Just Human
True Gamer
حتى نفهم الفوارق بين منظور الشخص الأول و منظور الشخص الثالث، يجب أولا أن نعرف كل توجه وعلى أي فلسفة تصميمية تأسس، لأن الأمر أبعد ما يكون عن مجرد "كاميرا و تغيرت" .. او شخصية و فجأة ظهرت او اختفت!
لنبدأ اولا من الكاميرا .. و أقصد هنا ب"الكاميرا" الكاميرا نفسها و نفككها حتى نفهم لماذا سميت كاميرا
وسنأخذ الأبعاد البؤرية لعدسة الكاميرا (الحقيقية) كمثال على كيفية عمل المنظور و طريقة توصيل الصورة، بما انها لا تختلف كثيرا عن الكاميرا بالألعاب (او منظور الشخص الأول بالألعاب) من ناحية المبدأ والأساس
الكاميرا الحقيقية تلتقط بعدستها ما يوجد بالمحيط/البيئة عن طريق الضوء، فعندما يدخل الضوء ويتم استقباله على شكل فوتونات عن طريق العدسة، فيمر الضوء الخارج من العدسة مباشرة بإتجاه sensor الكاميرا، فيسقط الضوء على بكسلات الsensor، ليمر بعدها عبر فلتر خاص لعزل الأشعة تحت الحمراء القادمة نحو الsensor (أو المستشعر)، بعدها تنتقل الفوتونات إلى عدسة مجهرية تقوم على تركيز تلك الفوتونات بإتجاه واحد و دقيق، فتستمر المعالجة بعمليات أكثر تعقيد الى ان نصل الى نتيجة نهائية و هي تخليق الصورة.
ما علاقة هذه المقدمة باللعب بالمنظور الأول أو الثالث ؟
وضعية الكاميرا :
اللعب عن طريق منظور الشخص الأول يضع اللاعب عند مستوى عين الشخصية (بمعنى انك تلعب دور الشخصية كانك بداخلها)، وهذا يضع اللاعبين مباشرة بداخل أحداث اللعبة، بقلب الaction وsuspense. الرؤية عن طريق هذا المنظور نافذة فعالة تعزز الشعور بواقعية الأحداث والتواصل بشكل قريب مع مجريات قصة اللعبة بشكل اكثر واقعية، هذه الميزة الرائعة للمنظور الأول تجعل التجربة انغماسية أكثر، فيها "شخيط حسي" متصل بالأكشن الذي يحدث بالشاشة..
مع ذلك فالتجربة تشوبها محدودية في الرؤية، وهذا ليس انتقاصا من المنظور الأول بحد ذاته، بل منظور عدسة العين و بعدها البؤري (عند الإنسان) يقوم على نفس المبدأ ايضا.. انت ترى الأشياء التي امامك بزاوية 180 درجة (قد تزيد قليلا و قد تقل على حسب اتساع محجر العين لدى الشخص).
الفروقات بين منظوري الكاميرا الحقيقية و كاميرا ألعاب الفيديو يجب ان نفهمه من خلال سياقين متوازيين لكنهما منفصلين. الكاميرا الحقيقية تلتقط مقاطع فيديو لما هو موجود بالحقيقة (وتتم معالجتها عن طريق الآلية التي شرحتها بشكل بسيط ومختصر ببداية الموضوع)، بينما الكاميرا بألعاب الفيديو هي محاكاة برمجية لزاوية رؤية تم التخطيط لكل تفصيلة فيها بالعالم الذي تم تصميمه، وعليه فمن خلال تصميم العالم،ثم المنظور (كاميرا الشخص الأول)، فهي تنتقل للاعب المتحكم فيها وتجعله يتفاعل مع الأحداث داخل اللعبة.
وفي الأساس فهما يخدمان نفس الغرض (توصيل لغة بصرية).
اصطياد الأهداف بالعاب المنظور الأول هل هو اكثر فعالية ؟
المسافة بين الكاميرا وبين العدو المستهدف في ألعاب منظور الشخص الأول مناسب أكثر، الإشتباك يكون أكثر دقة و عملي بشكل مثالي (مقارنة بمنظور الشخص الثالث)، هذا أحد أسباب تحويل العاب منظور الشخص الثالث لمنظور فوق الكتف أثناء التصويب (للإقتراب اكثر من درجة دقة تصويب المنظور الأول).
عيب جوهري بالمنظور الاول :
العيب يكمن في تسارع معدل الإطارات عندما تتوقف بشكل مفاجئ عن التصويب (هذا احد أسباب نفور بعض اللاعبين من العاب المنظور الأول)، وهذا يعود بنا للأساس التصميمي بهذه الألعاب..
