أخوي عبد الله، من بين كل الردود الي قرأتها لك في قسم الأنمي، هذي أول مرة أختلف معاك بشدة، سواء بخصوص الفيلم "سبيرتد أواي" أو بخصوص مراجعات النقاد الغربيين و الي الكثير منها كان على أعلى مستوى، الفيلم وصل لأعظم جائزة بشرية ممكن يحصل عليها أي فيلم و حصل عل رضا "أصعب" النقاد، وهو حتما مش فيلم ينقال عنه ضايع و بدون رسالة، سبيرتد أواي صنع أساسا من أجل رسالة.
عموما، خلينا نحط هالملاحظات جانبا، بخاطري أتحدث عن الفيلم قليلا، خلني أبين روعة و عظمة فيلم سبيرتد أواي أكثر و أوضح "ليش" البعض يعتبره أفضل أنميشن صدر في تاريخ اليابان
الي ما شاف الفيلم لا يقرأ الرد
خواطر حول فيلم Spirited Away
* لكل فيلم قصة و حكاية، و حكاية تطوير Spirited Away فيها من الندرة و الطرافة ما فيها، حيث التقى هياو ميازاكي مع ثلاث فتيات صغيرات في إحدى الإجازات و لاحظ بأن الفتيات يقرأن مانجا "شوجو"، نظر ميازاكي إلى المانجا و استاء من تعرض الأطفال المبكر للمواد المثيرة للغرائز بالإضافة إلى طريقة تصوير الشخصيات الرئيسة بشكل خال من المبادىء و القيم، و من هنا أراد ميازاكي أن يصوّر "شيهيرو" لتكون نموذجاً و مثالاً يحتذى به لمن هم في سنّها.
* شيهيرو في بداية الفيلم فتاة شقية لعوب، إلا أن شجاعتها و رغبتها الطفولية في إنقاذ والديها تُكسبانها الأخلاق العالية و ينتهي بها المطاف في نهاية الفيلم كشخصية مختلفة تماماً عن بدايته.
* مشهد التهام الطعام من قبل والدي شيهيرو في بداية الفيلم نستطيع اعتباره على أنه نقد ضمني من ميازاكي لحالة المجتمع الياباني اليوم و حالة الجنس البشري إجمالا، والتي يسود عليها الطمع و الجشع و عدم احترام خصوصيات الآخرين، وظنّ الناس بأن الأموال و النقود تكفي لحل جميع المشاكل مع عدم وضع أي عتبار لأي نوع من القيم الإنسانية. أما شيهيرو ببرائتها الطفولية فإنها تشعر بأن هناك خطراً داهماً يكمن خلف هذا التصرف، الأطفال لديهم اتصال روحي أعلى من البالغين لأنهم يتمتعون بالنقاوة و الصفاء التي يفتقدها الكبار، غريزة شيهيرو قادتها إلى التصرف الصحيح و لم تأكل من الطعام.
* كمية الخيال التي صدرت عن ميازاكي في تصوير عالم الأرواح لم يجلبها من قبله أحد و لن يكررها من بعده أحد، Spirited Away هو "أليس في بلاد العجائب" الياباني. تخيّل ميازاكي لعالم الأرواح و أنشطة ما بعد الموت لا مثيل لها !
* كعادة أفلام ميازاكي الفيلم مليء بالترميز الذي يتناول الديانة اليابانية القديمة "شينتو".
* قلت سابقا بأن الفيلم ينتقد تعرّض الأطفال الصغار في اليابان للمواد المثيرة للغرائز، الرسالة التي تنتقد هذا السلوك هي رسالة ضمنية في الفيلم من خلال مشهد المخلوق المعروف باسم No Face، أو اللاوجه، اللاوجه كان يعرض النقود على شيهيرو لأنه كان يريد أن
يشتريها بالمعنى الحرفي للكلمة، نعم صدق أو لا تصدق! و من هنا تأتي عظمة أفلام ميازاكي و تفردها، الصغار يستمتعون بخيالها و جوّها الحالم، و الكبار يرتاعون من رسائلها الخفية المثيرة للجزع !
