فهد الغدير
Banned

http://www.ng4a.com/2013/05/post/272193/362581_img_8289/http://www.ng4a.com/2013/05/post/272193/362581_img_8289/
انا هنا، في هذا المكان الغريب، لا اتنفس، لا انظر، لا اشعر، لا اعلم اين انا.
كيف جئت هنا ؟ من انا ؟ انا شخص فارغ تماماً، كل الذي حولي عبارة عن مكان، مكان يحتوي على ” لا مكان “، ماهذا العالم ؟ اين الناس ؟ لا ادري.
اين امي، ابي، اخي، اصدقائي ؟ اريد احداً، اريد قائداً في هذه الحياة التي بدأت وانا لا اعلم، انا طفل، على ارض غريبة، جسمي ليس مستعد لهذا، ابداً.
ضعيف، لا اقدر ان اتحرك، اصبحت اضيع في افكاري اكثر من ضياعي للبحث عن نجاتي، ذكرياتي قتلتني، عقلي امتلكته الشكوك، الظنون، التفكير الدائم.
ماهذا ؟ انا ابكي ؟
لا لا … اريد ان اتحرك، لست كهذا ابداً، اريد ان اجد الحل، ماذا تفعل يافهد ؟
مسحت دموعي، لم اتذكر انني كنت بهذا الضياع في يوم من الأيام من قبل، جثة هامدة على الأرض، لم اكن ادري عن حياتي، كنت شخصاً جافاً، قريباً من ” الحيوان ” الكسول المتحطم الذي يشعر كما اشعر به تماماً، وربما افضل.
اغمضت عيناي قليلاً، اتنفس بشكل هادئ، مضحك الأمر، فلقد كنت اريد ان اقفل ” عيناي ” لكي يطمئن قلبي، ربما هذه الحياة، فأكثر الأمور شراً هي التي تأتينا من خلال ” النظرة “، كانت نظرتي مليئة بالعالم الميّت الذي لا يمتلك أي ذرة انسانية.
اغمضت عيناي، ونقلت نظرتي الخارجية الى نظرتي الداخلية، لا اريد ان انظر الى هذا العالم، اريد ان اتذكر نفسي، عائلتي، مدينتي، حياتي بأكملها التي كنت اعيشها.
لم اعد اتذكر شيئاً، ماهذا ؟ اصبحت فارغاً، لا ادري عن أي شي في هذه الحياة، كيف جئت هنا وكيف اصبحت هكذا، لا اتذكر عائلتي، ولا مدينتي، ولا حياتي، انا انسان، بالإنسانية الأسمية فقط، لا اكثر.
لا، لابد ان اتحرّك، لابد ان افعل شيئاً، اعلم تماماً بأنني في عالم غريب، لكن لابد ان اتصرف، اريد ان ارجع الى طبيعتي بأسرع وقت ممكن.
حاولت ان اقف، جسمي متهالك، ضغطت على نفسي وحاولت، حاولت كثيراً، ياااه، ما اصعب ان تحمل جسداً ضعيفاً بهذا الشكل.
وقفت اخيراً، واكملت طريقي، انا في هذا الضياع الكبير الغير منتهي، ليس هنالك اتجاهات وليس هنالك عالم اصلاً، كل ما اريده، ان اكمل من طريقي، الى ان اصل، فقط.
مشيت، يميناً ويساراً، طريقي اسود، عالمي اسود، لا يمكنني ان اعرف اذا كنت انا ” امشي ” اصلاً، فالشيء الذي افعله اشبه بالأمر التخّيلي لا اكثر، شيء شبيه بالمشي.
لكن، بعد فترة .. وصلت الى ذلك النور.
النور البعيد الذي لا اعرف ماهو، ركضت مباشرةً لكي اصل اليه، نور، في داخل هذا العالم الأسود، الأمر اشبه بأن تبحث عن صديق، صديق رائع، من بين اصدقاء كثر.
دخلت، نعم، انها منطقة جديدة بالكامل، بأناسها وعالمها، وطبيعتها المختلفة، خرجت من هذه البوابة السوداء الى هذه البوابة البيضاء، لكن ماهذا ؟ … انه ماريو.

ادراكي، في عالم العابي.
ماريو ؟ لا اصدق.
لا لا لا لا اصدق، ماريو بشكله الحقيقي، بأنسانيته، يتحدث مع الآخرين ويضحك معهم، هل انا في عالم حقيقي ؟ ربما انا احلم، لست متأكداً.
الذي اراه امامي هو ماريو بنفسه، يتحدث مع اناس اشكالهم غريبة، لا اعرف ماذا يقولون، لكنني سأتحدث اليه، سأقول له عن قصتي، لعل وعسى ان يسمعني.
