Seven Samurai
سنة الإنتاج : 1954
المخرج : أكيرا كوروساوا
بالرغم من مضيّ نصف قرن من الزمان على إنتاج فيلم الساموراي السبعة، إلا أن هذه الفترة الزمنية لم تنجح في إطفاء الشعلة المتوقدة للتراث الذي يحمله هذا الفيلم، بل إن الوقت زاد النجمة المتلألئة في السماء لمعاناً و ضياءاً، شاهدت الفيلم و أنا على علم مسبق بالأثر الكبير الذي أحدثه في تاريخ السينما، و لمست خلال الساعات الثلاث المتواصلة ملحمة قصصية فكرية على أعلى مستوً ممكن، سبعة ساموراي قصة بطولة و شجاعة في عصر ألقى بظلاله المظلمة على أمّة بأسرها.
من المحتّم علينا أن نتحدث عن من صقل الجوهرة قبل أن نتحدث عن بريقها، إذا لم تكن تعرف ( أكيرا كوروساوا ) فأنت بحاجة لإعادة حساباتك، ربما لا يوجد شخص في عالم السينما تركت أفلامه أثراً على الصناعة كما فعل هذا الرجل، أعماله شكلت مصدراً للوحي و الإلهام في مسيرة طويلة امتدت لما يقارب الخمسين عاماً، أخرج خلالها ثلاثين فيلماً من أروع ما جادت به السينما العالمية، كل فيلم أخرجه قصة تروى و حكاية تعتبر، يقول عنه المخرج الشهير ( مارتن سكورسيزي ) : ما يميز ( أكيرا ) هو أنه لم يخرج تحفةً واحدة في مسيرته أو حتى اثنتين، بل لديه 8 أعمال من الروائع. إلا أن هذا الفيلم تحديدا ترك بصمة لا تنسى و ربما أكثر من أي فيلم آخر لهذا المخرج، ينقسم النقاد حول أفضل أعمال ( كوروساوا ) .. فبينما يحصل فيلمنا الذي نتحدث عنه اليوم على نصيب الأسد من الثناء و المديح، هناك من يقف في صفّ فيلم راشومون، أو فيلم Ran الذي يعتبره المخرج شخصيا أفضل ما قدمه خلال مسيرته المهنية.
تدور قصة الفيلم في حقبة السينجوكو أو العصر الإقطاعي في اليابان وهو أصعب العصور التاريخية التي عرفتها البلاد، يقوم مجموعة من اللصوص بشن غارة على إحدى القرى الفقيرة و يقررون العودة لاحقا لنهبها، ليختار الفلاحون المقاومة و الدفاع عن أنفسهم و تبدأ محاولة البحث عن مقاتلي ساموراي ليس لهم سيد ( يطلق عليهم مسمى رونين ) و تجنيدهم لحماية القرية حين عودة اللصوص، ينجح الفلاحون في مبتغاهم حين يوافق ( كامبي ) الساموراي القديم على مساندتهم، و بمساعدته يتم الحصول على ستة مقاتلين آخرين لكل منهم شخصية مختلفة و متباينة تماما عن الآخر.
( الثنائي الشهير في أفلام كوروساوا، الممثل توشيرو ميفوني على اليسار، و الممثل تاكاشي شيمورا على اليمين )
من الممكن أن تقسم هذا الفيلم إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتناول عملية تجنيد الساموراي و التعريف بسماتهم الشخصية، ( كامبي ) أكثرهم حكمة و خبرة و يظهر بدور القائد للمجموعة، بينما يمثل ( كيكوتشيو ) دور المقاتل الغاضب الجنوني الذي يستخف به الجميع ليثبت لاحقاً بأنه الأكثر خطراً، شخصياً أعجبت كثيرا بـ ( كويزو ) ذو الملامح الجامدة و الثقة الحديدية فهو سيد السيف و المهارة من بين المقاتلين في الفيلم، و لدينا أيضا الشاب الطموح الذي يريد أن يثبت بأنه مقاتل يمكن الاعتماد عليه ( كاتسوشيرو )، و يمكنك أن تلاحظ جيداً كيف أصبحت كل شخصية من هؤلاء نموذجاً أو "نوع شخصية" تكرر لمئات إن لم يكن ألوف المرات في جميع الأوساط المرئية، و يثبت ذلك قدرة ( كوروساوا ) المتفردة على اختلاق شخصيات فريدة و متقنة للغاية، و تجعل المشاهد يتعلق بها بسهولة تامة و بدون أدنى تكلّف أو تصنع، كما أن هذا الفيلم هو أول عمل يضم مجموعة من الأشخاص المميزا يتّحدون معاً لتحقيق هدف مشترك، و هي تميمة تكررت لعدد لا يحصى من المرات في السينما بعد ذلك، و ربما يكون فيلم Ocean's Eleven أقرب الأمثلة التي تخطر على البال لذلك.
