بعد مرور عشر سنين على حرب كبيرة غيرت وجه اليابان، صارت البلد تغلي بنار الفوضى والمشاكل المدنية، وتغذيها الجريمة المتفشية والفقر. وفي وسط هالمعمعة، طلعت جماعة مسلحة ضد الحكومة تطلق على نفسها اسم "القطاع" Sect، وولعت اشتباكات دموية بالشوارع ومخططات إرهابية تبي تطيح الدولة.
وعشان يكبحون هالخطر المتزايد، شكلوا فرقة نخبة من جنود الشرطة مدججين بأثقل الأسلحة والدروع، معروفين بـ شرطة العاصمة أو C.A.P.O. دربوهم مثل كلاب الحراسة عشان يواجهون الفوضى بقسوة وشدة مالها حدود، بس هالمساكين لقوا أنفسهم بين نارين؛ من جهة، وجودهم الشديد زاد العنف مع المتمردين، ومن جهة ثانية، الشرطة العاديين شايلين عليهم وما يثقون فيهم.
وفي قلب هالعاصفة، يطلع لنا ضابط شاب بالفرقة اسمه فيوز. ولما تردد فيوز إنه يذبح بنت صغيرة شغالة موصلة مع الجماعة المتمردة، قامت البنت وفجرت نفسها بقنبلة كانت شايلتها. هنا حطوا اللوم عليه وعلى فشله، ورجعوه لمعسكر التدريب، وتبدأ معاناته النفسية ومواجهته لإنسانيته مع سؤال مصيري: هل الأفضل يعيش مثل كلب مأسور؟ ولا يموت وهو رجل حر؟
ومن كثر ما أثرت فيه هالواقعة، راح يزور قبر البنت والتقى هناك بأختها، وبدت بينهم علاقة معقدة. وبالتوازي مع هالأحداث، تنطبخ مؤامرة خبيثة في أعماق دهاليز جهاز الشرطة، تحيط مجموعة سرية من المتطرفين داخل الفرقة، معروفين بـ فرقة الذئاب جين-رو، في مواجهة مباشرة مع البيروقراطيين وأصحاب المصالح السياسية، ليكون فيوز والبنت مجرد أحجار شطرنج تتحرك في لعبة صراع أكبر منهم، بدون ما يدرون لحساب من قاعدين يتحركون عشانه.
قبل كم سنة، نزل الفلم بإنتاج من ديسكوتيك نسخة البلوراي الي جابته بأحلى حلة ممكنة وبجودة خارقة!
قليل تطيح على فيلم تحس إنه انعمل بشغف وحب حقيقي للفن أكثر من كونه مجرد فيلم تجاري يبي يجمع أرباح الBlockbuster، وفيلم جين-رو يجسد هالشي بالضبط. القصة من كتابة مامورو أوشي، الغني عن التعريف، ولمساته الفكرية واضحة في كل زاوية بالفيلم. الأحداث تدور في يابان موازية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تسود الفوضى والاضطرابات السياسية، وتطلع جماعة سرية اسمها تشن عمليات واحتجاجات دموية. وعشان يكبحون هالخطر، أسسوا فرقة شرطة خاصة اسمها "شرطة العاصمة" تبي تقضي على هالأنشطة الإرهابية بأي طريقة يشوفونها مناسبة.
بداية الفيلم تعطينا مقدمة سريعة قبل ما يرمونا في الحديد والنار، في مشهد فوضوي والشرطة تحاول تصمد قدام المحتجين. وهنا نتعرف على بنت صغيرة يطلق عليها الأمن العام اسم "ذات الرداء الأحمر"، وهم بنات جميلات يستخدمونهم الجماعات الإرهابية عشان ينقلون القنابل والمعدات. وبعد ما تسلم طردها الأول، تنزل الأنفاق تحت الأرض تبي توصل قنبلة ثانية، بس تلمح شرطة العاصمة وتهرب، لحد ما يحاصرها شرطي بروحه. يجي الأمر للشرطي فيوز إنه يرميها، بس يتردد ويسألها ليش تسوين كذا؟ وتستغل البنت اللحظة وتسحب خيط زناد القنبلة وتفجر نفسها قدامه.