احدث شخصية العاب ؟ لم اكن اتخيّل في يوم من الأيام ان يحصل لي هذا، عالمي الذي اعشقه، الذي عشت فيه ايام الطفولة، يأتي امامي، وبشكله الواقعي.
ذهبت اليه، قلت ” ماريو “.
لم يرد علي، كان صوتي مرتبكاً وضعيفاً قليلاً، متفاجأً من اللحظة، قلت مرة اخرى ” ماريو ” بصوت عالي.
لم يرد.
صرخت بصوت اعلى ” ماريو “، لم يرد أيضاً.
لا، كل الناس من حولي لم يسمعوني، حتى ماريو لم يسمعني، ماهذا ؟ صوتي لا يصل اليهم، ماهذا العالم الذي دخلت اليه، ماهذا العالم التصوّري الذي لا يسمعني ولا يمكنني ان اتحدث له، ياااه، اين انا !
التفت يميناً، يساراً، لم اجد أي صديق، لم اجد أي شخص اعرفه، لم اجد الا ماريو، ماريو، صديق الطفولة، ماريو، الذي علمني الشجاعة ” البسيطة ” والتي كنت انظر اليها بأصغر الأعين والأحاسيس على الإطلاق، صديق الطفولة الإفتراضي.
جلست، كنت منهكاً من المشي، لم اعد اطيق هذا العالم، كرهت نفسي، كرهت هذه الحياة، اريد ان اصمت، لا اتحدث، اغلق عيناي، ابقى ساكناً كهذا.
اثناء سكوتي، سمعت صوت ماريو وهو يتحدث، جائتني تلك الذكريات الكثيرة، يا الهي، لقد استرجعت بضعاً من ذكرياتي، اصبحت اتذكر طفولتي، العابي، وحياتي أيضاً.
لا اعلم لماذا، لكنني تحدثت مباشرةً، وقلت ” هل تعرف ماريو ؟ “
” لقد كنت اقلدك كثيراً سابقاً، ههههه كنت اجمع اثاث المنزل وارتبه بترتيب ” الأعداء ” في لعبتك، اركض، واقفز على كل اثاث، لقد كنت احبك كثيراً، واعتبرك طفولتي الحقيقية “.
كنت اتحدث الى نفسي، لا احد يسمعني، اسمع نفسي فقط، لكنني واصلت :
” هل تعرف ماريو ؟ انت كنت صورة الحياة الجميلة في ذلك الوقت، كنت بساطتها وروعتها، كانو الناس يعيشون في حروب، في كره لبعضهم البعض، كل يوم نسمع عن خبر سيء، لكن، كل ما لعبت بك كل ماشعرت بالأمان، كل ماشعرت ببساطة الحياة وجمالها “
اكملت :
” لقد علمتني الكثير ياماريو، لقد علمتني بأن ابقى بعيداً عن الجميع، الجميع يعيش في مزاج سيء، وانا اعيش حياتي كعيش حياتك ياماريو، لسنا مجبورين ان نكون اناساً سيئين مثل البقية، سنصبح ماريو، وهم، يصبحون اشراراً، ببساطة “
سكت قليلاً، ولم اجد الرد.
حسناً، سأبحث عن مكان آخر، ربما سأجد مكاناً آخر يفهمني بشكل اكبر، انا حزين، جداً.
رفعت يدي، وقلت :
” ماريو، ربما انت لا تفهمني، ولا تسمعني، لكنني حياة، عاشت حياتك، وتمتعت بها، حياة يسمونها الناس حياةً واقعية، عاشت حياتك الإفتراضية، وتعلمت منها الكثير “
اكملت :
” كنت اتصوّرك، بإفتراضيتك الكاملة، انت الآن امامي بشكلك الواقعي، سأكون طفلاً، وسألمس وجهك، لكي اتذكر هذا الملمس، وكأنني اتذكر تلك الدمية التي كنت العب بها وانا صغير “.
رفعت يدي، ولمست وجهه، لم يتحرك، ولم يشعر بذلك، كان مكملاً لحديثه، وكأنه لم يسمع لشيء.
” حسناً ماريو، ربما في يوم من الأيام ستسمع لتلك الأرواح البسيطة التي اتتك هنا وتحدثت اليك، لكنني سأقول، شكراً جزيلاً ياطفولتي، شكراً لك على كل شيء، على قفزك، وركضك، وعملك الشاق “
التفت، وذهبت بعيداً، لا اعلم ماذا سأفعل، لا اعلم، لكنني حققت امنيتي، بأن احدث ماريو وافضفض اليه مابداخلي، حتى ولو لم يسمعني.
سأضيع، وسأضيع، وسأضيع، حتى اجد نفسي