* لحن
"في يوم صيفي" من أروع الألحان التي كتبها الموسيقار العبقري جو هيساشي في تاريخه، لا يمكن وصف عذوبة و سحر هذا اللحن الذي يستدرّ الدفء و العطف من قلب السامع استدراراً.
* مشهد القطار في أواخر الفيلم من أروع المشاهد التي ابتكرها عقل ميازاكي و سيبقى خالداً لأجيال عديدة قادمة، أنا أكاد أجزم بأن هذا المشهد طار بالفيلم إلى الفوز بجائزة الأوسكار مباشرة. شيهيرو على متن القطار مع مجموعة من المسافرين متجهة لتلتقي توأم يوبابا، المسافرون أسود لونهم ويظهرون على هيئة شبحية شفافة، شيهيرو تجلس بصمت و المسافرون ينتقلون واحداً تلو الآخر. لا يوجد كلام ولا نصوص و لا أحداث و لا مشاعر، هذا المشهد يقدم صورة فنية عظيمة تتحدث فيها لغة الصورة فقط و تترك المعنى كلياً للمشاهد، من هم المسافرون وإلى ماذا يرمزون و ما هو معنى المشهد ككل ؟
يمكن النظر إلى هذا المشهد بأنه تلخيص لواقع الفيلم بانتقال شيهيرو من طفلة عديمة الإحساس و المسؤولية إلى طفلة تتحلى بأخلاق الفتاة اليابانية كما يجب أن يكون، رحلة و محطة انتقال من الطفولة إلى النضج، رحلة اختفت فيها كل المشاهد التي ضجّت بالحياة في بداية الفيلم و ظهر بدلاً منها أولئك الأشخاص عديمو الروح و الإحساس، الأشخاص الذين يعيشون روتين الحياة بدون أن يشعروا بما حولهم على الإطلاق و كأنه لا يعنيهم، أو بمعنى مختصر، الأشخاص العاملون في الحياة. بعد هذا المشهد نلاحظ التهذيب الذي اعترى شيهيرو عندما تحدثت مع توأم يوبابا، و كيف أصبحت تتصرف كسيدة صغيرة.
مشهد القطار يصف حال المجتمع الياباني العامل، الأشخاص يركبون القطار بدون أي عواطف أو أحاسيس و كل منهم متجه إلى عمله، البعض يقرأ الكتب و البعض الآخر قد يغفو قليلاً حتى المحطة التالية، أما شيهيرو بطلة الفيلم فهي الكائن الوحيد "الملون" على متن القطار، شيهيرو هي الطفل الوحيد ولذلك هي تتصور بأن القطار يجب أن يكون أداة ووسيلة للرحلات، وسيلة مليئة بالحياة إلا أنها "تدرك" واقع الحياة الذي تتلاشى عنده أحلام الطفولة. أثناء المشهد يمر القطار ببيئة ريفية و بيئة مائية، وهي البيئة اليابانية الأصيلة التي يعشقها ميازاكي.
* سبيرتد أواي هو رسالة إلى المجتمع الياباني تدعوه إلى التحلي بمسؤولية سلوك الفرد تجاه المجتمع، و التمسك بالتقاليد الأصيلة لهذه البيئة التراثية، ميازاكي لا يكف عن تذكير الناس بحسنات الشعب الياباني في سنواته القديمة، و لا يكف عن انتقاد التغييرات التي طالت هذا المجتمع و سلوكاته الحديثة.