بعد هالحدث، يقرر فيوز يزور قبرها، وهناك يلتقي ببنت تدعي إنها اخت المتوفية. ورغم الاختلاف الكبير بين شخصياتهم، تبدأ تتكون بينهم رابطة قوية مع الوقت. بس كل شي ينقلب فوق تحت لما نكتشف إن هالمرأة كانت مجرد فخ منصوب من الأمن العام عشان يطيحون بشرطة العاصمة، ويكون فيوز هو كبش الفداء لأن فضيحة علاقة غرامية بين أرهابية واحد شرطة العاصمة العظماء مزلزلة لهذه الدرجة؟ وتتشابك هالقصة مش بس مع المؤامرات السياسية، بل حتى مع أحداث كتاب ينعطى لـ فيوز اسمه ذات الرداء الأحمر، بس بنسخة أشد سوداوية وقسوة من القصة الشعبية الي نعرفها للأخوين جريم، وتتداخل مع الفيلم بشكل ممتاز جداً.
الجانب الفني في جين-رو حاجة مذهلة بمقاييس ذاك الوقت، اعتمدوا على الرسم والتحريك التقليدي Cel Animation، وأخذ منهم تقريباً ثلاث سنين شغل، وهالشي يبين واضح في كمية التفاصيل ودقة الحركة الي تبعث الحياة في كل مشهد. وبما إن القصة تدور في أواخر الخمسينات، ابتعدوا عن الألوان الفاقعة، وعشان يحققوا مظهر يشبه الأفلام الوثائقية القديمة، قرر فريق الرسم استخدام درجات ألوان تعطي كل مشهد طابع بني خفيف، طالع شكله ساحر بالانميشين. والشخصيات مرسومة بتفاصيل واقعية جداً تبرز ببراعة في المشاهد العاطفية، وتخليك تغوص داخل أجواء الفيلم وتلمس المجهود الجبار المبذول فيه.
وحسب ما قريت كان مامورو أوشي يبي يشتغل على المشروع هذا الي صار لاحقاً فيلم جين-رو قبلها بعدة سنوات، حيث كان المخطط إنه يكون الفيلم الواقعي Live-action الثالث والأخير من ثلاثية كيربيروس Kerberos trilogy المانجا الي كتبها قبلها بكم سنة. بس الإنتاج ما كان ممكن إلا عام 1994، وذاك الوقت كان أوشي مشغول يشتغل على فيلمه الشهير شبح في قوقعة. وبما إنه ما يقدر يمسك فيلمين بوقت واحد، وبنفس الوقت ما يبغى أحد غيره يخرج الجزء الأخير من السلسلة، قرر يخلي الجزء الثالث أنمي بدال ما يكون فيلم روائي واقعي مثل ما سوى في
The Red Spectacles و
StrayDog.
في البداية، انعرض المشروع على أساس يكون أنمي فيديو OVA من 6 حلقات، لأن أوشي كان يدري إن شركة Bandai Visual ودها تسوي سلسلة معاه، ومانغا
Kerberos Panzer Cop الأصلية الي كتبها كانت أصلاً تتكون من ستة فصول فكل أوفا تمثل فصل. ولما عرض الفكرة على Bandai Visual في أحد الاجتماعات، طلبوا منه يخرج فيلم
Ghost in the Shell، بس بنفس الوقت عطوه الضوء الأخضر عشان يبدأ التجهيز الأولي للسلسلة. وبعد النجاح العالمي الكبير اللي حققه فيلم
Ghost in the Shell، تحوّلت الفكرة من سلسلة حلقات إلى فيلم سينمائي طويل، لأن شركة Manga Entertainment البريطانية كانت تبي ضربة نجاح ثانية بعد ما شاركت في تمويل فلم شبح في قوقعة، وشافت إن مانغا
Kerberos Panzer Cop فيها مقومات ممتازة خصوصاً بعد ما نزلتها في الغرب باسم
Hellhounds.
