رحلة إلى الشاطئ في منتصف الأسبوع
الفصل الثامن : الجمال الفلسطيني ليس كمثله جمال
غير صغار عربتي ملابسهم في لمح البصر و اندفعوا مسرعين نحو الشاطئ و الفرح يسيطر على محياهم سيطرة ليشاركوا بقية الصغار لعبهم , بينما توجهت نحو أخي الأكبر عبدالله المستلقي على ظهره في وضع غريب و ملفت للنظر و زوجته و خولة و زوجها بجواره , قد بدا لي من بعيد هو و سرواله المضحك ذاك كسلحفاة جلاباجوس* مقلوبة على ظهرها عاجزة عن الحركة أو حتى قلب نفسها على بطنها , فسألته مستفسرا ((ما بك))
فأجابني و من حوله بصوت واحد بأنه يعاني من أعراض ضربة شمس فضحكت عليه قائلا ((هذا ما فعلته بك شمس أبريل يا كبيرنا))
ثم هممت بمناداة أمي , فإذا به يرفض ذلك خوفا عليها أن تفزع أو أن تجزع , فتركته يئن , قاذفا بتلك التعليقات الساخرة على ما يجري حوله بين الأنة و الأنة , ثم توجهت نحو الماء و معي قاربي المزعوم بعد أن ارتديت الملابس التي أعددتها خصيصا للرحلة .
صرخت مناديا الأطفال لأجمعهم حولي , معلنا بداية رحلة نفخ القارب العملاق , و كان ذلك الموقف من أكثر المواقف التي أضحك عندما أتذكرها , فقد استغرقنا وقتا طويلا في نفخه بالفم , بينما كان يوجد في علبة القارب منفاخ ذاتي صغير يمكنه نفخه في دقائق معدودة , و حقيقة عندما رأيت المنفاخ لأول مرة في العلبة إعتقدت أنه وجد هنالك خطأ فلا كتيب يشرح استخدامه أو حتى ماهيه , فقد كان لا يتعدى بالنسبة لي مجرد قطعة بلاستيكية سوداء , ولكن على الرغم من كل هذه المشقة التي تكبدناها إلا أن نفخ القارب سمح لي بالحصول على وقت ثمين من المرح مع الصغار , فقد كنت بين الفينة و الفينة أدعي بأن نفخ القارب أرهقني تاركا المجال لأحدهم لينفخ القليل منه بعد إيهامه بأنه فتى لا يشق له غبار , كان جميع الصغار ينتظر بشغف اللحظة التي أدع فيها القارب لأتيح المجال لأحدهم لاستعراض قوته في النفخ , و في إحدى المرات أعطيت عليوة القارب لينفخه , و لكن ما حدث هو عكس المطلوب فالهواء اندفع من القارب بقوة لينفخ فمه و وجهه ذا الخدين الرقيقين و يخرج بعد ذلك من أنفه بشكل مضحك للغاية , مما جعله أضحوكة الجميع إلا أنا فقد خفت أن يبكي بسبب سخرية الجميع منه , لكنه باغتني بأن فتح فمه و أخذ يحدق في الجميع بشكل غريب ثم شارك الجميع ضحكهم , و بعد عناء طويل نفخنا الحوض ثم ألقيته في الماء , الجميع ينظر إلى الحوض و هو يحلق في السماء منتظرا بفارغ الصبر ملامسته للماء , و ما أن ألمس الماء حتى تطايرت قطرات الماء الزرقاء التي انكسرت أشعة الشمس بداخلها نحونا لترتطم بوجوهنا معلنة بداية تدافع الصغار على الحوض كرصاصة انطلاقة سباقات العدو .
احتل الصغار القارب احتلالا شاملا , و كان بالطبع البقاء للأقوى بينما بقي الضعاف بالخارج ينظرون للأقوياء نظرة انكسار تخفي وراءها غلا كبيرا , و هنا جاء دوري لأتدخل , فقد هممت بالتدخل لإتاحة الفرصة للضعاف أن يستمتعوا بالقارب أولا , و لكن الطفل الذي يقبع بداخل ذلك الطفل الذي عاش يلعب بكرة الشراب و القوارير و العلب الفارغة و الإطارات المهترئة دفعني لأمر عدد من الأطفال بمغادرة القارب و الانتظار على الشاطئ ريثما أأخذ لي جولة به , حقيقة غمرني شعور جميل لم أشعر بمثله من قبل و أنا في القارب , و لكن نظرات إخوتي و أزواجهم و والدتي و حتى بعض الأطفال الساخرة و ضحكاتهم نغصت علي متعتي و جعلتني أقطع جولتي بسرعة البرق , لأقوم بتقسيم الأطفال إلى مجموعات تتعاقب على اللعب بالحوض القارب , فإذا بنا نرى أخي عبد الله يركض نحونا كالثور الهائج و بطنه المترهلة تهتز بعنف بعد أن تجاوز أزمته تلك , و يصرخ ((إنه دوري , إنه دوري , ابتعد أنت و هو , إنه دوري))
ثم قام بطرد الأطفال بحجة أنه كبير العائلة , و جلس فيه فما كانت إلا لحظات حتى انقلب القارب به , ليصبح عبد الله بين لحظة و أخرى مهزلة الشاطئ بأسره , فما كان منه إلا أن شاركنا و شارك الصغار الضحك كما فعل عليوة في حادثة نفخ القارب , ثم قال ((هل رأيتموني و أنا أقع , إني أقوى من عمكم عبدالرحمن , فأنا قلبت القارب أما هو فلم يفعل))
فردت إحدى الفتيات الصغار على استحياء و هي تضع إصبعها في فمها ((قلبته لأنك بدين))
فانفجرنا ضاحكين .
