخيرة ليقاوم البينكرتون قبل أن يفاجئ بهجوم نجس من [مايكا بيل] واعترافه بالخبائث كلها أمامه، باعترافه بأنه كان ينوي قتله منذ البداية وكان يبحث عن فرصة ليجد ذلك!
بعد ذلك القتال يتدخل [داتش] لإيقافه، ليرى [أرثر] مصروعًا بين براثن الموت يلفظ أنفاسه الأخيرة، و[مايكا] يستنجد [داتش] بأن يقتله، ينأى [داتش] عن هذا المشهد، لينتهي بوفاة [أرثر] في هذه اللحظات…
النهاية كانت مؤلمة ومؤسفة في جوانب كثيرة إلا أنها كانت النهاية المثالية لهذه القصة، التمهيد لها بدأ منذ البداية، يا لها من قصة عشناها، يا لهم من أشخاصٍ من تعرفنا عليهم، ويا لها من لعبة تلك اللعبة.