فطرة الله في خلقه و يأتي بخير كثير لكنه قد يكون مهلك إذا كان الإنسان غير جاهز نفسياً ..
كمخلوق منعزل وبري أجد لذة في الحرية أجد لذة في كوني غير مرتبط بشخص ومضطر أحسب كل خطوة معاه
ربما هذا هو عدم النضوج بعد ... لا أعلم ... لكن الوحدة دائماً أسهل ياحضرة القاضي
أبدا..
قمة النضوج يكمن في قدرتك على تحمل الوحدة.. هناك أشياء يحب البعض أن يتركها لنفسه و انه يرى بأنه لا يجب مشاركتها مع أحد..
هناك أشخاص إجتماعيين بطبعهم و هناك أشخاص إنطوائيين (بسبب مشكل ما قد يكون نفسي) و هناك أشخاص منعزلين (بشكل إختياري.. يستطيع أن يتواصل مع الآخرين بشكل عادي لكنه لا يرغب بذلك)
الإنطواء على الذات بسبب معين أو الهروب من شيئ ما لمدة طويلة؟ الأمر هذا سيتسبب لاحقا بتراجع سلامته النفسية..
الإنعزال و العزلة الإختيارية تكون مفيدة للشخص بإكتشاف نقاط قوته و ضعفه و فهم نفسه بشكل أعمق ..
بالقرن العشرين كان هناك إجماع مجتمعي على أن السعادة تكمن في مدى صحية علاقاتك الإجتماعية و تنوعها و تطويرها.. الفكرة هذه تم أخذها من أحد مدارس التحليل النفسي التي تسمى Object relations theory التي تتبنى فكرة أنه الكائن البشري هو كائن إجتماعي قبل كل شيئ.. أن يؤمن علاقات إجتماعية متميزة مع الجميع.. ديفيد بوي أحد مفكري هذه المدرسة يقول أن الإرتباط الحميمي مع أشخاص آخرين هو المركز الذي تدور عليه حياة الإنسان في جميع مراحل العمر.. هذا الإرتباط يستمد منه الإنسان قوته و جميع متعه في الحياة .. الكلام هذا أثبته العلم و التجارب الإنسانية لكن هذا في ما يخص الإنطوائية المفرطة التي يكون سببها حدث ما أو مشكل نفسي ما
نرجع للعزلة التي تكون بشكل إختاري.. هناك مثلا من لا يقبل بأن يتواجد مع أي كان.. لأنه هناك أشخاص إجتماعيين جدا يقبلون بالتواجد مع أي شخص حتى وإن كان شخص مؤذي بشكل ما تحت ذريعة : أي شئ الا العزلة
أمر طبيعي و صحي أن تكون إنتقائيا في إختيار رفقتك المناسبة (بل هذا هو الطبيعي)
لكن التركيز الكبير الحاصل حول أهمية العلاقات الإجتماعية جعلنا نغض الطرف و نهمل الدروس المهمة التي من الممكن أن تعلمنا إياها العزلة (الإختيارية) .. لأنه هناك محركين نفسيين بداخل كل واحد منا.. المحرك الأول هو محرك الحب والصداقة والقرب من الآخرين و المحرك الثاني هو محرك الفردانية والإستقلالية ، و دائما مجتمعاتنا تركز على المحرك الأول و تهمل المحرك الثاني (الفردانية و الإستقلالية) بل و تلصق فيه طابع سلبي وهذا أمر خاطئ جدا بل العكس تماما.. قدرة الشخص على الوحدة (الإختيارية) و درجة قوته النفسية مرتبطة بقدرته على العمل وهو منعزل (الأمر مشابه لتدريبك لعضلة من عضلاتك بإخضاعها لأوزان ثقيلة و تحديها في كل مرة.. نفس الشيئ بالنسبة للدماغ والعزلة)
أغلب كتب التحليلات النفسية تتحدث عن الخوف من العزلة و لا تتحدث عن القدرة على تحملها وإدارتها!! .. القدرة على العزلة تجعل الإنسان متفهما لذاته متصالحا معها متأملا في خلق الله متدبرا لآياته و على دراية عميقة بسلبيات النفس و إيجابياتها.. لدرجة الإمتلاء بالحكمة و فهم الذات بشكل عميق (النبي صلى الله عليه وسلم كان ينعزل منفردا داخل غار حيراء بحثا عن الحكمة من خلال تأمله بالكون والخلق)
العزلة لديها ذلك المفعول السحري لتطوير الوعي لدى الشخص تجعلك ترجع خطوة كبيرة للوراء لتشاهد الأمور على شكلها الحقيقي (حين تعود للحياة الإجتماعية) .. وترى بذلك العالم بشكل حقيقي و فهم رصين (غالبا سيواجهونك بعدوانية لأنك ستبدو كبدعة في الزمن و عنصرا شاذ عن كل مفاهيمهم لكن بالقوة التي أكسبتها لك العزلة ستؤثر فيهم بشكل أو بآخر أو ستجعلك خفيا غير مهتم بإنتقاداتهم.. في كلتا الحالتين ؟ أنت الفائز)
النضج يحدث بشكل أكبر و أسرع في داخل الشخص الذي يستطيع تحمل العزلة.. من يستطيع تحمل العزلة يستطيع بسهولة تعريف الذات وإدراك الهوية الكامنة داخل أنفسهم.. الشخص يستطيع تطوير شخصية فريدة من نوعها بسبب أنه لم تتدخل فيها عوامل خارجية للتأثير عليها.. العزلة كما قلت تغذي الفردانية وتطور الشخص فحتى إن عاد لحضيرة المجتمع؟ سيعود بشكل أقوى بكثير و أكثر قوة من أي شخص معتمد نفسيا على تواجد أشخاص الى جانبه.. وسيكون أكثر نفعا بفارق لبيئته و لمجتمعه و محصن نفسيا بشكل أكبر و ليس إنسانا هشا يخاف من ان يتم نبذه.. الإنسان الذي تقبل العزلة؟ إكتسب بنفس الوقت حصانة ضد سلبياتها..
العزلة قد تكون فرصة لبداية التغيير لو إستثمرناها بالشكل الصحيح.. أغلب الأشخاص يطورون شخصياتهم على أساس إثارة الإعجاب.. لكن في حال تقبلك للعزلة ستطور شخصية متسقة مع نفسك (وهذا هو الأهم) .. آراء الناس فيك لن تكون ذات أهمية بالنسبة لك و سترى أنه أهم شيى كيف ترى انت نفسك وليس كيف يراك الناس.
شيطنة العزلة تماما و تصويرها كثقب أسود دخوله لا عودة منه هو أمر خاطئ تماما و بعيد عن الفهم الشامل لمفهوم العزلة والناس تخافه لأنه كالبحر يلزمه قبطان قوي و محنك.