الان بامكان الكاتب ان يضع تعليلاته ووصفه للاحداث التاريخية من جانبه الفكري ويكتب كتباباً بذلك (وانا من مقتني ذاك النوع من الكتب) ولكن هذا التحليل لن يتعدى وجهة النظر وادراجه بين وقائع التاريخ هو نوع من انواع التزييف الغير مباشر.
التاريخ لا يُسرد على طريقة واحدة يا صديقي، ولا توجد طريقة واحدة فقط صائبة في سرد التاريخ وعداها خاطئ. ابن كثير مثلًا، وهو من هو في ميزان التأريخ، لم يكن يحقق معظم رواياته (إن لم يكن كل)، بل يرميها عليك ويضع المرجع بالحاشية وعليك البحث والتحقيق. وستجد من يحقق ولا يرض برواية واحدة غير محققة في كتاباته وينتقد طريقة ابن كثير. وغيرها من أساليب السرد سواء اتفقت أو اختلفت معها.
لم أقرأ الكتاب، ولكن هذا لا يدل ولا يثبت شيء على الدكتور، وبصراحة هذا الكلام فيه تحيز كبير، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان على خلاف مع أمية ابن أبي الصلت (وهو يهودي)، ومع ذلك كان يحب شعره وقيل أنه في يوم واحد استمع إلى 100 بيت من شعره. بل كان يستدل بشعره حتى.
وبصراحة مع الوقت، وجدت نفسي أنفر ممن يكتفي بسرد التاريخ فقط، وإن كان الكاتب يستعين بمراجع موثوقة.. فلا بأس أن يكتب رأيه وتحليلاته الخاصة. ولا أعتبر ذلك من التزييف.
ما اختلفنا لكن انا لا اتكلم عن طريقة السرد. انا اتكلم عن اقحام فكر الكاتب بالتاريخ. مفكر غير قادر على نقد شيء في التاريخ او حتى ذكره لخوفه على فكره ليس بمؤرخ حقاني ببساطة. ترك الكثير والكثير من الحقائق في كتابه عن فلسطين والرسالة التي يريد ايصالها واضحة وضوح الشمس مع انه انتقد من اراد التاريخ ليخدم فكره في بداية الكتاب فلم اره الا منتقداً نفسه بذلك!
انا لست عادلاً بنقدي لاحقيته كمؤرخ لاني لم اقرأ له الا كتابين وامور الحروب الصليبية هي اصلاً ضد الصليبيين في الواقع فمن الصعب ان تنصفهم وقد انصفهم التاريخ لجانبك.. مع ذلك, هو اغلب كتبه في تاريخ الاسلام وانا لم اذكر ذاك الجانب بشيء لمريديه فالرجل له تاريخه وفطنة في التحليل حباه الله بها يستفيد منها مريد التاريخ الاسلامي من العارفين به.
بالعكس! انا لا مشكلة عندي من قراءة واعتماد كتاب اسرائيلي او غيره ولكن اقحام الفكر في قلب البحث هو المشكلة! انا ذكرت ان الدعم كان في "ذلك الكتاب" وليس في شخص الكاتب وبنائا على هذا فاستخدام ذاك الكتاب الذي يميل لرأي دون الاخر في تحصيل الحقيقة لن يكون خياراً سليماً.
وانت اعطيت افضل مثال من خلق رسول الله في التفرقة بين المنتج الفكري والمفكر نفسه وهذا امر نادر الحدوث في يومنا هذا. فنفس النبي الذي قبل الفكر الحسن من مخالف له كان لينكر الفكر السيء ولو كان من فاطمة ابنته!
انا في الحقيقة على نفس مقامك. فدراسة اشد موقف عند كل فريق هي اقرب للحقيقة من دراسة كتاب يدعي الحيادية كله جفاف. المشكلة انه اغلب الناس يريد كتاباً واحداً حتى يتعرف على شيء وننتهي. لن يجلس الجميع لاشهر يدرسون الجانبين ويتمحصون الكتب حتى يخرجوا بالمُراد من خبر الماضي. هنا نرى المشكلة في الكتب المنحازة في تعريف الناس ببعض الحقيقة دون غيرها وهو اخطر من الجهل احياناً.
لا يا بندول هذا النقاش يختلف عن نقاشات عين, فكرة الاسلوب ضد الحيادية في التاريخ شيء فيه مناظرة حتى الان وانا فعلاً اتفق ان نظرتي تجعل من التاريخ مادةً جافة بعض الشيء..
بالنسبة لكتابك فلن تجد افضل منه عربياً للبحث في حضارات سومر وغيرها مما قبل التاريخ!