"يُقال إن دراسة الفضاء تُعلِّم التواضع، وتغرس في نفس الدارس وعياً إنسانياً عميقاً". هذه النظرة الخالدة، التي سطّرها كارل سيغان في عمله التأملي
"نقطة زرقاء باهتة", جاءت عقب أربع سنوات من الصورة الشهيرة للأرض التي التقطها مسبار
Voyager 1، حينها بدا كوكبنا كمجرد نقطة ضئيلة في محيط شاسع من السكون الكوني.
منذ أسابيع، مررت على مقالة علمية تناولت بحثًا حديثًا عن كوكب يُدعى
K2-18b؛ كوكبٌ قد "يزدهر" بالحياة البحرية، أو ما يشبهها. لكن هذا الأمل، وإن بدا واعدًا، ملبدٌ بظروف قاهرة: غلافه الجوي كثيف، عسير الاختراق، تكاد تكون مغادرته ضربًا من الخيال. جلّ سطحه تغمره المحيطات، مما يضعه ضمن فئة الكواكب المسماة
Hycean، وهي كواكب مائية ذات أجواء غنية بالهيدروجين، وسطح من المحيطات.
رغم أن بعض الأبحاث قد شككت في وجود مؤشرات حيوية مؤكدة على هذا الكوكب وما اذا كان سطحه من المحيطات ام الغاز الكثيف، إلا أن الفكرة وحدها طرحت في نفسي تأملاً مُرًّا عن قسوة الكون تجاه الحياة.
K2-18b، وإن بدا "قريبًا" بمقاييس الفلك، إلا أنه يبعد عنا حوالي 120 سنة ضوئية؛ مسافة تجعل زيارته، أو حتى رؤيته عن كثب، أشبه بالحلم المستحيل في عمر البشرية المحدود. ففي نهاية المطاف, لسنا إلا ذرّة من غبار نجمي عالق في فراغٍ مظلمٍ بلا حدود.
لكن ليست المسافة وحدها ما يثير الأسى؛ بل الفرضية الأشد وجعًا: ماذا لو كان هذا الكوكب يعجّ فعلًا بالحياة؟ حياةٌ نُقشت عليها قيودٌ أبدية. محكومٌ عليها أن تبقى حبيسة أعماق المحيطات، تعيش وتنمو — وربما تفكر وتبني — دون أن تملك أدنى سبيل للهروب. عقولٌ محبوسة في قفص هايدروجيني، محجوبةٌ عن النجوم، لا ترى من السماء شيئًا، ولا تدري أن فوقها عوالم لا تُحصى.
أن تملك الحياة القدرة على الوعي والتساؤل، لكنها تُحرم من النظر للنجوم. تُمنح نعمة الوجود، وتُسلب الحرية. تلك الكائنات — إن وُجدت — لن تدري أنها ليست وحدها في الكون، ولعلنا لن نعلم بوجودها نحن ايضاً..