لأنها العاب اطلاق بالدرجة الأولى، و
منظور الشخص الثالث مصمم حتى تستكشف العالم من حولك بحرية أكبر تتزامن مع رؤية أفضل. بعدها أطلق العنان للنيران من فوهة مسدسك.
تحدثت من قبل عن محدودية رؤية المنظور الأول وشبهتها بالمحدودية الواقعية لرؤية العين البشرية... والتي هي في حد ذاتها ميزة لكونها واقعية، وعيب إذا قولبناها بلعبة فيديو.
بالمقابل توفر ألعاب منظور الشخص الثالث رؤية كاميرا من خلف الشخصية.. انت تخوض غمار الأحداث من منظور شخصية أخرى لكن بتحكم كامل منك.. كانك شخص يحرك الmarionette أو الدمية (عكس منظور الشخص الأول الذي تكون فيه أنت المحرك وانت العروسة/الدمية في الآن ذاته)
منظور الشخص الثالث يمكن اللاعب من رؤية شخصيته والبيئة المحيطة به والتحرك فيها يمنة ويسرة بكل أريحية، هذا يخلق مساحة إبداعية حتى للمصمم لخلق بيئات ذات تصميم بمسارات أكثر تعقيدا، وفي نفس الوقت جعل اللاعب يشعل بكامل السيطرة على المواقف التي تحدث من حوله، ونسج استراتيجيات فعالة للتعامل مع كل موقف حسب دراسته له.
الفروقات بالجيمبلاي بين المنظورين :
اختلاف الكاميرا له تأثير مباشر على أسلوب اللعب بين المنظور الشخص الثالث والإول، ويرتبط هذا الاختلاف ارتباطا وثيقا بالرؤية البصرية بالدرجة الأولى، رؤية البيئة من مسافة عن الشخصية توفر حرية اكثر، حرية اكثر توفر امتيازا عن العدو بخطوة.. و هذا ما يوفره المنظور الثالث.
دراسة البيئة أمر أساسي لوضع استراتيجية للمواجهة، بينما في أغلب العاب المنظور الأول استراتيجيتك هي المواجهة ثم المواجهة، و بعدها تأتي الأشياء الأخرى.
منظور الشخص الثالث يوفر الأدوات اللازمة لتوقع العدو ومفاجأته بشكل أفضل :
تستطيع أن ترى الأعداء دون أن يراك أحد. هذا مهم جدا .. القدرة على صياغة تكتيك هجومي بالإعتماد على البيئة والأشياء التي تفرزها من items و أدوات تدعم مختلف التكتيكات والاستراتيجيات للنوعية المواجهة التي ستختارها (وهذا يوفره لك مصممي المراحل و مصممي المواجهات).
لهذا أنا دائما أقول (وقلتها مرارا حتى انقطع النفس)، منظور الكاميرا هو فلسفة تصميمية يتم فرشها من البداية كقاعدة و أساس يتم تشييد كل شيء عليه.
الإختلافات الجوهرية :
عندما تركض، سوف تكون قادرا على الدوران 360 درجة حول شخصيتك دون تغيير الاتجاه. وهذا سيمكنك من تجنب المفاجآت (عدو، فخ، عقبة الخ..)، وايضا توقع ما إذا كان هناك عدو يتبعك من الخلف، والتصرف حسب الموقف الذي درسته مسبقا من خلال هامش الوقت الذي مكنك منه "الميزة" التي يوفرها المنظور الثالث، ميزة رؤية الأعداء بمسافة معتبرة والحصول على فرصة للتفكير بالطريقة المثلى أو الأجدى او الأكثر جمالية (في حالة التفنن بالcombos بلعبة هاك ان سلاش مثلا)
بالمنظور الثالث ؟ انت مسيطر بشكل كامل. عكس المنظور الأول، انت حرفيا هو "انت نفسك" بمحدودية رؤيتك (ذلك البشري العاجز عن رؤية ما يكمن خلفك) .. بالطبع هذه تجربة واقعية للغاية، لكن من وجهة "لاعب فيديو" أعتقد بانه سيفضل سيطرة اكثر، و تحكم أشمل بالشخصية مع إستغلال تصميم البيئة والمرحلة والمنظور لصالحه لمتعة أكبر (عندما يتمكن من مفاتيح وادوات المرحلة طبعا)، هي متعة في النهاية..
وما هدف اللعب الا المتعة.
الإرتباط بالقصة عن طريق الشخصية :
أعتقد ان هذا الأمر جدا نسبي، أمر قد يختلف من لاعب الى اخر. مع ذلك قد يكون للشخصية التي تظهر امامك بشكل مصمم بعناية فائقة، شخصية قد تم الإهتمام بكامل تفاصيلها (التحريك، الفيزيائية، الآداء التمثيلي الخ..) لتقدم قيمة اضافية للتجربة..
