منذ زمن بعيد جدا , في العالم السفلي , حيث لا يوجد الألم و الكذب , عاشت أميرة حلمت بعالم البشر , حلمت بالسماء الزرقاء , الهواء العليل , و شروق الشمس , و في يوم من الأيام , استطاعت الأميره الهروب من الحراس و خرجت لعالم البشر , و عندها , أعماها الضوء الباهت , و أنساها ذاكرتها تماما , نسيت من كانت و من أين أتت , عانى جسمها البرد , المرض , و الألم , و ماتت بعدها , و لكن أباها الملك , كان متأكدا أن روح ابنته سترجع , ربما في جسم أخر , في مكان أخر , في زمن أخر , و لكنه سينتظرها حتى يلفظ أخر أنفاسه , حتى تتوقف الأرض عن الدوران ..
متاهة بان , أفضل فيلم هذا العام قد شاهدته , ما فعله ديل تورو بهذا الفيلم كان نابع من العبقرية بحد ذاتها , الفيلم يجمع و بكل فن الجانبان النظيران , الواقع و الخيال , بشكل لا يطغي أحدهمها على الأخر أبدا , عام 1944 , كان فيدال يحارب الجمهوريين في أسبانيا , و في ضوء هذه الأجواء , كانت أوفيليا ابنتة زوجته فتاة صغيره مولعه بالقصص الخيالية و غير اجتماعية أبدا , و هذا كان طريقها لهروبها من واقعها المؤلم و القاسي , في حين ترى أمها تتعذب من الطفل الذي تحمله ببطنها , في حين آخر , يظهر الفون لأوفيليا , فون الشخصية الخرافية الخيالية , يخبرها أن بداخلها روح تلك الأميره الضائعه في عالم البشر , و قبل اعادتها للعام السفلي , يجب أن يعرف اذا ما كانت روحها تأثرت بالبشرية , اذا ما كانت تستطيع أن تتغلب على الأشياء التي تجعل الانسان يقع في الخطأ , فيوعدها بوعد , ان اجتازت ثلاث اختبارات , ستعود أميرة لأبيها مرة أخرى بالعالم السفلي , بالواقع هذه الاختبارات كانت تدرس نفسها البشرية , ثلاث أمراض نفسية تصيب الانسان ( الخوف , الرغبه , الطاعه ) و جميعها وظفها الكاتب بشخصيات القصة الدرامية التي تقع في العالم الحقيقي , هنا ربط الكاتب بشكل عبقرية بالقصة الخيالية و الواقعية عن طريق تطبيق الاختبارات الثلاث على شخصيات مثل الخادمه مرسيدس التي حست بالخوف , و تطيع , و تريد , بالضبط هنا تكمن العبقرية بما فعله الكاتب بحيث لا تطغى أي جانب على أخر أبدا , جميعهم سواسية و الانتقال في بينهم سلس و أكثر من احترافي , يصاحب هذا السيناريو العجيب أرت مذهل ببساطه , شكل الفون و وحوش العالم السفلي , البيئة المحيطه , كان أرت فعلا فنيا و راقيا , بالاضافة الى التصوير المذهل في الفيلم , زوايا الكاميرا و حركتها , تجري مع الشخصيات , تظهر لك المشهد بأفضل صوره التي من الممكن أن يظهر عليها , صفقة احتراما لهذا الفريق المبدع , بالاضافة لساوندتراك حالم , مذهل , خيالي , بسهوله سيعلق بمخك اثناء مشاهدتك للفيلم , يجعل من المشاهد تظهر باحساس فني عالي , ما أجمل ذلك المشهد عندما تحكي أوفيليا قصة عن الخلود لأخاها الذي ببطن أمها , جمال هو هذا الفيلم , و هو بلا شك , فيلمي المفضل لهذا العام .
9,75/10