توجهت نحو والدتي و من معها لأقص عليهم ذلك تاركا إياه يتولى مهمة تقسيم الصغار , فإذا بزوجتي تكشف لي على انفراد بعد أن أخبرتهم بما حدث حقيقة الوهم الذي حييت فيه , كشفت لي بأن قاربي المزعوم ذاك ما هو إلا حوض سباحة مطاطي يفترض ملؤه بالماء من الداخل لا أن يكون الماء حوله .
استمتعنا بجمال الشاطئ و البحر و الطقس و بشمس إبريل التي لم تشد بعد , شوينا بعض الأسماك , تسامرنا و سبحنا , شاركنا الصغار مرحهم , كنا قمة في السعادة , قدم لنا الشاطئ ما عجز عنه سكان العالم أجمع , قدم لنا سعادة حقيقية خالصة نقية أشعرتنا أنا في وطن آخر غير وطننا المحتل الذي لا تلوح في أفقه بشائر لتغير الحال نحو أفضل يتمناه الجميع , شعرنا أننا في وطن آخر لا يمت لوطننا بصلة , بل شعرنا أننا في كوكب آخر غير الأرض التي دنست , كوكب كل سكانه من الأخيار , ياله من شاطئ , و يالها من رحلة حافلة بمشاعر و مواقف خالدة لا تنسى يتربع على عرشها ذلك الموقف الذي حدث لأصغر أولاد عبدالله , فبينما نحن منغمسون في شوي الأسماك جاء الصغار ركضا يصرخون بعلو صوتهم ضاحكين ساخرين ((محمود عالق في الماء))
فوثب بعضنا من مكانه بينما بقي البعض يحاول استيعاب ما يقوله الصغار , و بالطبع كنت أنا من القسم الذي هب لإنقاذ الصغير فقد اعتقدنا أنه يغرق , فإذا بنا نراه متربعا يبكي على أطراف الماء يرفض الخروج , فاستغربنا مما رأيناه فالقرائن التي أبصرناه لا تحمل في ثناياها أي قرائن بوجود شخص على وشك الغرق , فهممت بالتوجه نحو محمود لإخراجه من الماء , و فهم سبب بكائه , فإذا بأخي عبدالله من ورائي يصرخ علي بحزم ((دعه لا تخرجه))
إلتفت إليه فإذا به يقول لي بصوت منخفض و بنبرة عجزت عن تفسيرها وقتها إختلط فيها الضحك و الفرح بالفخر ((دعه , إنه يبكي لأن الماء سحب سرواله تاركا إياه عاريا في وسط الماء))
فزال عني الروع , و ابتسمت بسمة تحولت إلى ضحكة منخفضة الصوت حرصا على مشاعر محمود .
وقف أخي على طرف الماء دون الدخول لاحضار ابنه , و خاطبه قائلا ((أخرج يا محمود فإنك رجل))
فصرخ محمود بصعوبة و البكاء أرهق حنجرته و سد أنفه و أغرق عينيه في الدموع ((سيرون عورتي))
فتبسمت والدته , فهي تعلم أولادها دوما أن هذه الأماكن من الجسم تدعى عورة و ينبغى ألا يراها أحد , فناداه والده قائلا ((أخرج و لا تخف , أخرج إنك رجل , و يجب أن تفتخر بما وهبك الله , يا بني أخرج , إن الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض))
استغرب الفتى من كلام أبيه , و له الحق في ذلك , حتى أنا لم أستطع تفسير كلامه , و ما علاقة هذا بالأمر كله برمته , لكن على ما يبدو كان عقل أخي يحلق في واد آخر .
في النهاية لم يكن أمام الفتى إلا الرضوخ لكلام أبيه , فخرج ببطيء شديد , و قد خفت حدة بكائه إذعانا للثقة التي وهبها له والده بطلاسمه , فأمسك أخي بيد ولده و جعله يمشي بجواره .
مشى الصبي و الخجل يكسوه , كان يضع يده على عضوه متمنيا أن يهبه الله يدا ثالثة يستر بها مقعده , فما كان من أخي مهشم الفطر السليمة لما رأى خجل ابنه إلا أن قال ((لا عليك من هؤلاء الحمقى الذين يضحكون عليك , دعهم يرتجفون خوفا))
نظر محمود في براءة إلى أبيه دون أن يفهم كلمة واحدة مما قاله , و الحمد لله على ذلك .
و قبل المغرب بدقائق بدأت رحلة العودة إلى البيت , و هنا كانت أسوء لحظات الرحلة , فعندما هممنا بالرحيل وقفت أحدق في العربات و البغال الثلاث و لا يدور في عقلي سوى شيء واحد , يا ليت هذه العربات تتحول إلى حافلة صغيرة , فبعد هذا اليوم الشاق لا قوة لنا لركوب وسيلة المواصلات المرهقة تلك .
* سلحفاة جلاباجوس أكبر أنواع السلاحف المعروفة حيث يبلغ وزنها ربع طن و طولها متر و نصف , و تسكن جزر ألدابرا في المحيط الهندي , و هي من السلاحف المهددة بالانقراض .