* لنتحدث قليلا عن نقطة "الأسماء" في الفيلم و ندرس و نحلل معانيها
في بداية الفيلم شيهيرو تتقيّد بنصائح هاكو و تطلب وظيفة من يوبابا، و من ثم تحصل على اسمها الجديد "سين" الكلمة التي يمكن أيضا تفسيرها بمعنى "الخطيئة"، هاكو يقول ليشيهرو بألا تنسى اسمها الحقيقي أبدا. و هنا أرى بأن ميازاكي يصف المجتمع الياباني الحالي بأن مجتمع خطّاء، و يدعوه إلى عدم نسيان أصله و حقيقته، إذ أن نسيان الماضي ( نسيان شيهيرو لاسمها في الفيلم ) يعني بأن المجتمع الياباني لن يعود أبدا كما كان، و إذا نست شيهيرو بأنها شيهيرو و ليست سين، فإنها لن تعود أبدا إلى عالمها. كما أن ميازاكي يركز على أهمية العمل في سن صغيرة و ما لذلك من دور في صقل شخصية الإنسان.
* جميع شخصيات الفيلم تتحلى بصفات خيّرة وأخرى سيّئة، ميازاكي لا يستخدم أبدا نموذج الخير ضد الشر الذي نراه في الأعمال الأخرى، و إنما يركز على الجانب الخيّر أو الخطّاء في الإنسان و كيف يتغلب أحدهما على الآخر. حتى يوبابا التي تبدو و كأنها شخصية شريرة كلاسيكية، نراها و هي تُظهر مشاعر الحب و العطف نحو طفلها الصغير، الذي تظهر عليه هو الآخر ملامح الخير و الشر، حيث يتعلم درساً في الأخلاق و المحبة حين يرافق شيهيرو في رحلتها.
* نال الطعام حيّزا كبيراً في فيلم Spirited Away، بينما كان في بداية الفيلم وسيلة ظهر عن طريقها طمع و جشع الوالدين، تم تقديمه أيضا كوسيلة للتقارب و الراحة بين الناس عندما قدّم هاكو الطعام لشيهيرو، وهذه طريقة من ميازاكي للتعبير على أهمية طريقة التصرف في الأداة، فأنت كشخص تتحكم في الأداة و تستعملها للخير أو الشر، أما الأداة بحد ذاتها فلا ذنب لها.
* طريقة ميازاكي في انتقاد التلوث البيئي تظهر جلياً عن طريق شخصية هاكو، ميازاكي يحذر من مغبة التلوث البيئي و أضراره الجسيمة و هاكو نسي هويته الأصلية بسبب التلوث. مرة أخرى : كما هو حال المجتمع الياباني المتحضر الذي يلوّث البيئة المائية و يضرّ الأرواح التي تقطنها بدون إدراك لعواقب هذا السلوك.
* ميازاكي يشدد كثيرا على ضرورة الالتزام بالقوانين و الأنظمة و يصور اتباع القواعد و القوانين على أنها طريقة الخلاص في الفيلم، كما هي طريقة الخلاص في الحياة، في نهاية الفيلم هاكو يخبر شيهيرو بالقاعدة الأخيرة التي يجب أن تتبعها حتى تخرج من المتنزه المهجور : "لا تنظري أبدا إلى الخلف". شيهيرو تطبق النصيحة حرفيا لأنها تعرف بأنها اذا نظرت إلى الخلف فلن تتمكن من الخروج.
جميع ما كتبته هنا لا يلخص كل ما قدمه الفيلم، الفيلم مليء بالمعاني الأخرى، الحمام العمومي و شخصية يوبابا ؟ التركيز على "الطيران" كوسيلة لتجسيد الحرية التي يسعى إليها الإنسان، و غير ذلك الكثير، كل مشهد في فيلم سبيرتد أواي من البداية إلى النهاية له معنى و مغزى.
سبيرتد أواي هو رسالة أخلاق، سبيرتد أواي هو رسالة إلى الإنسانية، سبيرتد أواي رسالة إلى المجتمع الياباني و إلى المرأة اليابانية، كل هذا مع مزيج من الخيال و الأوهام و الارتباط مع الأرواح بشكل لا يصدر إلا من عقل هياو ميازاكي فقط، وهو بلا شك من أعظم ما شاهدت في حياتي، ليس كفيلم متحرك فقط و إنما كمادة بصرية تفاعلية ليس لها مثيل و ستبقى مضرب الأمثال على الإبداع الخصب الذي يشكل نهراً سينهل منه الآخرون لسنوات كثيرة قادمة.