شخصيا ؟
سأذهب مع المجهود الأكبر. سأختار التفاعل مع الشخصية التي امامي، اريد شخصية relatable.. شخصية مكتوبة بشكل جيد ويترجم هذا الشيء أمامي عن طريق تواصلي وتفاعلي معها بخضم أحداث هذا العالم الإفتراضي.
من الطبيعي أن يكون هناك عيوب للمنظور الثالث :
دعوني أعترف بان درجة الانغماس داخل الأحداث هي أقل بكثير من الدرجة المرتفعة التي يقدمها منظور الشخص الأول. بالمنظور الثالث نحن أقل عرضة للتوتر، القلق والخطر. أنت والشخصية شبه متطابقين تعزفان على نفس "النغمة النفسية" بالمنظور الأول.
على سبيل المثال (وهذا مثال فني بإمتياز)، انت لا يمكنك سماع نفس الشخصية يتسارع مع تسارع وارتفاع شدة الضغط والintensity.
فعندما تقدم العاب المنظور الأول تجربة واقعية مماثلة؟ فصدقني اذا قلت لك بأن الأمر سيكون مثير للإهتمام حقا..
انت تشعر بأنك بوسط المعمعة غير منفصل عنها بأي حال.
لا يمكننا انكار ما لايمكن انكاره :
حقيقة واضحة وضوح الشمس وهي ميزة أصيلة بالمنظور الشخص الأول تميزه و تضيف له بشكل فارق لدرجة لا يمكننا إنكارها، وهي درجة الإنغماس الشديدة التي يقدمها...
قد اشبهها بالشخص الذي يقود سيارة ممسكا بالمقود ويعيش التجربة منغمسا بأم نفسه وبكل أحاسيسه. عكس الشخص الذي يجلس بجانب الشخص الذي يقود، ويملي عليه ماذا يفعل وأين يذهب و كيف يضغط على الفرامل و كيف يحول السرعة
أستطيع ان أذهب ابعد من ذلك وأقول بانه المنظور "الأكثر واقعية".
هناك منظورين اختياريين كل منظور منهما يقدم تصميم ثري :
هذه اكبر بدعة و كذبة ممكن ان يتم ترويجها من طرف شركة ما...
إذا كنت تتوقع تصميم مختلف لكل منظور تختاره ؟ فهذا غير وارد. تصميم يتغير "على الطاير" مع تغير الكاميرا و بكبسة زر! هذا شيء مستحيل. تصميم بناء و هيكل تصميمي لكل منظور هو أمر يفوق طاقة اي مصمم (حاليا على الأقل).
من جهة أخرى، اذا كنت ستكتفي بإستكشاف البيئات، و تفحص العالم من حولك، بتصاميمه، بجمالياته، بتفاصيله، بفنيته، بهندسة معماره ؟
فلن يضرك التحول بين المنظورين بكبسة زر .. لكن الحصول على التجربة الكاملة بالمنظور الثالث او الأول (تصميميا) بنفس الوقت؟
فهذا حلم بعيد عن الواقع (و ستحصل على تجربة تصميمية واحدة مخصصة لمنظور واحد)، قد تكون غير مزعجة عند التحول للمنظور الذي لم تبنى عليه التجربة من الأساس (وهذا يعتمد على درجة الصقل و كفاءة المصمم).
منظور افضل من غيره :
هذه كذبة اخرى. تفضيل منظور عن آخر مسألة ذوقية بحتة. لا يمكن التدخل فيها بشكل اقتحامي بأي شكل من الأشكال.. لا التدخل بتفضيلات الغير ولا الإستنقاص/الإستهزاء منها يعتبر شيء ذو حيثية (فرض الرأي بشكل عام أراه تصرف صبياني بمطلق الأحوال).
قد تشرح أسباب رفضك لمنظور معين ولك مطلق الحرية بإبداء رأي (يلزمك ولا يلزم غيرك). نعم نعترف بالفروقات التصميمية، نفصل و نشرح كل فلسفة تصميمية على حدة..
والحجة بالحجة.
لكن محاولات "الحط" من تفضيل/ذوق على حساب آخر أمر لا يستقيم في نظري، وأراه مناسب أكثر ل "بيئة" السوشل ميديا والمواضيع التابلويدية.
كلمة ختامية :
كلا المنظورين لهم عشاق اوفياء، لا يوجد منظور افضل من الآخر (كما أسلفت الذكر)، الأمر يعتمد على ذوق و تفضيل اللاعب نحترمه. الأمر المهم وهو سؤال في حد ذاته :
هل من المفيد فعلا للاعب أن "يتخندق ويتقوقع على منظور ضد الآخر" (ك
أخذ جانب الخير ضد الشر مثلا!!)، هل هذا حقا ما يعقل ؟!!!!
والسلام خير ختام.