وبعد ما تنازل أوشي عن الإخراج وهو مب راضي أبد، قعد يفكر لمن يسلم المشروع. في البداية، كان يبي كازوتشيكا كيسي، مخرج التحريك في فيلم
Patlabor 2: The Movie، بس كيسي ما كانت عنده أي رغبة يمسك إخراج رئيسي ذاك الوقت. بناء على هالشي، سلم فيلم جين-رو كأول تجربة إخراجية لمحرك شاب يثق فيه، وهو هيرويوكي أوكيورا، اللي اشتغل مع أوشي قبل كذا في أعمال ثقيلة مثل
Ghost in the Shell و
Patlabor 2. كان أوشي يشوفه الأكفئ بين الطاقم الشاب في الاستوديو، وحتى استوديو Production I.G وشركة Bandai Visual كانوا عارفين شغفه بالإخراج ورغبته يخرج دراما جدية، عشان كذا فضلوا يكون المشروع عنده.
أوشي كان يبي على الأقل يمسك كتابة السيناريو، لأن فكرة العمل مع أوكيورا غيرت تحفظه القديم إنه يكتفي بس بكتابة النصوص للأفلام. هالشي ما كان في بال شركة بانداي من الأساس، بس أوشي كان متوقع إن الكاتب المعتاد الي يتعاون معه كازونوري إيتو بيرفض العرض، لأنه سبق وقال له إنه ما يبي يكتب أي قصة فيها كلاب بعد شغله في فيلم
The Red Spectacles. وفعلاً، بعد ما رفض إيتو، انعرضت المهمة على أوشي. لكن حتى مع كذا، كانت التجربة محبطة بالنسبة له أثناء الكتابة (في اللحظة اللي تكتب فيها، تجيك الرغبة إنك تخرج) على كلامه، وغير كذا استوعب إن النتيجة النهائية بتطلع مختلفة تماماً عن الصورة الي في باله. وبحكم إنه ما يملك أي سلطة إبداعية على الإنتاج، فضل يبعد نفسه عن عمليات التحريك، وينتظر رؤية المنتج النهائي.
أوكيورا كان يفضل الرسم والتحريك التقليدي، وعشان كذا الفيلم رسم يدوياً بالكامل تقريباً، واستغرق حوالي 80,000 شريحة رسم cels. وأوشي، اللي وصف أوكيورا بأنه عنده حساسية من الكمبيوترات، اعترف إنه لو كان هو المخرج كان اعتمد على الجرافيكس والتحريك الرقمي مثل ما سوى في
Ghost in the Shell، وما كان بياخذ منه الموضوع أكثر من 30,000 شريحة سيل. ومع كل هذا، تعاملوا مع شرائح الرسم يدوياً وبعدها تعالجت عبر برنامج Animo الرقمي عشان يطورون بعض المؤثرات البصرية، والتفاصيل، وحركات الكاميرا.
وما يكتمل الفيلم الرائع بدون موسيقى تصويرية بنفس المستوى، ألحان هاجيمي ميزوغوتشي تتنوع بين المقطوعات الموحشة وأخرى هادئة ونقية، وتنسجم تماماً مع المشاهد عشان تطلع العاطفة الكامنة فيها وتخليك تعيش التجربة بكل حواسك.
قليل جداً جداً ينزل فيلم بمستوى جين-رو، في ذاك الزمن صار التركيز فيه كله على الأكشن والعنف السريع، تقديم فيلم رتمه أهدأ وأعمق عاطفياً يعتبر مجازفة. هو أكيد مش فلم بيعجب الكل، بس الذين يحبون الأسلوب القصصي العميق والدراما السوداوية، فهذا الفيلم يستحق المشاهدة بكل تأكيد.