الجزء الثاني يتناول وصول المقاتلين السبعة المنتظر إلى القرية، يمكننا أن نلاحظ العلاقة الفاترة بين الساموراي و الفلاحين فيما يعكس بذكاء طبقية المجتمع الياباني آنذاك، الفلاحون فقراء و الساموراي أعلى مكانة، لكن الساموراي لديهم معاناتهم و مشاكلهم الخاصة أيضا، يمكننا أن نلاحظ العلاقة الغرامية المحظورة التي تولد بين ( كاتسوشيرو ) و ( شينو ) الجميلة ابنة أحد القرويين الذين كانوا يخشون فساد رجال الساموراي المعروف في تلك الفترة و حوادث اغتصابهم للنساء، و هي حقيقة لا يخجل الفيلم من إخفائها و لا يصوّر السامورائيين على أنهم ملائكة تسير على الأرض، في جرأة يحسد عليها مخرج العمل.
( ليس هناك بطل محدد لهذا الفيلم، بطلك الخاص هنا تختاره بنفسك )
أما الجزء الثالث و الأخير، فهو يصوّر المعركة التي تبدأ بهجوم الأربعين لصّا على القرية، و نشاهد هنا تجسيداً تاريخياً - بالنسبة لزمنه على الأقل - في كيفية تقديم معركة ضخمة الحجم بشكل نموذجي، ( كانبي ) يستخدم خريطة لتعريف المشاهد بمداخل و مخارج القرية و كيفية حمايتها، و بذلك ستبقى على دراية تامة بما يجري حين تبدأ هجمات اللصوص على المداخل المتعددة للقرية بشكل متعاقب، هذه التقنية تم استعمالها كثيراً في الأفلام بعد ذلك، أما المعارك فهي مصوّرة بأسلوب سينمائي ممتاز، مع العديد من اللقطات المقرّبة على الخيول و الأرجل، في أسلوب سينمائي أيضا بات شائعاً بعد هذا الفيلم.
المخرج ( أكيرا كوروساوا ) قدم للأجيال اللاحقة دروساً متعددة في الإخراج، تم التصوير مع التركيز على الكثير من عناصر الطبيعة، تم استخدام الشمس للإضاءة بدلاً من الإنارة و هي تقنية أخذتها هوليوود فيما بعد، و تمّ التركيز على المؤثرات الطبيعية للطقس، المعركة الأخيرة تم تصويرها تحت المطر وهو ما أصبح تميمة شائعة أيضا في الأفلام الحربية، ( أكيرا ) يتحدث دائما عن حالات الطقس و يصف الشتاء الغزير و شمس الصيف الحامية بأنها أوقات تجعله يشعر بالحياة، وهو يعرف كيف يجعل أعماله تنبض بالحياة كذلك. كتابة السيناريو أيضا تمت بطريقة ( أكيرا ) المتفرّدة، حيث اجتمع فريق كتّاب السيناريو في مكان معزول و انقطعوا عن العالم خلال كتابة سيناريو الفيلم، و كل جزئية في الفيلم يتم كتابتها من قبل أكثر من كاتب ثمّ يتم اختيار النسخة الأفضل، وذلك لضمان الحصول على أفضل "نظرة" أو تصور شخصي للمشهد.
التصوير أيضا حمل بصمة ( كوروساوا ) الخاصة، في عالم السينما دائما يتم اعتماد كاميرا رئيسية للتصوير و كاميرات أخرى لاختيار أفضل اللقطات في عملية التعديل النهائي أو الـediting، لكن ( كوروساوا ) يستعمل 3 عدسات في آن واحد للتصوير، و لا يعرف الممثل أي من الكاميرات الثلاث ستلتقط الأداء، مما يعطي واقعية إضافية هائلة على أداء ممثلي أفلام هذا المخرج ! الذي عرف عنه بأنه دقيق للغاية في التعامل مع الممثلين.
( أكيرا كوروساوا ) صنع ملحمة خالدة مع هذا الفيلم وفتح باب السينما اليابانية على العالم بالإضافة إلى حصوله على الكثير من الجوائز العالميّة، ما يميز أعمال هذا المخرج الأسطوري سعة اطلاعه و ثقافته الغزيرة في الحضارتين اليابانية و الغربية، مما جعله يمزج بين أفضل الأساليب الروائية بطابع جذب عالمي، ربما تكون أعمال ( أكيرا كورساوا ) غالباً يابانية الطراز، إلا أنه لا يمكن الاختلاف على عالميّة اللغة التي تتحدث بها.
9.0